التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

قوله { ليشهدوا } يتعلق بقوله { يأتوك } فهو علّة لإتيانهم الذي هو مسبب على التأذين بالحجّ فآل إلى كونه علّة في التأذين بالحجّ .

ومعنى { لِيَشهدوا } ليحضروا منافع لهم ، أي ليحضروا فيحصّلوا منافع لهم إذ يحصّل كلّ واحد ما فيه نفعه . وأهم المنافع ما وعدهم الله على لسان إبراهيم عليه السلام من الثواب . فكُني بشهود المنافع عن نيلها . ولا يعرف ما وعدهم الله على ذلك بالتعيين . وأعظم ذلك اجتماع أهل التوحيد في صعيد واحد ليتلقى بعضهم عن بعض ما به كمال إيمانه .

وتنكير { منافع } للتعظيم المراد منه الكثرة وهي المصالح الدينية والدنيوية لأن في مجمع الحجّ فوائد جمّة للناس : لأفرادهم من الثواب والمغفرة لكل حاج ، ولمجتمعهم لأن في الاجتماع صلاحاً في الدنيا بالتعارف والتعامل .

وخُص من المنافع أن يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام . وذلك هو النحر والذبح للهدايا . وهو مجمل في الواجبة والمتطوع بها . وقد بيّنْته شريعة إبراهيم من قبل بما لم يبلغ إلينا ، وبيّنه الإسلام بما فيه شفاء .

وحرف { على } متعلّق ب { يذكروا ، } وهو للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى الملابسة والمصاحبة ، أي على الأنعام . وهو على تقدير مضاف ، أي عند نحر بهيمة الأنعام أو ذبحها .

و ( ما ) موصولة ، و { من بهيمة الأنعام } بيان لمدلول ( ما ) . والمعنى : ليذكروا اسم الله على بهيمة الأنعام . وأدمج في هذا الحكم الامتنان بأنّ الله رزقهم تلك الأنعام ، وهذا تعريض بطلب الشكر على هذا الرزق بالإخلاص لله في العبادة وإطعام المحاويج من عباد الله من لحومها ، وفي ذلك سد لحاجة الفقراء بتزويدهم ما يكفيهم لعامهم ، ولذلك فرع عليه { فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } .

فالأمر بالأكل منها يحتمل أن يكون أمر وجوب في شريعة إبراهيم عليه السلام فيكون الخطاب في قوله { فكلوا } لإبراهيم ومن معه .

وقد عدل عن الغيبة الواقعة في ضمائر { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ، إلى الخطاب بذلك في قوله : { فكلوا منها وأطعموا البائس } الخ . على طريقة الالتفات أو على تقدير قول محذوف مأمورٍ به إبراهيم عليه السلام .

وفي حكاية هذا تعريض بالرد على أهل الجاهلية إذ كانوا يمنعون الأكل من الهدايا .

ثم عاد الأسلوب إلى الغيبة في قوله : { ثم ليقضوا تفثهم } [ الحج : 29 ] .

ويحتمل أن تكون جملة { فكلوا منها } الخ معترضة مفرّعة على خطاب إبراهيم ومن معه تفريعَ الخبر على الخبر تحذيراً من أن يُمنع الأكل من بعضها .

والأيام المعلومات أجملت هنا لعدم تعلّق الغرض ببيانها إذ غرض الكلام ذكر حجّ البيت وقد بينت عند التعرض لأعمال الحج عند قوله تعالى : { واذكروا الله في أيام معدودات } [ البقرة : 203 ] .

والبائس : الذي أصابه البؤس ، وهو ضيق المال ، وهو الفقير ، هذا قول جمع من المفسرين . وفي « الموطأ » : في باب ما يكره من أكل الدواب ، قال مالك : سمعت أن البائس هو الفقير اه . وقلت : من أجل ذلك لم يعطف أحد الوصفين على الآخر لأنه كالبيان له وإنما ذكر البائس مع أنّ الفقير مغن عنه لترقيق أفئدة الناس على الفقير بتذكيرهم أنه في بؤس لأن وصف فقير لشيوع تداوله على الألسن صار كاللقب غيرَ مشعر بمعنى الحاجة وقد حصل من ذكر الوصفين التأكيد . وعن ابن عباس : البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه ، والفقير : الذي تكُون ثيابه نقيّة ووجهه وجه غني .

