التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (32)

عطف على جملة : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم } [ النساء : 29 ] .

والمناسبة بين الجملتين المتعاطفتين : أنّ التمنّي يحبّب للمُتمنّي الشيء الذي تمنّاه ، فإذا أحبّه أتْبَعَه نفسه فرام تحصيله وافتُتن به ، فربما بعثه ذلك الافتتان إلى تدبير الحيل لتحصيله إن لم يكن بيده ، وإلى الاستئثار به عن صاحب الحقّ فيغمض عينه عن ملاحظة الواجب من إعطاء الحقّ صاحبه وعن مناهي الشريعة التي تضمّنتها الجمل المعطوف عليها . وقد أصبح هذا التمنّي في زماننا هذا فتنة لِطوائف من المسلمين سرت لهم من أخلاق الغلاة في طلب المساواة ممّا جرّ أمما كثيرة إلى نحلة الشيوعية فصاروا يتخبَّطون لطلب التساوي في كلّ شيء ويعانون إرهاقاً لم يحصّلوا منه على طائل .

فالنهي عن التمنّي وتطلّع النفوس إلى ما ليس لها جاء في هذه الآية عامّا ، فكان كالتذييل للأحكام السابقة لسدّ ذرائعها وذرائع غيرها ، فكان من جوامع الكلم في درء الشرور . وقد كان التمنّي من أعظم وسائل الجرائم ، فإنّه يفضي إلى الحسد ، وقد كان أوّل جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد . ولقد كثر ما انتبهت أموال ، وقتلت نفوس للرغبة في بسطة رزق ، أو فتنة نساء ، أو نوال مُلك ، والتاريخ طافح بحوادث من هذا القبيل .

والذي يبدو أنّ هذا التمنّي هو تمنّي أموال المثرين ، وتمنّي أنصباء الوارثين ، وتمنّي الاستئثار بأموال اليتامى ذكورهم وإناثهم ، وتمنّي حرمان النساء من الميراث ليناسب ما سبق من إيتاء اليتامى أموالهم . وإنصاف النساء في مُهورهنّ ، وترك مضارّتهنّ إلجاء إلى إسقاطها ، ومن إعطاء أنصباء الورثة كما قسم الله لهم . وكلّ ذلك من تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق .

وقد أبدى القفّال مناسبة للعطف تندرج فيما ذكرته . وفي « سنن الترمذي » عن مجاهد ، عن أمّ سلمة أنّها قالت : « يا رسول الله يغزو الرجال ولا يغزو النساء ، وإنّما لنا نصف الميراث ، فأنزل الله { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } » . قال الترمذي : هذا حديث مرسل . قال ابن العربي : ورواياته كلّها حسان لم تبلغ درجة الصحّة . قلت : لمّا كان مرسلا يكون قوله : فأنزل الله { ولا تتمنوا } إلخ . من كلام مجاهد ، ومعناه أنّ نزول هذه الآية كان قريباً من زمن قول أمّ سلمة ، فكان في عمومها ما يردّ على أمّ سلمة وغيرها .

وقد رويت آثار : بعضها في أنّ هذه الآية نزلت في تمنّي النساء الجهاد ؛ وبعضها في أنّها نزلت في قول امرأة « إنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل أفنحن في العمل كذلك » ؛ وبعضها في أنّ رجالاً قالوا : إنّ ثواب أعمالنا على الضعف من ثواب النساء ؛ وبعضها في أنّ النساء سألن أجر الشهادة في سبيل الله وقلن لو كُتب علينا القتال لقاتلنا .

وكلّ ذلك جزئيات وأمثلة ممّا شمله عموم { ما فضل الله به بعضكم على بعض } .

