تسلية للمؤمنين وتأنيس لنفوسهم يزال به ما يلحقهم من الحزن لمشاهدة نجوى المنافقين لاختلاف مذاهب نفوسهم إذا رأوا المتناجين في عديد الظنون والتخوفات كما تقدم . فالجملة استئناف ابتدائي اقتضته مناسبة النهي عن النجوى ، على أنها قد تكون تعليلاً لتأكيد النهي عن النجوى .
والتعريف في { النجوى } تعريف العهد لا محالة . أي نجوى المنافقين الذين يتناجون بالإِثم والعدوان ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم .
والحصر المستفاد من { إنما } قصر موصوف على صفة و { من } ابتدائية ، أي قصر النجوى على الكون من الشيطان ، أي جائية لأن الأغراض التي يتناجون فيها من أكبر ما يوسوس الشيطان لأهل الضلالة بأن يفعلوه ليحزن الذين آمنوا بما يتطرقهم من خواطر الشر بالنجوى . وهذه العلة ليست قيداً في الحصر فإن للشيطان عللاً أخرى مثل إلقاء المتناجين في الضلالة ، والاستعانة بهم على إلقاء الفتنة ، وغير ذلك من الأغراض الشيطانية .
وقد خصت هذه العلة بالذكر لأن المقصود تسلية المؤمنين وتصبرهم على أذى المنافقين ولذلك عقب بقوله : { وليس بضارهم شيئاً } ليطمئن المؤمنون بحفظ الله إياهم من ضر الشيطان . وهذا نحو من قوله تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [ الحجر : 42 ]
وقرأ نافع وحده { ليُحزن } بضم الياء وكسر الزاي فيكون { الذين آمنوا } مفعولاً . وقرأه الباقون بفتح الياء وضم الزاي مضارع حزم فيكون { الذين آمنوا } فاعلاً وهما لغتان .
وجملة { وليس بضارهم } الخ معترضة .
وضمير الرفع المستتر في قوله : { بضارهم } عائد إلى { الشيطان } .
والمعنى : أن الشيطان لا يضرّ المؤمنين بالنجوى أكثر من أنه يحزنهم . فهذا كقوله تعالى : { لن يضروكم إلى أذى } [ آل عمران : 111 ] أو عائد إلى النجوى بتأويله بالتناجي ، أي ليس التناجي بضارّ المؤمنين لأن أكثره ناشىء عن إيهام حصول ما يتقونه في الغزوات .
وعلى كلا التقديرين فالاستثناء بقوله : { إلا بإذن الله } استثناء من أحوال والباء للسببية ، أي إلا في حال أن يكون الله قدّر شيئاً من المضرة من هزيمة أو قتل . والمراد بالإِذن أمر التكوين .
وانتصب { شيئاً } على المفعول المطلق ، أي شيئاً من الضر .
ووقوع { شيئاً } وهو ذكره في سياق النفي يفيد عموم نفي كل ضرّ من الشيطان ، أي انتفى كل شيء من ضر الشيطان عن المؤمنين ، فيشمل ضر النجوى وضر غيرها ، والاستثناء في قوله تعالى : { إلا بإذن الله } من عموم { شيئاً } الواقع في سياق النفي ، أي لا ضراً ملابساً لإِذن الله في أن يسلط عليهم الشيطان ضره فيه ، أي ضر وسوسته .
واستعير الإِذن لما جعله الله في أصل الخلقة من تأثر النفوس بما يسوّل إليها . وهو معنى قوله تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } [ الحجر : 42 ] فإذا خلى الله بين الوسوسة وبين العبد يكون اقتراب العبد من المعاصي الظاهرة والباطنة في كل حالة يبتعد فيها المؤمن عن مراقبة الأمر والنهي الشرعيين .
وهذا الضر هو المعبر عنه بالسلطان في قوله تعالى في شأن الشيطان { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين } أي فلك عليه سلطان . وهذه التصاريف الإلهية جارية على وفق حكمة الله تعالى وما يعلمه من أحوال عباده وسرائرهم وهو يعلم السر وأخفى .
ولهذا ذيل بقوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } لأنهم إذا توكلوا على الله توكلاً حقاً بأن استفرغوا وسعهم في التحرز من كيد الشيطان واستعانوا بالله على تيسير ذلك لهم فإن الله يحفظهم من كيد الشيطان قال تعالى : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } [ الطلاق : 3 ] .
ويجوز أن يكون عموم { شيئاً } مراداً به الخصوص ، أي ليس بضارّهم شيئاً مما يوهمه تناجي المنافقين من هزيمة أو قتل إلا بتقدير الله حصول هزيمة أو قتل .
والمعنى : أن التناجي يوهم الذين آمنوا ما ليس واقعاً فأعلمهم الله أن لا يحزنوا بالنجوى لأن الأمور تجري على ما قدره الله في نفس الآمر حتى تأتيهم الأخبار الصادقة .
وتقديم الجار والمجرور في قوله تعالى : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } للاهتمام بمدلول هذا المتعلق .
الأولى- قوله تعالى : { إنما النجوى من الشيطان } أي من تزيين الشياطين{ ليحزن الذين آمنوا }إذا توهموا أن المسلمين أصيبوا في السرايا ، أو إذا أجروا{[14775]} اجتماعهم على مكايدة المسلمين ، وربما كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم فيظن المسلمون أنهم ينتقصونهم عند النبي صلى الله عليه وسلم { وليس بضارهم شيئا } أي التناجي { إلا بإذن الله } أي بمشيئته وقيل : بعلمه . وعن ابن عباس : بأمره . { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي يكلون أمرهم إليه ، ويفوضون جميع شؤونهم إلى عونه ، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر ، فهو الذي سلط الشيطان بالوساوس ابتلاء للعبد وامتحانا ولو شاء لصرفه عنه .
الثانية- في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الواحد ) . وعن عبدالله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه ) فبين في هذا الحديث غاية المنع ، وهي أن يجد الثالث من يتحدث معه كما فعل ابن عمر ، ذلك أنه كان يتحدث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجه حتى دعا رابعا ، فقال له وللأول : تأخرا وناجى الرجل الطالب للمناجاة . خرجه الموطأ . وفيه أيضا التنبيه على التعليل بقوله : ( من أجل أن يحزنه ) أي يقع في نفسه ما يحزن لأجله . وذلك بأن يقدر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره ، أو أنه لم يروه أهلا ليشركوه في حديثهم ، إلى غير ذلك من أُلْقِيَات الشيطان وأحاديث النفس . وحصل ذلك كله من بقائه وحده ، فإذا كان معه غيره أمن ذلك ، وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد ، فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلا ، لوجود ذلك المعنى في حقه ، بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع ، فيكون بالمنع أولى . وإنما خص الثلاثة بالذكر ؛ لأنه أول عدد يتأتى ذلك المعنى فيه . وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال ، وإليه ذهب ابن عمر ومالك والجمهور . وسواء أكان التناجي في مندوب أو مباح أو واجب فإن الحزن يقع به . وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أول الإسلام ؛ لأن ذلك كان في حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين ، فلما فشا الإسلام سقط ذلك . وقال بعضهم : ذلك خاص بالسفر في المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه ، فأما في الحضر وبين العمارة فلا ، فإنه يجد من يعينه ، بخلاف السفر فإنه مظنة الاغتيال وعدم المغيث{[14776]} . والله أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.