فعلى هذا التفسير يكون البائس هو المسكين ويكون ذكر الوصفين لقصد استيعاب أحوال المحتاجين والتنبيه إلى البحث عن موقع الامتناع .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

25

ويقف السياق عند بعض معالم الحج وغاياته :

( ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ) . .

والمنافع التي يشهدها الحجيج كثير . فالحج موسم ومؤتمر . الحج موسم تجارة وموسم عبادة . والحج مؤتمر اجتماع وتعارف ، ومؤتمر تنسيق وتعاون . وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة . . أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقا رائجة ، حيثتجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء . . من أطراف الأرض ؛ ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر ، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم . يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد . فهو موسم تجارة ومعرض نتاج ؛ وسوق عالمية تقام في كل عام .

وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح ، وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام . وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد . .

طيف إبراهيم الخليل - عليه السلام - وهو يودع البيت فلذة كبده إسماعيل وأمه ، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم . ربنا ليقيموا الصلاة . فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) . .

وطيف هاجر وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة الملتهبة حول البيت ، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش ، وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل . . ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء . وإذا هي زمزم . ينبوع الرحمة فيي صحراء اليأس والجدب .

وطيف إبراهيم - عليه السلام - وهو يرى الرؤيا ، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده ، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد : ( قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ? )فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل - عليه السلام - : ( قال : يا أبت افعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) . . وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء : ( وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين . إن هذا لهو البلاء المبين . وفديناه بذبح عظيم ) . .

وطيف إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - يرفعان القواعد من البيت ، في إنابة وخشوع : ( ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ، وأرنا مناسكنا وتب علينا ، إنك أنت التواب الرحيم ) . .

وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتتابع ، حتى يلوح طيف عبد المطلب ، وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء . وإذا هو عبد الله . وإذا عبد المطلب حريصا على الوفاء بالنذر . وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء ، والقدح يخرج في كل مرة على عبد الله ، حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة . فيقبل منه الفداء ، فينحر مائة وينجو عبد الله . ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق الله على الله - محمد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] - ثم يموت ! فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير !

ثم تتواكب الأطياف والذكريات . من محمد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى ، حول هذا البيت . . وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفى ء الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل . . وهو يصلي . . وهو يطوف . . وهو يخطب . . وهو يعتكف . . وإن خطواته - عليه الصلاة والسلام - لتنبض حية في الخاطر ، وتتمثل شاخصة في الضمير ، يكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات . . وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وتدف فوق هذا الثرى ، حول ذلك البيت ، تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار !

والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة . مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماقالزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل : ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) . . ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعا إليه : هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعا ويلتقون عليها جميعا . . ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها . راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان . . ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينا . قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين . الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد . . راية العقيدة والتوحيد .

وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى ، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب . وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام . في ظل الله . بالقرب من بيت الله . وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة ، والذكريات الغائبة والحاضرة . في أنسب مكان ، وأنسب جو ، وأنسب زمان . .

فذلك إذ يقول الله سبحانه : ( ليشهدوا منافع لهم ) . . كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته .

وذلك بعض ما أراده الله بالحج يوم أن فرضه على المسلمين ، وأمر إبراهيم - عليه السلام - أن يؤذن به في الناس .

ويمضي السياق يشير إلى بعض مناسك الحج وشعائره وأهدافها :

( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) . .

وهذه كناية عن نحر الذبائح في أيام العيد وأيام التشريق الثلاثة بعده . والقرآن يقدم ذكر اسم الله المصاحب لنحر الذبائح ، لأن الجو جو عبادة ولأن المقصود من النحر هو التقرب إلى الله . ومن ثم فإن أظهر ما يبرز في عملية النحر هو ذكر اسم الله على الذبيحة . وكأنما هو الهدف المقصود من النحر لا النحر ذاته . .

