فصل بين آيات الأحكام المتعلقة بالنجوى بهذه الآية مراعاة لاتحاد الموضوع بين مضمون هذه الآية ومضمون التي بعدها في أنهما يجمعهما غرض التأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم وتلك المراعاة أولى من مراعاة اتحاد سياق الأحكام .
ففي هذه الآية أدب في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والآية التي بعدها تتعلق بالأدب في مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخرت تلك عن آيات النجوى العامة إيذاناً بفضلها دون النجوى التي تضمنتها الآيات السابقة ، فاتحاد الجنس في النجوى هو مسوغ الانتقال من النوع الأول إلى النوع الثاني ، والإِيماءُ إلى تميزها بالفضل هو الذي اقتضى الفصل بين النوعين بآية أدب المجلس النبوي .
وأيضاً قد كان للمنافقين نية مكر في قضية المجلس كما كان لهم نية مكر في النجوى ، وهذا مما أنشأ مناسبة الانتقال من الكلام على النجوى إلى ذكر التفسح في المجلس النبوي الشريف .
روي عن مقاتل أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصُفّة ، وكان في المكان ضيق في يوم الجمعة فجاء ناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شَماس قد سُبقوا في المجلس فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يفسح لهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر فقال لمن حوله : قم يا فلان بعَدد الواقفين من أهل بدر فشقّ ذلك على الذين أقيموا ، وغمز المنافقون وقالوا : ما أُنْصِف هؤلاء ، وقد أحبّوا القرب من نبيئهم فسَبَقوا إلى مجلسه فأنزل الله هذه الآية تطييباً لخاطر الذين أقيموا ، وتعليماً للأمة بواجب رعي فضيلة أصحاب الفضيلة منها ، وواجبِ الاعتراف بمزية أهل المزايا ، قال الله تعالى : { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } [ النساء : 32 ] ، وقال : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى } [ الحديد : 10 ] .
والخطاب ب { يأيها الذين آمنوا } خطاب لجميع المؤمنين يعم من حضروا المجلس الذي وقعت فيه حادثة سبب النزول وغيرَهم ممن عسى أن يحضر مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم .
وابتدئت الآية بالأمر بالتفسح لأن إقامة الذين أقيموا إنما كانت لطلب التفسيح فإناطة الحكم إيماء إلى علة الحكم .
والتفسح : التوسع وهو تفعل من فسح له بفتح السين مخففة إذا أوجد له فُسحة في مكان ، وفسُح المكان من باب كرُم إذا صار فسيحاً . ومادة التفعل هنا للتكلف ، أي يكلف أن يجعل فسحة في المكان وذلك بمضايقة مع الجُلاّس .
وتعريف { المجلس } يجوز أن يكون تعريف العهد ، وهو مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أي إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لكم ذلك لأن أمره لا يكون إلا لمراعاة حق راجح على غيره والمجلس مكان الجلوس .
وكان مجلس النبي صلى الله عليه وسلم بمسجده والأكثر أن يكون جلوسه المكان المسمّى بالروضة وهو ما بين منبر النبي صلى الله عليه وسلم وبيته .
ويجوز أن يكون تعريف { المجلس } تعريف الجنس . وقوله : { يفسح الله لكم } مجزوم في جواب قوله : { فافسحوا } ، وهو وعد بالجزاء على الامتثال لأمر التفسح من جنس الفعل إذ جعلت توسعة الله على الممتثل جزاءً على امتثاله الذي هو إفساحه لغيره فضمير { لكم } عائد على { الذين آمنوا } باعتبار أن الذين يفسحون هم من جملة المؤمنين لأن الحكم مشاع بين جميع الأمة وإنما الجزاء للذين تعلق بهم الأمر تعلقاً إلزامياً .
وحذف متعلق { يفسح الله لكم } ليعم كل ما يتطلب الناس الإِفساح فيه بحقيقته ومجازه في الدنيا والآخرة من مكان ورزق أو جنة عرضها السماوات والأرض على حسب النيات ، وتقديرُه الجزاء موكول إلى إرادة الله تعالى .
وحذف فاعل القول لظهوره ، أي إذا قال لكم الرسول : تفسحوا فافسحوا ، فإن الله يثيبكم على ذلك .