والتمنّي هو طلب حصول ما يعسر حصوله للطالب . وذلك له أحوال ؛ منها أن يتمنّى ما هو من فضل الله غير ملتفت فيه إلى شيء في يد الغير ، ولا مانع يمنعه من شرع أو عادة ، سواء كان ممكن الحصول كتمنّي الشهادة في سبيل الله ، أم كان غير ممكن الحصول كقول النبي صلى الله عليه وسلم " وَلَوَدِدْتُ أني أقْتَلُ في سبيل الله ثم أُحيى ثم أقتل ثم أُحيى ثم أقتل " . وقوله صلى الله عليه وسلم " ليتنا نرى إخواننا " يعني المسلمين الذين يجيئون بعده .

ومنها أن يتمنّى ما لا يمكن حصوله لمانع عادي أو شرعي ، كتمنّي أمّ سلمة أن يغزو النساء كما يغزو الرجال ، وأن تكون المرأة مساوية الرجل في الميراث ؛ ومنها أن يتمنّى تمنيّا يدلّ على عدم الرضا بما ساقه الله والضجر منه ، أو على الاضطراب والانزعاج ، أو على عدم الرضا بالأحكام الشرعية .

ومنها أن يتمنّى نعمة تماثل نعمة في يد الغير مع إمكان حصولها للمتمنّي بدون أن تسلب من التي هي في يده كتمنّي عِلم مثل علم المجتهد أو مال مثل مال قارون .

ومنها أن يتمنّى ذلك لكن مثله لا يحصل إلاّ بسلب المنعَم عليه به كتمنّي مُلك بلدة معيّنة أو زوجة رجل معيّن .

ومنها أن يتمنّى زوال نعمة عن الغير بدون قصد مصيرها إلى المتمنّي .

وحاصل معنى النهي في الآية أنّه : إمّا نهي تنزيه لتربية المؤمنين على أن لا يشغلوا نفوسهم بما لا قبل لهم بنواله ضرورة أنّه سمّاه تمنّيا ، لئلا يكونوا على الحالة التي ورد فيها حديث : " يتمنى على الله الأماني " ويكون قوله : { واسألوا الله من فضله } إرشاد إلى طلب الممكن ، إذ قد علموا أنّ سؤال الله ودعاءه يكون في مرجوّ الحصول ، وإلاّ كان سوء أدب .

وإمّا نهي تحريم ، وهو الظاهر من عطفه على المنهيات المحرّمة ، فيكون جريمة ظاهرة ، أو قلبية كالحسد ، بقرينة ذكره بعد قوله : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم } [ النساء : 29 ] .

فالتمنّي الأوّل والرابع غير منهي عنهما ، وقد ترجم البخاري في صحيحه « باب تمني الشهادة في سبيل الله وباب الاغتباط في العلم والحكمة » ، وذكر حديث : " لا حسد إلاّ في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هَلَكته في الحقّ ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها الناس " . وأمّا التمنّي الثاني والثالث فمنهي عنهما لأنّهما يترتّب عليهما اضطراب النفس وعدم الرضا بما قسم الله والشكّ في حكمة الأحكام الشرعية .

وأمّا التمنّي الخامس والسادس فمنهي عنهما لا محالة ، وهو من الحسد ، وفي الحديث " لا تسأل المرأة طلاقَ أختها لتستفرغ صحفتها " .

ولذلك نهي عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ، إلاّ إذ كان تَمَنِّيه في الحالة الخامسة تمنّيَ حصول ذلك له بعد من هي بيده بحيث لا يستعجل موته . وقد قال أبو بكر ، لمّا استَخْلَف عمر ، يخاطب المهاجرين : « فكلّكم ورم أنفه يريد أن يكون له الأمر دونه » .

والسادس أشدّ وهو شرّ الحسدين إلاّ إذا كان صاحب النعمة يستعين به على ضرّ يلحق الدين أو الأمّة أو على إضرار المتمنّي .

ثم محلّ النهي في الآية : هو التمنّي ، وهو طلب ما لا قبل لأحد بتحصيله بكسبه ، لأنّ ذلك هو الذي يبعث على سلوك مسالك العداء ، فأمّا طلب ما يمكنه تحصيله من غير ضرّ بالغير فلا نهي عنه ، لأنّه بطلبه ينصرف إلى تحصيله فيحصل فائدة دينية أو دنيوية ، أمّا طلب ما لا قبل له بتحصيله فإن رجع إلى الفوائد الأخروية فلا ضير فيه .