والنحر ذكرى لفداء إسماعيل - عليه السلام - فهو ذكرى لآية من آيات الله وطاعة من طاعات عبديه إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - فوق ما هو صدقة وقربى لله بإطعام الفقراء . وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم والمعز .

( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) . .

والأمر بالأكل من الذبيحة يوم النحر هو أمر للإباحة أو الاستحباب . أما الأمر بإطعام البائس الفقير منها فهو أمر للوجوب . ولعل المقصود من أكل صاحبها منها أن يشعر الفقراء أنها طيبة كريمة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

فيه ثلاث وعشرون مسألة :

الأولى-قوله تعالى : " ليشهدوا " أي أذن بالحج يأتوك رجالا وركبانا ليشهدوا ، أي ليحضروا . والشهود الحضور . " منافع لهم " أي المناسك ، كعرفات والمشعر الحرام . وقيل المغفرة . وقيل التجارة . وقيل هو عموم ، أي ليحضروا منافع لهم ، أي ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة ، قاله مجاهد وعطاء واختاره ابن العربي ، فإنه يجمع ذلك كله من نسك وتجارة ومغفرة ومنفعة دنيا وأخرى . ولا خلاف في أن المراد بقوله : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " {[11487]}[ البقرة : 198 ] التجارة .

الثانية- " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات " قد مضى في " البقرة " الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات{[11488]} . والمراد بذكر اسم الله ذكر التسمية عند الذبح والنحر ؛ مثل قولك : باسم الله والله أكبر ، اللهم منك ولك . ومثل قولك عند الذبح " إن صلاتي ونسكي " {[11489]} [ الأنعام :162 ] الآية . وكان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم ، فبين الرب أن الواجب الذبح على اسم الله ، وقد مضى في " الأنعام " .

الثالثة-واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر ، فقال مالك رضي الله عنه : بعد صلاة الإمام وذبحه ، إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء به . وراعى أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح . والشافعي دخول وقت الصلاة ومقدار ما توقع فيه الخطبتين ، فاعتبر الوقت دون الصلاة ، هذه رواية المزني عنه ، وهو قول الطبري . وذكر الربيع عن البويطي قال : قال الشافعي : ولا يذبح أحد حتى يذبح الإمام إلا أن يكون ممن لا يذبح ، فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح . وهذا كقول مالك . وقال أحمد : إذا انصرف الإمام فاذبح . وهو قول إبراهيم . وأصح هذه الأقوال قول مالك ؛ لحديث جابر بن عبدالله قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة ، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر أن يعيد بنحر آخر ، ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم خرجه مسلم والترمذي وقال : وفي الباب عن جابر وجندب وأنس وعويمر بن أشقر وابن عمر وأبي زيد الأنصاري ، وهذا حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم ألا يضحى بالمصر حتى يصلي الإمام . وقد احتج أبو حنيفة بحديث البراء ، وفيه : ( ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين ) . خرجه مسلم أيضا . فعلق الذبح على الصلاة ولم يذكر الذبح ، وحديث جابر يقيده . وكذلك حديث البراء أيضا ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ) الحديث . وقال أبو عمر بن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من ذبح قبل الصلاة وكان من أهل المصر أنه غير مضح ؛ لقوله عليه السلام : ( من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم ) .

الرابعة-وأما أهل البوادي ومن لا أمام له فمشهور مذهب مالك [ أنه ]{[11490]} يتحرى وقت ذبح الإمام ، أو أقرب الأئمة إليه . وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام له : إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه ، ويجزيه إن ذبح بعده . وقال أهل الرأي : يجزيهم من بعد الفجر . وهو قول ابن المبارك ، ذكره عنه الترمذي . وتمسكوا بقوله تعالى : " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " ، فأضاف النحر إلى اليوم . وهل اليوم من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس ، قولان . ولا خلاف أنه لا يجزى ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر من يوم النحر .