فالآية لا تدلّ إلاّ على الأمر بالتفسح إذا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يستفاد منها أن تفسح المسلمين بعضهم لبعض في المجالس محمود مأمور به وجوباً أو ندباً لأنه من المكارمة والإِرفاق . فهو من مكملات واجب التحابّ بين المسلمين وإن كان فيه كلفة على صاحب البقعة يُضايقه فيها غيره . فهي كلفة غير معتبرة إذا قوبلت بمصلحة التحابّ وفوائده ، وذلك ما لم يفض إلى شدة مضايقة ومضرة أو إلى تفويت مصلحة من سماع أو نحوه مثل مجالس العلم والحديث وصفوفِ الصلاة . وذلك قياس على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في أنه مجلس خير . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أحبكم إليّ ألْيَنُكم مناكب في الصلاة " قال مالك : ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابرَ الدهر . يريد أن هذا الحكم وإن نزل في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فهو شامل لمجالس المسلمين من مجالس الخير لأن هذا أدب ومؤاساة ، فليس فيه قرينة الخصوصية بالمجالس النبوية ، وأراد مالك ب« نحوها » كل مجلس فيه أمر مهمّ في شؤون الدين فمن حق المسلمين أن يحرصوا على إعانة بعضهم بعضاً على حضوره . وهذا قياس على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وعلته هي التعاون على المصالح .
وأفهم لفظ التفسح أنه تجنب للمضايقة والمراصة بحيث يفوت المقصود من حضور ذلك المجلس أو يحصل ألم للجالسين .
وقد أرخص مالك في التخلف عن دعوة الوليمة إذا كثر الزحام فيها .
وقرأ الجمهور { في المجلس } وقرأه عاصم بصيغة الجمع { في المجالس } وعلى كلتا القراءتين يجوز كون اللام للعهد وكونها للجنس وأن يكون المقصود مجالس النبي صلى الله عليه وسلم كلما تكررت أو ما يشمل جميع مجالس المسلمين ، وعلى كلتا القراءتين يصح أن يكون الأمر في قوله تعالى : { فافسحوا } للوجوب أو للندب .
وقوله : { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } الآية عطف على { إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس } .
و { انشزوا } أمر من نَشَز إذا نهض من مكانه يقال : نَشُزَ يَنشِزُ من باب قَعد وضرَب إذا ارتفع لأن النهوض ارتفاع من المكان الذي استقرّ فيه ومنه نشوز المرأة من زوجها مجازاً عن بعدها عن مضجعها . والنشوز : أخص من التفسيح من وجه فهو من عطف الأخص : من وجهٍ على الأعم منه للاهتمام بالمعطوف لأن القيام من المجلس أقوى من التفسيح من قعود . فذكر النشوز لئلا يتوهم وأن التفسيح المأمور به تفسيح من قعود لا سيما وقد كان سبب النزول بنشوز ، وهو المقصود من نزول الآية على ذلك القول . ومن المفسرين من فسر النشوز بمطلق القيام من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان لأجل التفسيح أو لغير ذلك مما يؤمر بالقيام لأجله . روي عن ابن عباس وقتادة والحسن « إذا قيل انشزوا إلى الخير وإلى الصلاة فانشزوا » .
وقال ابن زيد : إذا قيل انشزوا عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتفعوا فإن للنبيء صلى الله عليه وسلم حوائج ، وكانوا إذا كانوا في بيته أحبّ كل واحد منهم أن يكون آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب النزول لا يخصص العام ولا يقيد المطلق .
وهذا الحكم إذا عسر التفسيح واشتد الزحام والتراصّ فإن لأصحاب المقاعد الحقّ المستقر في أن يستمرّوا قاعدين لا يقام أحد لغيره وذلك إذا كان المقوّم لأجله أولى بالمكان من الذي أقيم له بسبب من أسباب الأوّلية كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة نفر لإِعطاء مقاعدهم للبدريين . ومنه أولوية طلبة العلم بمجالس الدرس ، وأولوية الناس في مقاعد المساجد بالسبق ، ونحو ذلك ، فإن لم يكن أحد أولى من غيره فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقيم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه .
وللرجل أن يرسل إلى المسجد ببساطه أو طنفسته أو سجادته لتبسط له في مكان من المسجد حتى يأتي فيجلس عليها فإن ذلك حوز لذلك المكان في ذلك الوقت . وكان ابن سيرين يرسل غلامه إلى المسجد يوم الجمعة فيجلس له فيه فإذا جاء ابن سرين قام الغلام له منه .
