{ والذين ءَامَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } .
اعتراض بين ذِكر كرامات المؤمنين ، والواو اعتراضية .
والتعبير بالموصول إظهار في مقام الإِضمار لتكون الصلة إيماء إلى أن وجه بناء الخبر الوارد بعدها ، أي أن سبب إلحاق ذرياتهم بهم في نعيم الجنة هو إيمانهم وكونُ الذريات آمنوا بسبب إيمان آبائهم لأن الآباء المؤمنين يلقِّنون أبناءهم الإِيمان .
والمعنى : والمؤمنون الذين لهم ذرياتٌ مؤمنون ألحقنا بهم ذرياتهم .
وقد قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً } [ التحريم : 6 ] ، وهل يستطيع أحد أن يقي النار غيره إلا بالإِرشاد . ولعل ما في الآية من إلحاق ذرياتهم من شفاعة المؤمن الصالح لأهله وذريته .
والتنكير في قوله : { بإيمان } يحتمل أن يكون للتعظيم ، أي بإيمان عظيم ، وعظمتُه بكثرة الأعمال الصالحة ، فيكون ذلك شرطاً في إلحاقهم بآبائهم وتكون النعمة في جعلهم في مكان واحد .
ويحتمل أن يكون للنوعية ، أي بما يصدق عليه حقيقة الإِيمان .
وقرأ الجمهور { واتبعتهم } بهمزة وصل وبتشديد التاء الأولى وبتاء بعد العين هي تاء تأنيث ضمير الفعل . وقرأه أبو عمرو وحده { وأتبعناهم } بهمزة قطع وسكون التاء .
وقوله : { ذريتهم } الأول قرأه الجمهور بصيغة الإِفراد . وقرأه أبو عمرو { ذرياتهم } بصيغة جمع ذرية فهو مفعول { أتبعناهم } . وقرأه ابن عامر ويعقوب بصيغة الجمع أيضاً لكن مرفوعاً على أنه فاعل { أتبعتهم } ، فيكون الإِنعام على آبائهم بإلحاق ذرياتهم بهم وإن لم يعملوا مثل عملهم .
وقد روى جماعة منهم الطبري والبزار وابن عديّ وأبو نعيم وابن مردويه حديثاً مسنداً إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه ( أي في العمل كما صرح به في رواية القرطبي ) لتقرّ بهم عينُه ثم قرأ : { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان } إلى قوله : { من شيء } " . وعلى الاحتمالين هو نعمة جمع الله بها للمؤمنين أنواع المسرّة بسعادتهم بمزاوجة الحور وبمؤانسة الإِخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم ، وذلك أن في طبع الإنسان التأنس بأولاده وحبه اتصالهم به .
وقد وصف ذلك محمد بن عبد الرفيع الجعفري المُرسي الأندلسي نزيل تونس سنة 1013 ثلاث عشرة وألف في كتاب له سمّاه « الأنوار النبوية في آباء خير البرية »{[394]} قال في خاتمة الكتاب « قد أطلعني الله تعالى على دين الإِسلام بواسطة والدي وأنا ابن ستة أعوام مع أني كنت إذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم ثم أرجعُ إلى بيتي فيعلمني والدِي دينَ الإِسلام فكنت أتعلم فيهما ( كذا ) معاً وسني حين حُملت إلى مكتَبهم أربعة أعوام فأخذ والدي لوحاً من عود الجوز كأني انظر الآن إليه مملّساً من غير طَفَل ( اسم لطين يابس وهو طين لزج وليست بعربية وعربيتُه طُفَال كغراب ) ، فكتب لي فيه حروف الهجاء وهو يسألني عن حروف النصارى حرفاً حرفاً تدريباً وتقريباً فإذا سميتُ له حرفاً أعجمياً يكتب لي حرفاً عربياً حتى استوفى جميع حروف الهجاء وأوصاني أن أكتم ذلك حتى عن والدتي وعَمِّي وأخي مع أنه رحمه الله قد ألقى نفسه للهلاك لإِمكان أن أخبر بذلك عنه فيُحْرَق لا محالة وقد كان يُلقِّنني ما أقوله عند رؤيتي الأصنام ، فلما تحقق والدي أني أكتم أمور دين الإِسلام أمرني أن أتكلم بإفشائه لوالدتي وبعض الأصدقاء من أصحابه وسافرت الأسفار من جِيَّان لأجتمع بالمسلمين الأخيار إلى غرناطة وإشبيلية وطليطلة وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء ، فتخلص لي من معرفتهم أني ميزت منهم سبعة رجال كانوا يحدثونني بأحوال غرناطة وما كان بها في الإِسلام وقد مروا كلهم على شيخ من مشائخ غرناطة يقال له الفقيه الأوطوري . . . » الخ .