وحكمة النهي عن الأقسام المنهي عنها من التمنّي أنّها تفسد ما بين الناس في معاملاتهم فينشأ عنها التحاسد ، وهو أوّل ذنب عُصي الله به ، إذْ حسد إبليس آدم ، ثم ينشأ عن الحسد الغيظ والغضب فيفضي إلى أذى المحسود ، وقد قال تعالى : { ومن شر حاسد إذا حسد } [ الفلق : 5 ] . وكان سبب أوّل جريمة في الدنيا الحسد : إذ حسد أحد ابني آدم أخاه فقتله ، ثم إنّ تمنّي الأحوال المنهي عنها يَنْشأ في النفوس أوّلَ ما ينشأ خاطراً مجرّدا ، ثم يربو في النفس رويداً رويداً حتّى يصير ملكة ، فتدعو المرء إلى اجترام الجرائم ليشفي غلّته ، فلذلك نهوا عنه ليزجروا نفوسهم عند حدوث هاته التمنّيات بزاجر الدين والحكمة فلا يَدعوها تربو في النفوس . وما نشأت الثورات والدعايات إلى ابتراز الأموال بعناوين مختلفة إلاّ من تمنّي ما فضّل به الله بعض الناس على بعض ، أو إلاّ أثر من آثار ما فضّل الله به بعض الناس على بعض .

وقوله : { بعضكم على بعض } صالح لأن يكون مراداً به آحاد الناس ، ولأن يكون مراداً به أصنافهم .

وقوله : { للرجال نصيب مما اكتسبوا } الآية : إن أريدَ بذكر الرجال والنساء هنا قصد تعميم الناس مثل ما يُذكر المشرق والمغرب ، والبر والبحر ، والنجد والغَوْر ، فالنهي المتقدّم على عمومه . وهذه الجملة مسوقة مساق التعليل للنهي عن التمنّي قطعاً لعذر المُتمَنّين ، وتأنيساً بالنهي ، ولذلك فصلت ؛ وإن أريد بالرجال والنساء كلاّ من النوعين بخصوصه بمعنى أنّ الرجال يختصّون بما اكتسبوه ، والنساء يختصصن بما اكتسبن من الأموال ، فالنهي المتقدّم متعلّق بالتمنّي الذي يفضي إلى أكلّ أموال اليتامى والنساء ، أي ليس للأولياء أكل أموال مواليهم وولاياهم إذ لكلّ من هؤلاء ما اكتسب . وهذه الجملة علّة لجملة محذوفة دلّت هي عليها ، تقديرها : ولا تتمنّوا فتأكلوا أموال مواليكم .

والنصيب : الحظّ والمقدار ، وهو صادق على الحظ في الآخرة والحظّ في الدنيا ، وتقدّم آنفاً .

والاكتساب : السعي للكسب ، وقد يستعار لحصول الشيء ولو بدون سعي وعلاجٍ . و ( مِن ) للتبعيض أو للابتداء ، والمعنى يحتمل أن يكون استحقّ الرجال والنساء كلّ حظّه من الأجر والثواب المنجرّ له من عمله ، فلا فائدة في تمنّي فريق أن يعمل عمل فريق آخر ، لأنّ الثواب غير منحصر في عمل معيَّن ، فإنّ وسائل الثواب كثيرة فلا يسوءكم النهي عن تمنّي ما فضّل الله به بعضكم على بعض . ويحتمل أنّ المعنى : استحقّ كلّ شخص ، سواء كان رجلاً أم امرأة ، حظّه من منافع الدنيا المنجرّ له ممّا سعى إليه بجهده ، أو الذي هو بعض ما سعى إليه ، فتمنّي أحد شيئاً لم يسع إليه ولم يكن من حقوقه ، هو تمنّ غير عادل ، فحَقَّ النهي عنه ؛ أو المعنى استحقّ أولئك نصيبهم ممّا كسبوا ، أي ممّا شُرع لهم من الميراث ونحوه ، فلا يحسد أحدٌ أحداً على ما جعل له من الحقّ ، لأنّ الله أعلم بأحقّيّة بعضكم على بعض .