وفي « الموطأ » عن مالك بن أبي عامر قال : كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشي الطنفسة كلها ظِلُّ الجدار خرج عمر بن الخطاب فصلّى الجمعة . فالطنفسة ونحوها حوز المكان لصاحب البساط .
فيجوز لأحد أن يأمر أحداً يبكر إلى المسجد فيأخذ مكاناً يقعد فيه حتى إذا جاء الذي أرسل ترك له البقعة لأن ذلك من قبيل النيابة في حوز الحق .
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر { انشزوا فانشزوا } بضم الشين فيهما . وقرأه الباقون بكسر الشين . وهما لغتان في مضارع نشز .
وقوله : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } جواب الأمر في قوله : { فانشزوا } فقد أجمع القراء على جزم فعل { يرفعْ } فهو جواب الأمر بهذا . وعد بالجزاء على الامتثال للأمر الشرعي فيما فيه أمر أو لما يقتضي الأمر من علّة يقاس بها على المأمور به أمثالُه مما فيه علة الحكم كما تقدم في قوله تعالى : { فافسحوا } .
ولما كان النشوز ارتفاعاً عن المكان الذي كان به كان جزاؤه من جنسه .
وتنكير { درجات } للإِشارة إلى أنواعها من درجات الدنيا ودرجات الآخرة .
وضمير { منكم } خطاب للذين نودوا ب { يأيها الذين آمنوا } .
و ( من ) تبعيضية ، أي يرفع الله درجات الذين امتثلوا . وقرينة هذا التقدير هي جعل الفعل جزاء للأمر فإن الجزاء مسبب عما رتب عليه بقوله : { منكم } صفة للذين آمنوا . أي الذين آمنوا من المؤمنين والتغايُر بين معنى الوصف ومعنى الموصوف بتغاير المقدَّر وإن كان لفظ الوصف ولفظ الموصوف مترادفين في الظاهر . فآل الكلام إلى تقدير : يرفع الله الذين استجابوا للأمر بالنشوز إذا كانوا من المؤمنين ، أي دون من يضمه المجلس من المنافقين . فكان مقتضى الظاهر أن يقال : يرفع الله الناشزين منكم فاستحضروا بالموصول بصلة الإِيمان لما تؤذن به الصلة من الإِيماء إلى علة رفع الدرجات لأجل امتثالهم أمرَ القائل { انشزوا } وهو الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان لإِيمانهم وأن ذلك الامتثال من إيمانهم ليس لنفاق أو لصاحبه امتعاض .
وعطف « الذين أوتوا العلم منهم » عطف الخاص على العام لأن غشيان مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو لطلب العلم من مواعظه وتعليمه ، أي والذين أوتوا العلم منكم أيها المؤمنون ، لأن الذين أوتوا العلم قد يكون الأمر لأحد بالقيام من المجلس لأجلهم ، أي لأجل إجلاسهم ، وذلك رفع لدرجاتهم في الدنيا ، ولأنهم إذا تمكنوا من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم كان تمكنهم أجمع للفهم وأنفى للملل ، وذلك أدعى لإطالتهم الجلوس وازديادهم التلقي وتوفير مستنبطات أفهامهم فيما يلقى إليهم من العلم ، فإقامة الجالسين في المجلس لأجل إجلاس الذين أوتوا العلم من رفع درجاتهم في الدنيا .
ولعل البدريين الذين نزلت الآية بسبب قصتهم كانوا من الصحابة الذين أوتوا العلم .
ويجوز أن بعضاً من الذين أمروا بالقيام كان من أهل العلم فأقيم لأجل رجحان فضيلة البدريين عليه ، فيكون في الوعد للذي أقيم من مكانه برفع الدرجات استئناس له بأن الله رافع درجته .
هذا تأويل نظم الآية الذي اقتضاه قوة إيجازه . وقد ذهب المفسرون في الإفصاح عن استفادة المعنى من هذا النظم البديع مذاهب كثيرة وما سلكناه أوضح منها .
وانتصب { درجات } ، على أنه ظرف مكان يتعلق ب { يرفع } أي : يرفع الله الذين آمنوا رفعاً كائناً في درجات .
ويجوز أن يكون نائباً عن المفعول المطلق ل { يرفع } لأنها درجات من الرفع ، أي مرافع .