وإيثار فعل { ألحقنا } دون أن يقال : أدخلنا معهم ، أو جعلنا معهم لعله لما في معنى الإِلحاق من الصلاحية للفَور والتأخير ، فقد يكون ذلك الإِلحاق بعد إجراء عقاب على بعض الذرية استحقوه بسيئاتهم على ما في الأعمال من تفاوت في استحقاق العقاب والله أعلم بمراده من عباده . وفعل الإِلحاق يقتضي أن الذريات صاروا في درجات آبائهم . وفي المخالفة بين الصيغتين تفنن لدفع إعادة اللفظ .
و { ألتناهم } نقصناهم ، يقال : آلته حقه ، إذا نقصه إياه ، وهو من باب ضرب ومن باب علم .
فقرأه الجمهور بفتح لام { ألتناهم } . وقرأه ابن كثير بكسر لام { ألِتناهم } ، وتقدم عند قوله تعالى : { لا يلتكم من أعمالكم شيئاً } في سورة الحجرات ( 14 ) . والواو للحال وضمير الغيبة عائد إلى { الذين آمنوا } .
والمعنى : أن الله ألحق بهم ذرياتهم في الدرجة في الجنة فضلاً منه على الذين آمنوا دون عوض احتراساً من أن يحسبوا أن إلحاق ذرياتهم بهم بعد عطاء نصيب من حسناتهم لذرياتهم ليدخلوا به الجنة على ما هو متعارف عندهم في فك الأسير ، وحَمالة الديات ، وخلاص الغارمين ، وعلى ما هو معروف في الانتصاف من المظلوم للظالم بالأخذ من حسناته وإعطائها للمظلوم ، وهو كناية عن عدم انتقاص حظوظهم من الجزاء على الأعمال الصالحة .
و { من عملهم } متعلق ب { ما ألتناهم } و ( من ) للتبعيض ، و ( من ) التي في قوله : { من شيء } لتوكيد النفي وإفادة الإِحاطة والشمول للنكرة .
{ كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } .
جملة معترضة بين جملة { وما ألتناهم من عملهم } وبين جملة { وأمددناهم بفاكهة } [ الطور : 22 ] ، قصد منها تعليل الجملة التي قبلها وهي بما فيها من العموم صالحة للتذييل مع التعليل ، و { كل امرىء } يعمّ أهل الآخرة كلهم . وليس المراد كل امرىء من المتقين خاصة .
والمعنى : انتفى إنقاصُنا إياهم شيئاً من عملهم لأن كل أحد مقرون بما كسب ومرتهَن عنده والمتقون لمّا كَسَبوا العمل الصالح كان لازماً لهم مقترناً بهم لا يُسلبون منه شيئاً ، والمراد بما كسبوا : جزاء ما كسبوا لأنه الذي يقترن بصاحب العمل وأما نفس العمل نفسه فقد انقضى في إبانه .
وفي هذا التعليل كنايتان : إحداهما : أن أهل الكفر مقرونون بجزاء أعمالهم ، وثانيتهما : أن ذريات المؤمنين الذين ألحقوا بآبائهم في النعيم ألحقوا بالجنة كرامة لآبائهم ولولا تلك الكرامة لكانت معاملتهم على حسب أعمالهم . وبهذا كان لهذه الجملة هنا وقع أشد حسناً مما سواه مع أنها صارت من حسن التتميم .