وقوله : { وسئلوا الله من فضله } إن كان عطفاً على قوله : { للرجال نصيب مما اكتسبوا } الخ ، الذي هو علّة النهي عن التمنّي ، فالمعنى : للرجال مَزاياهم وحقوقهم ، وللنساء مزاياهنّ وحقوقهنّ ، فمن تمنّى ما لم يُعَدَّ لصنفه فقد اعتدى ، لكن يسأل الله من فضله أن يعطيه ما أعدّ لصنفه من المزايا ، ويجعل ثوابه مساوياً لثواب الأعمال التي لم تُعدّ لصنفه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء : « لكن أفضل الجهاد حجّ مبرور » وإن كان عطفاً على النهي في قوله : و { لا تتمنوا } فالمعنى : لا تتمنّوا ما في يد الغير واسألوا الله من فضله فإنّ فضل الله يسع الإنعام على الكلّ ، فلا أثر للتمنّي إلاّ تعب النفس . وقرأ الجمهور : { واسألوا } بإثبات الهمزة بعد السين الساكنة وهي عين الفعل وقرأه ابن كثير ، والكسائي بفتح السين وحذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى السين الساكن قبلها تخفيفاً .

وقوله : { إن الله كان بكل شيء عليماً } تذييل مناسب لهذا التكليف ، لأنّه متعلّق بعمل النفس لا يراقِب فيه إلاّ ربّه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (32)

فيه أربع مسائل :

الأولى : روى الترمذي عن أم سلمة أنها قالت : يغزو الرجال ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث ، فأنزل الله تعالى : " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " . قال مجاهد : وأنزل فيها " إن المسلمين والمسلمات " {[4329]} [ الأحزاب : 35 ] ، وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة . قال أبو عيسى : هذا حديث مرسل ، ورواه بضعهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، مرسل{[4330]} أن أم سلمة قالت كذا{[4331]} . وقال قتادة : كان الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان ، فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال . وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ؛ فنزلت ، " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " .

الثانية : قوله تعالى : " ولا تتمنوا " التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل ، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي ؛ فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني ؛ لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل . وقد اختلف العلماء هل يدخل في هذا النهي الغبطة ، وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمن زوال حاله . والجمهور على إجازة ذلك : مالك وغيره ؛ وهي المراد عند بعضهم في قوله عليه السلام ( لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل أتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ) . فمعنى قوله : " لا حسد " أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين . وقد نبه البخاري على هذا المعنى ؛ حيث بوب على هذا الحديث ( باب الاغتباط في العلم والحكمة ) قال المهلب : بين الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنيه ، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها . قال ابن عطية : وأما التمني في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن ، وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن أمنيته بشيء مما قدمنا ذكره فذلك جائز ، وذلك موجود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قول : ( وددت أن أحيا ثم أقتل ) . قلت : هذا الحديث هو الذي صدر به البخاري كتاب التمني في صحيحه ، وهو يدل على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها ، وفيه فضل الشهادة على سائر أعمال البر ؛ لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها ، وذلك لرفيع منزلتها وكرامة أهلها ، فرزقه الله إياها ؛ لقوله : ( ما زالت أكلة خيبر تعادني الآن أوان قطعت أبهري ){[4332]} . وفي الصحيح : ( إن الشهيد يقال له تمن فيقول أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتل في سبيلك مرة أخرى ) . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى إيمان أبي طالب وإيمان{[4333]} أبي لهب وصناديد قريش مع علمه بأنه لا يكون ؛ وكان يقول : ( واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ) . وهذا كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية إلى الحسد والتباغض ، والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل ، فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر ، وسواء تمنيت مع ذلك أن يعود إليك أو لا . وهذا هو الحسد بعينه ، وهو الذي ذمه الله تعالى بقوله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " {[4334]} [ النساء : ] ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه ؛ لأنه داعية الحمد والمقت . وقد كره بعض العلماء الغبطة وأنها داخلة في النهي ، والصحيح جوازها على ما بينا ، وبالله توفيقنا . وقال الضحاك : لا يحل لأحد أن يتمنى مال أحد ، ألم تسمع الذين قالوا : " يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون " {[4335]} [ القصص : ] إلى أن قال : " وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس " [ القصص : ] حين خسف به وبداره وبأمواله " لولا أن من الله علينا لخسف بنا " [ القصص : ] وقال الكلبي : لا يتمن الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته ؛ ولكن ليقل : اللهم ارزقني مثله . وهو كذلك في التوراة ، وكذلك قوله في القرآن " واسألوا الله من فضله " . وقال ابن عباس : نهى الله سبحانه أن يتمنى الرجل مال فلان وأهله ، وأمر عباده المؤمنين أن يسألوه من فضله . ومن الحجة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الدنيا لأربعة نفر : رجل أتاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل ، ورجل أتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء ) الحديث . . . وقد تقدم . خرجه الترمذي وصححه . وقال الحسن : لا يتمن أحدكم المال وما يدريه لعل هلاكه فيه ، وهذا إنما يصح إذا تمناه للدنيا ، وأما إذا تمناه للخير فقد جوزه الشرع ، فيتمناه العبد ليصل به إلى الرب ، ويفعل الله ما يشاء .