والدرجات مستعارة للكرامة فإن الرفع في الآية رفعاً مجازياً ، وهو التفضيل والكرامة وجيء للاستعارة بترشيحها بكون الرفع درجات . وهذا الترشيح هو أيضاً استعارة مثل الترشيح في قوله تعالى : { ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } [ الرعد : 25 ] وهذا أحسن الترشيح . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى في سورة [ الأنعام : 83 ] { نرفع درجات من نشاء . } وقال عبد الله بن مسعود وجماعة من أهل التفسير : إن قوله : { والذين أوتوا العلم درجات } كلام مستأنف وتَم الكلام عند قوله : { منكم } قال ابن عطية : ونصب بفعل مُضمر ولعله يعني : نُصب { درجات } بفعل هو الخبر عن المبتدأ ، والتقدير : جعلهم .
وجملة { والله بما تعملون خبير } تذييل ، أي الله عليم بأعمالكم ومختلف نياتكم من الامتثال كقول النبي صلى الله عليه وسلم « لا يُكلَمُ أحد في سبيل الله . والله أعلم بمن يكلَم في سبيله » الحديث .
الأولى- قوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس{[14777]} } لما بين أن اليهود يحيونه بما لم يحيه به الله وذمهم على ذلك وصل به الأمر بتحسين الأدب في مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى لا يضيقوا عليه المجلس ، وأمر المسلمين بالتعاطف والتآلف حتى يفسح بعضهم لبعض ، حتى يتمكنوا من الاستماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر إليه . قال قتادة ومجاهد : كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض . وقاله الضحاك . وقال ابن عباس : المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب . قال الحسن ويزيد بن أبي حبيب : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأول{[14778]} فلا يوسع بعضهم لبعض ، رغبة في القتال والشهادة فنزلت . فيكون كقوله : { مقاعد للقتال{[14779]} } [ آل عمران : 121 ] . وقال مقاتل : كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصفة ، وكان في المكان ضيق يوم الجمعة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبقوا في المجلس ، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم ، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لمن حول من غير{[14780]} أهل بدر : ( قم يا فلان وأنت يا فلان ) بعدد القائمين من أهل بدر ، فشق ذلك على من أقيم ، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم ، فغمز المنافقون وتكلموا بأن قالوا : ما أنصف هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيهم فسبقوا إلى المكان ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . { تفسحوا }أي توسعوا ، وفسح فلان لأخيه في مجلسه يفسح فسحا أي وسع له ، ومنه قولهم : بلد فسيح ولك في كذا فسحة ، وفسح يفسح مثل منع يمنع ، أي وسع في المجلس ، وفسح يفسح فساحة مثل كرم يكرم كرامة{[14781]} أي صار واسعا ، ومنه مكان فسيح .
الثانية- قرأ السلمي وزر بن حبيش وعاصم { في المجالس } . وقرأ قتادة وداود بن أبي هند والحسن باختلاف عنه { إذا قيل لكم تفاسحوا } الباقون { تفسحوا في المجلس } فمن جمع فلأن قوله : { تفسحوا في المجالس } ينبيء أن لكل واحد مجلسا . وكذلك إن أريد به الحرب . وكذلك يجوز أن يراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وجمع ؛ لأن لكل جالس مجلسا . وكذلك يجوز إن أريد بالمجلس المفرد مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، ويجوز أن يراد به الجمع على مذهب الجنس ، كقولهم : كثر الدينار والدرهم .
قلت : الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر ، سواء كان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة ، فإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه قال صلى الله عليه وسلم : ( من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به{[14782]} ) ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ فيخرجه الضيق عن موضعه . روى البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ) . وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ، ولكن تفسحوا وتوسعوا . وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه . لفظ البخاري .
الثالثة- إذا قعد واحد من الناس في موضع من المسجد لا يجوز لغيره أن يقيمه حتى يقعد مكانه ، لما روى مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول : افسحوا ) .
فرع : القاعد في المكان إذا قام حتى يقعد غيره موضعه نُظِر ، فإن كان الموضع الذي قام إليه مثل الأول في سماع كلام الإمام لم يكره له ذلك ، وإن كان أبعد من الإمام كره له ذلك ؛ لأن فيه تفويت حظه .
الرابعة- إذا أمر إنسان إنسانا أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا يكره ، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع ، لما روي : أن ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس له فيه ، فإذا جاء قام له منه .