قوله تعالى : " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم " قرأ العامة " واتبعتهم " بوصل الألف وتشديد التاء وفتح العين وإسكان التاء . وقرأ أبو عمرو " وأتبعناهم " بقطع الألف وإسكان التاء والعين ونون ، اعتبارا بقوله : " ألحقنا بهم " ليكون الكلام على نسق واحد . " ذريتهم " الأولى فقرأها بالجمع ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب ورواها عن نافع إلا أن أبا عمرو كسر التاء على المفعول وضم باقيهم . وقرأ الباقون " ذريتهم " على التوحيد وضم التاء وهو المشهور عن نافع . فأما الثانية فقرأها نافع وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بكسر التاء على الجمع . الباقون " ذريتهم " على التوحيد وفتح التاء . واختلف في معناه ، فقيل عن ابن عباس أربع روايات : الأولى أنه قال : إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه ، وتلا هذه الآية . ورواه مرفوعا النحاس في " الناسخ والمنسوخ " له عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كان لم يبلغها بعمله لتقر بهم عينه ) ثم قرأ " والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان " الآية . قال أبو جعفر : فصار الحديث مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا يجب أن يكون ؛ لأن ابن عباس لا يقول هذا إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه إخبار عن الله عز وجل بما يفعله وبمعنى أنه أنزلها جل ثناؤه . الزمخشري : فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم ، وبمزاوجة الحور العين ، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين ، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم . وعن ابن عباس أيضا أنه قال : إن الله ليلحق بالمؤمن ذريته الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان ، قاله المهدوي . والذرية تقع على الصغار والكبار ، فإن جعلت الذرية ها هنا للصغار كان قوله تعالى : " بإيمان " في موضع الحال من المفعولين ، وكان التقدير " بإيمان " من الآباء . وإن جعلت الذرية للكبار كان قوله : " بإيمان " حالا من الفاعلين . القول الثالث عن ابن عباس : أن المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار والذرية التابعون . وفي رواية عنه : إن كان الآباء أرفع درجة رفع الله الأبناء إل الآباء ، وإن كان الأبناء أرفع درجة رفع الله الآباء إلى الأبناء ، فالآباء داخلون في اسم الذرية ، كقوله تعالى : " وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون{[14298]} " [ يس : 41 ] . وعن ابن عباس أيضا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا دخل أهل الجنة الجنةَ سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده فيقال لهم : إنهم لم يدركوا ما أدركت فيقول يا رب إني عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به ) . وقالت خديجة رضي الله عنها : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين لي ماتا في الجاهلية فقال لي : ( هما في النار ) فلما رأى الكراهية في وجهي قال : ( لو رأيت مكانهما لأبغضتهما ) قالت : يا رسول الله فولدي منك ؟ قال : ( في الجنة ) ثم قال : ( إن المؤمنين وأولادهم في الجنة والمشركين وأولادهم في النار ) ثم قرأ " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان " الآية .
قوله تعالى : " وما ألتناهم من عملهم من شيء " أي ما نقصنا الأبناء من ثواب أعمالهم لقصر أعمارهم ، وما نقصنا الآباء من ثواب أعمالهم شيئا بإلحاق الذريات بهم . والهاء والميم راجعان إلى قوله تعالى : " والذين أمنوا " . وقال ابن زيد : المعنى " واتبعتهم ذريتهم بإيمان " ألحقنا بالذرية أبناءهم الصغار الذين لم يبلغوا العمل ، فالهاء والميم على ، هذا القول للذرية . وقرأ ابن كثير " وما ألتناهم " بكسر اللام . وفتح الباقون . وعن أبي هريرة " آلتناهم " بالمد ، قال ابن الأعرابي : أَلَتَهُ يألِتُهُ ألتا ، وآلته يولته إيلاتا ، ولاته يليته لَيْتاً كلها إذا نقصه . وفي الصحاح : ولاته عن وجهه يلوته ويليته أي حبسه عن وجهه وصرفه ، وكذلك ألاته عن وجهه فعل وأفعل بمعنى ، ويقال أيضا : ما ألاته من عمله شيئا أي ما نقصه مثل ألته وقد مضى ب " الحجرات " {[14299]} .
قوله تعالى : " كل امرئ بما كسب رهين " قيل : يرجع إلى أهل النار . قال ابن عباس : ارتهن أهل جهنم بأعمالهم وصار أهل الجنة إلى نعيمهم ، ولهذا قال : " كل نفس بما كسبت رهينة . إلا أصحاب اليمين{[14300]} " [ المدثر : 38 ] . وقيل : هو عام لكل إنسان مرتهن بعمله فلا ينقص أحد من ثواب عمله ، فأما الزيادة على ثواب العمل فهي تفضل من الله . ويحتمل أن يكون هذا في الذرية الذين لم يؤمنوا فلا يلحقون آباءهم المؤمنين بل يكونون مرتهنين بكفرهم .