التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ} (10)

الواو للحال ، والحال للتعجيب منهم كيف أحالوا إعادة الخلق وهم يعلمون النشأة الأولى ، وليست الإعادة بأعجب من بدء الخلق وخاصة بدء خلق آدم عن عدم ، وخُلوّ الجملة الماضوية عن حرف ( قد ) لا يقدح في كونها حالاً على التحقيق .

والاستفهام في { أءذا ضللنا } للتعجب والإحالة ، أي أظهروا في كلامهم استبعاد البعث بعد فناء الأجساد واختلاطها بالتراب ، مغالطة للمؤمنين وترويجاً لكفرهم . والضّلال : الغياب ، ومنه : ضلال الطريق ، والضالة : الدابة التي ابتعدت عن أهلها فلم يعرف مكانها . وأرادوا بذلك إذا تفرقت أجزاء أجسادنا في خلال الأرض واختلطت بتراب الأرض . وقيل : الضلال في الأرض : الدخول فيها بناء على أنه يقال : أضلّ الناسُ الميت ، أي : دفنوه . وأنشدوا قول النابغة في رثاء النعمان بن الحارث الغساني :

فآب مُضِلّوه بعين جَلية *** وغُودر بالجَوْلان حَزم ونائل

وقرأه نافع والكسائي ويعقوب : { إنا لفي خلق جديد } بهمزة واحدة على الإخبار اكتفاء بدخول الاستفهام على أول الجملة ومتعلقها . وقرأ الباقون { أإنا لفي خلق جديد } بهمزتين أولاهما للاستفهام والثانية تأكيد لهمزة الاستفهام الداخلة على { أإذا ضللنا في الأرض . } وقرأ ابن عامر بترك الاستفهام في الموضعين على أن الكلام خبر مستعمل في التهكم .

وتأكيد جملة { إنَّا لفي خلق جديد } بحرف { إنَّ } لأنهم حكوا القول الذي تعجبوا منه وهو ما في القرآن من تأكيد تجديد الخلق فحكوه بالمعنى كما في الآية الأخرى : { وقال الذين كفروا هل ندلّكم على رجل يُنَبِّئكم إذا مُزِّقْتُم كلَّ ممزَّق إنكم لفي خلق جديد } [ سبأ : 7 ] ، أي : يُحَقِّق لكم ذلك .

و { إذا } ظرف وهو معمول لما في جملة { إنا لفي خلق جديد } من معنى الكون . والخلق : مصدر . و { في } للظرفية المجازية ومعناها المصاحبة .

والجديد : المحدث ، أي غير خلقنا الذي كنا فيه .

و { بل } من { بل هُم بلقاء ربهم كافرون } إضراب عن كلامهم ، أي ليس إنكارهم البعث للاستبعاد والاستحالة لأن دلائل إمكانه واضحة لكل متأمل ولكن الباعث على إنكارهم إياه هو كفرهم بلقاء الله ، أي كفرهم الذي تلقوه عن أيمتهم عن غير دليل ، فالمعنى : بل هم قد أيقنوا بانتفاء البعث فهم متعنّتون في الكفر مُصرّون عليه لا تنفعهم الآيات والأدلة . فالكفر المثبت هنا كفر خاص وهو غير الكفر الذي دل عليه قولهم { أإذا ضَلَلْنا في الأرض إنا لفي خلق جديد } فإنه كفر بلقاء الله لكنهم أظهروه في صورة الاستبعاد تشكيكاً للمؤمنين وترويجاً لكفرهم .

وتقديم المجرور على { كافرون } للرعاية على الفاصلة ، والإتيان بالجملة الاسمية لإفادة الدوام على كفرهم والثبات عليه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ} (10)

قوله تعالى : " وقالوا أئذا ضللنا في الأرض " هذا قول منكري البعث ، أي هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا . وأصله من قول العرب : ضل الماء في اللبن إذا ذهب . والعرب تقول للشيء غلب عليه حتى فيه أثره : قد ضل . قال الأخطل :

كنتَ القَذَى في موج أكدر مُزْبد *** قذف الأتيّ به فضلَّ ضلالا

وقال قطرب : معنى ضللنا : غبنا في الأرض . وأنشد قول النابغة الذبياني :

فآب مُضِلُّوهُ بعين جليَّة *** وغودر بالجَوْلاَنِ حَزْمٌ ونائلُ

وقرأ ابن محيصن ويحيى بن يعمر : " ضلِلنا " بكسر اللام ، وهي لغة . قال الجوهري : وقد ضللت أضل قال الله تعالى : " قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي " {[12651]} [ سبأ : 50 ] . فهذه لغة نجد وهي الفصيحة . وأهل العالية يقولون : " ضلِلت " - بكسر اللام - أضل . وهو ضال تال ، وهي الضلالة والتلالة . وأضله أي أضاعه وأهلكه . يقال : أضل الميّت إذا دفن . قال :

فآب مضلوه . . . . . . البيت

ابن السكيت . أضللت بعيري إذا ذهب منك . وضللت المسجد والدار : إذا لم تعرف موضعهما . وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدى له . وفي الحديث ( لعلي أضل الله ) يريد أضل عنه ، أي أخفى عليه ، من قوله تعالى : " أإذا ضللنا في الأرض " أي خفينا . وأضله الله فضل ، تقول : إنك تهدي الضال ولا تهدي المتضال . وقرأ الأعمش والحسن : " صللنا " بالصاد ، أي أنتنا . وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه . النحاس : ولا يعرف في اللغة صللنا ولكن يقال : صل اللحم وأصل ، وخم وأخم إذا أنتن . الجوهري : صل اللحم يصل - بالكسر – صلولا ، أي أنتن ، مطبوخا كان أو نيئا . قال الحطيئة :

ذاك فتىً يبذُلُ ذا قِدرِه *** لا يُفْسِدُ اللحم لديه الصُّلُولُ

قوله تعالى : " إنا{[12652]} لفي خلق جديد " وأصل مثله . " إنا لفي خلق جديد " أي نخلق بعد ذلك خلقا جديدا ؟ ويقرأ : " أئنا " . النحاس : وفي هذا سؤال صعب من العربية ، يقال : ما العامل في " إذا " ؟ و " إن " لا يعمل ما بعدها فيما قبلها . والسؤال في الاستفهام أشد ؛ لأن ما بعد الاستفهام أجدر ، ألا يعمل فيما قبله من " إن " كيف وقد اجتمعا . فالجواب على قراءة من قرأ : " إنا " أن العامل " ضللنا " ، وعلى قراءة من قرأ : " أإنا " أن العامل مضمر ، والتقدير أنبعث إذا متنا . وفيه أيضا سؤال آخر ، يقال : أين جواب " إذا " على القراءة الأولى لأن فيها معنى الشرط ؟ فالقول في ذلك أن بعدها فعلا ماضيا ؛ فلذلك جاز هذا . " بل هم بلقاء ربهم كافرون " أي ليس لهم جحود قدرة الله تعالى عن الإعادة ؛ لأنهم يعترفون بقدرته ولكنهم اعتقدوا أن لا حساب عليهم ، وأنهم لا يلقون الله تعالى .


[12651]:راجع ص 313 من هذا الجزء.
[12652]:قوله: " إنا" قراءة نافع، وعليها جرى المؤلف.