الثالثة : قوله تعالى : " للرجال نصيب مما اكتسبوا " يريد من الثواب والعقاب " وللنساء " كذلك ؛ قاله قتادة . فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال . وقال ابن عباس : المراد بذلك الميراث . والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، فنهى الله عز وجل عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد ؛ ولأن الله تعالى أعلم بمصالحهم منهم ، فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم .

الرابعة : قوله تعالى : " واسألوا الله من فضله " روى الترمذي عن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج ) وخرج أيضا ابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لم يسأل الله يغضب عليه ) . وهذا يدل على أن الأمر بالسؤال لله تعالى واجب ، وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال :

الله يغضب إن تركت سؤاله *** وبُنِيُّ آدم حين يسأل يغضب

وقال أحمد بن المعذل أبو الفضل الفقيه المالكي فأحسن :

التمس الأرزاق عند الذي *** ما دونه إن سِيلَ من حاجب

من يبغض التارك تَسْأَلَهُ *** جودا ومن يرضى عن الطالب

ومن إذا قال جرى قوله *** بغير توقيع إلى كاتب

وقد أشبعنا القول في هذا المعنى في كتاب " قمع الحرص بالزهد والقناعة " . وقال سعيد بن جبير : " واسألوا الله من فضله " العبادة ، ليس من أمر الدنيا . وقيل : سلوه التوفيق للعمل بما يرضيه . وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سلوا ربكم حتى الشبع ، فإنه إن لم ييسره الله عز وجل لم يتيسر . وقال سفيان بن عيينة : لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي . وقرأ الكسائي وابن كثير : " وسلوا الله من فضله " بغير همز في جميع القرآن . الباقون بالهمز . " واسألوا الله " . وأصله بالهمز إلا أنه حذفت الهمزة للتخفيف . والله أعلم .


[4329]:راجع ج 14 ص 185.
[4330]:كذا ورد بالرفع في جميع نسخ الأصل وصحيح الترمذي.
[4331]:في الترمذي: قالت كذا وكذا.
[4332]:الأكلة (بالضم) اللقمة. وتعادني: تراجعني ويعاودني ألم سمها في أوقات معلومة. والأبهر: عرق مستبطن في الصلب والقلب متصل به، فإذا انقطع لم تكن معه حياة. وحديث الشاة المسمومة وأكله صلى الله عليه وسلم منها مذكور في غزوة خيبر، فليراجع.
[4333]:من ج.
[4334]:راجع ص 250 من هذا الجزء.
[4335]:راجع ج 13 ص 316.