فرع : وعلى هذا من أرسل بساطا أو سجادة فتبسط له في موضع من المسجد{[14783]} .
الخامسة- روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قام أحدكم - وفي حديث أبي عوانة من قام من مجلسه - ثم رجع إليه فهو أحق به ) قال علماؤنا : هذا يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه ، لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أولى به وأحرى . وقد قيل : إن ذلك على الندب ؛ لأنه موضع غير متملك لأحد لا قبل الجلوس ولا بعد ، وهذا فيه نظر ، وهو أن يقال : سلمنا أنه غير متملك لكنه يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه ، فصار كأنه يملك منفعته ، إذ قد منع غيره من يزاحمه عليه . والله أعلم .
السادسة- قوله تعالى :{ يفسح الله لكم } أي في قبوركم ، وقيل : في قلوبكم ، وقيل : يوسع عليكم في الدنيا والآخرة . { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } ، قرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما . وكسر الباقون ، وهما لغتان مثل { يعكفون{[14784]} }[ الأعراف : 138 ] و{ يعرشون{[14785]} } [ الأعراف : 137 ] ، والمعنى انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير ، قاله أكثر المفسرين . وقال مجاهد والضحاك : إذا نودي للصلاة فقوموا إليها ، وذلك أن رجالا تثاقلوا عن الصلاة فنزلت . وقال الحسن ومجاهد أيضا : أي انهضوا إلى الحرب . وقال ابن زيد : هذا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى : { وإذا قيل انشزوا } ، عن النبي صلى الله عليه وسلم { فانشزوا } فإن له حوائج فلا تمكثوا . وقال قتادة : المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف ، وهذا هو الصحيح ، لأنه يعم . والنشز الارتفاع ، مأخوذ من نشز الأرض وهو ارتفاعها ، يقال نشز ينشز وينشز إذا انتحى من موضعه ، أي ارتفع منه ، وامرأة ناشز منتحية عن زوجها ، وأصل هذا من النشز ، والنشز هو ما ارتفع من الأرض وتنحى ، ذكره النحاس .
السابعة- قوله تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات{[14786]} } ، أي في الثواب في الآخرة وفي الكرامة في الدنيا ، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم . وقال ابن مسعود : مدح الله العلماء في هذه الآية . والمعنى أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم { درجات } أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به ، وقيل : كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم من يلبس الصوف فيستبقون إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فالخطاب لهم . ورأى عليه الصلاة والسلام رجلا من الأغنياء يقبض ثوبه نفورا من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه فقال : ( يا فلان خشيت أن يتعدى غناك إليه أو فقره إليك ) ، وبين في هذه الآية أن الرفعة عند الله تعالى بالعلم والإيمان لا بالسبق إلى صدور المجالس . وقيل : أراد بالذين أوتوا العلم الذين قرؤوا القرآن . وقال يحيى بن يحيى عن مالك : { يرفع الله الذين آمنوا منكم } الصحابة { والذين أوتوا العلم درجات }يرفع الله بها العالم والطالب للحق .
قلت : والعموم أوقع في المسألة وأولى بمعنى الآية ، فيرفع المؤمن{[14787]} بإيمانه أولا ثم بعلمه ثانيا . وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقدم عبدالله بن عباس على الصحابة ، فكلموا في ذلك فدعاهم ودعاه ، وسألهم عن تفسير { إذا جاء نصر الله والفتح{[14788]} }[ النصر : 1 ] فسكتوا ، فقال ابن عباس : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله إياه . فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم . وفي البخاري عن عبدالله بن عباس قال : قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا . الحديث وقد مضى في آخر " الأعراف{[14789]} " . وفي صحيح مسلم أن نافع بن الحرث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال : من استعملته على أهل الوادي ؟ فقال : ابن أبزى . فقال : ومن ابن أبزى ؟ قال : مولى من موالينا . قال : فاستخلفت عليهم مولى ! قال : إنه قارئ لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض . قال عمر : أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال : ( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ) ، وقد مضى أول الكتاب{[14790]} ، ومضى القول في فضل العلم والعلماء في غير موضع من هذا الكتاب{[14791]} والحمد لله{[14792]} . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حَضْر الجواد المُضَمَّر سبعين سنة ) ، وعنه صلى الله عليه وسلم : ( فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ) ، وعنه عليه الصلاة والسلام : ( يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ) فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن ابن عباس : خير سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه .