التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (39)

{ وَمِنْ ءاياته أَنَّكَ تَرَى الأرض خاشعة فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ }

عطف على جملة { ومِن آياته الليل والنهار } [ فصلت : 37 ] ، وهذا استدلال بهذا الصنع العظيم على أنه تعالى منفرد بفعله فهو دليل إلهيته دون غيره لأن من يفعل ما لا يفعله غيره هو الإِله الحق وإذا كان كذلك لم يجز أن يتعدد لكون من لا يفعل مثل فعله ناقص القدرة ، والنقص ينافي الإِلهية كما قال : { أفمن يخلق كمن لا يخلق } [ النحل : 17 ] .

والخطاب في قوله : { أَنَّكَ } لغير معيّن ليصلح لكل سامع .

والخشوع : التذلل ، وهو مستعار لحال الأرض إذا كانت مقحطة لا نبات عليها لأن حالها في تلك الخصاصة كحال المتذلّل ، وهذا من تشبيه المحسوس بالمعقول باعتبار ما يتخيله الناس من مشابهة اختلاف حالي القحولة والخصب بحالي التذلل والازدهاء .

والاهتزاز حقيقته : مطاوعة هزّهُ ، إذا حرَّكه بعد سكونه فتحرّك . وهو هنا مستعار لربّو وجه الأرض بالنبات ، شبّه حال إنباتها وارتفاعها بالماء والنبات بعد أن كانت منخفضة خامدة بالاهتزاز . ويؤخذ من مجموع ذلك أن هذا التركيب تمثيل ، شُبه حال قحولة الأرض ثم إنزال الماء عليها وانقلابها من الجدوبة إلى الخِصب والإنباتِ البهيج بحال شخص كان كاسف البال رثّ اللباس فأصابه شيء من الغنى فلبس الزينة واختال في مشيته زُهُوًّا ، ولذا يقال : هَز عطفيه ، إذا اختال في مشيته .

وفي قوله : { خاشعة } و { اهْتَزَّتْ } مكنية بأن شبهت بشخص كان ذليلاً ثم صار مهتزًّا لعطْفيْه ورمز إلى المشبه بهما بذكر رديفيهما . h فهذا من أحسن التمثيل وهو الذي يقبل تفريق أجزائه في أجزاء التشبيه .

وعطف { وَرَبَتْ } على { اهْتَزَّتْ } لأن المقصود من الاهتزاز هو ظهور النبات عليها وتحركه . والمقصود بالربوّ : انتفاخُها بالماء واعتلاؤها .

وقرأ أبو جعفر { وربأت } بهمزة بعد الموحدة من ( ربَأ ) بالهمز ، إذا ارتفع .

{ إِنَّ الذى أحياها لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلِّ شَىْءٍ قدير }

إدماج لإِثبات البعث في أثناء الاستدلال على تفرده تعالى بالخلق والتدبير ، ووقوعه على عادة القرآن في التفنن وانتهاز فرص الهدى إلى الحق .

والجملة استئناف ابتدائي والمناسبة مشابهة الإِحياءين ، وحرف التوكيد لمراعاة إنكار المخاطبين إحياء الموتى .

وتعريف المسند إليه بالموصولية لما في الموصول من تعليل الخبر ، وشُبه إمداد الأرض بماء المطر الذي هو سبب انبثاق البزور التي في باطنها التي تصير نباتاً بإحياء الميت ، فأطلق على ذلك { أحْيَاهَا } على طريق الاستعارة التبعية ، ثم ارتُقي من ذلك إلى جَعل ذلك الذي سمي إحياء لأنه شبيه الإحياء دليلاً على إمكان إحياء الموتى بطريقة قياس الشبه ، وهو المسمى في المنطق قياس التمثيل ، وهو يفيد تقريب المقيس بالمقيس عليه . وليس الاستدلال بالشبه والتمثيل بحجة قطعية ، بل هو إقناعي ولكنه هنا يصيرُ حجة لأن المقيس عليه وإن كان أضعف من المقيس إذ المشبه لا يبلغ قوة المشبه به ، فالمشبه به حيث كان لا يَقدر على فعله إلا الخالق الذي اتصف بالقدرة التامة لذاته فقد تساوى فيه قويُّه وضعيفه ، وهم كانوا يحيلون إحياء الأموات استناداً للاستبعاد العادي ، فلما نُظِّر إحياء الأموات بإحياء الأرض المشبه تم الدليل الإقناعي المناسب لشبهتهم الإِقناعية . وقد أشار إلى هذا تذييله بقوله : { إنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (39)

قوله تعالى : " ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة " الخطاب لكل عاقل أي " ومن آياته " الدالة على أنه يحيي الموتى " أنك ترى الأرض خاشعة " أي يابسة جدبة ، هذا وصف الأرض بالخشوع . قال النابغة :

رمادٌ ككُحْلِ العين لأْيًا أُبَيِّنُهُ *** ونُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أثْلَمُ خَاشِعُ{[13444]}

والأرض الخاشعة : الغبراء التي تنبت . وبلدة خاشعة : أي مغبرة لا منزل بها . ومكان خاشع . " فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت " أي بالنبات ؛ قال مجاهد . يقال : اهتز الإنسان أي تحرك . ومنه :

تراه كَنَصْلِ السيف يَهْتَزُّ للنَّدَى *** إذا لم تَجِدْ عندَ امْرِئِ السَّوْءِ مَطْمَعَا

" وربت " أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت . قاله مجاهد . أي تصعدت عن النبات بعد موتها . وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره : ربت واهتزت . والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض ، وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض ، فربوها ارتفاعها . ويقال للموضع المرتفع : ربوة ورابية ، فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولا وعرضا . وقرأ أبو جعفر وخالد " وربأت " ومعناه عظمت من الربيئة . وقيل : " اهتزت " أي استبشرت بالمطر " وربت " أي انتفخت بالنبات . والأرض إذا انشقت بالنبات : وصفت بالضحك ، فيجوز وصفها بالاستبشار أيضا . ويجوز أن يقال الربو والاهتزاز واحد ، وهي حالة خروج النبات . وقد مضى هذا المعنى في " الحج " {[13445]} " إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير " تقدم في غير موضع{[13446]} .


[13444]:شبه الرماد بكحل العين لسواده، فإنه يسودّ متى تقادم عهده وأصابته الأمطار. والنؤي حفير حول الخيمة. والجذم الأصل. وأثلم مهدوم. وخاشع تداعت آثاره واستوى بالأرض. يريد أن ذلك الرماد تغير ولم أتبينه إلا بعد لأي، أي بعد جهد ومشقة.
[13445]:راجع ج 12 ص 13 طبعة أولى أو ثانية.
[13446]:راجع ج 14 ص 45 طبعة أولى أو ثانية.