الخامسة- واختلفوا كم أيام النحر ؟ فقال مالك : ثلاثة ، يوم النحر ويومان بعده . وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل ، وروي ذلك عن أبي هريرة وأنس بن مالك من غير اختلاف عنهما . وقال الشافعي : أربعة ، يوم النحر وثلاثة بعده . وبه قال الأوزاعي ، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ، وروي عنهم أيضا مثل قول مالك وأحمد . وقيل : ( هو يوم النحر خاصة وهو العاشر من ذي الحجة ) ، وروي عن ابن سيرين . وعن سعيد بن جبير وجابر بن زيد أنهما قالا : النحر في الأمصار يوم واحد وفي منى ثلاثة أيام . وعن الحسن البصري في ذلك ثلاث روايات : إحداها كما قال مالك ، والثانية كما قال الشافعي ، والثالثة إلى آخر يوم من ذي الحجة ، فإذا أهل هلال المحرم فلا أضحى .

قلت : وهو قول سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، ورويا حديثا مرسلا مرفوعا خرجه الدارقطني : الضحايا إلى هلال ذي الحجة ، ولم يصح ، ودليلنا قوله تعالى : " في أيام معلومات " الآية ، وهذا جمع قلة ، لكن المتيقن منه الثلاثة ، وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به . قال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء على أن يوم النحر يوم أضحى ، وأجمعوا أن لا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة ، ولا يصح عندي في هذه إلا قولان : أحدهما : قول مالك والكوفيين . والآخر : قول الشافعي والشاميين ، وهذان القولان مرويان عن الصحابة فلا معنى للاشتغال بما خالفهما ؛ لأن ما خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة ، وما خرج عن هذين فمتروك لهما . وقد روي عن قتادة قول سادس ، وهو أن الأضحى يوم النحر وستة أيام بعده ؛ وهذا أيضا خارج عن قول الصحابة فلا معنى له .

السادسة-واختلفوا في ليالي النحر هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أولا ، فروي عن مالك في المشهور أنها لا تدخل فلا يجوز الذبح بالليل . وعليه جمهور أصحابه وأصحاب الرأي ؛ لقوله تعالى : " ويذكروا اسم الله في أيام " فذكر الأيام ، وذكر الأيام دليل على أن الذبح في الليل لا يجوز . وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : الليالي داخلة في الأيام ويجزى الذبح فيها . وروي عن مالك وأشهب نحوه ، ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية ، فأجاز الهدي ليلا ولم يجز الضحية ليلا .

السابعة- قوله تعالى : " على ما رزقهم " أي على ذبح ما رزقهم . " من بهيمة الأنعام " والأنعام هنا الإبل والبقر والغنم . وبهيمة الأنعام هي الأنعام ، فهو كقولك صلاة الأولى ، ومسجد الجامع .

الثامنة- قوله تعالى : " فكلوا منها " أمر معناه الندب عند الجمهور . ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بالأكثر ، مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل الكل . وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية{[11491]} . ولقول عليه السلام : ( فكلوا وادخروا وتصدقوا ) . قال الكيا : قوله تعالى : " فكلوا منها وأطعموا " يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ولا التصدق بجميعه .

التاسعة- دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها . ومشهور مذهب مالك رضي الله عنه أنه لا يأكل من ثلاث : جزاء الصيد ، ونذر المساكين ، وفدية الأذى ، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله واجبا كان أو تطوعا ، ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء الأمصار .

فإن أكل مما منع منه فهل يغرم قدر ما أكل أو يغرم هديا كاملا ؟ قولان في مذهبنا ، وبالأول قال ابن الماجشون . قال ابن العربي : وهو الحق ، لا شيء عليه غيره . وكذلك لو نذر هديا للمساكين فيأكل منه بعد أن بلغ محله لا يغرم إلا ما أكل - خلافا للمدونة - لأن النحر قد وقع ، والتعدي إنما هو على اللحم ، فيغرم قدر ما تعدى فيه .


[11487]:راجع ج 2 ص 413.
[11488]:راجع ج 3 ص 1.
[11489]:راجع ج 7 ص 152 و ص 72 فما بعد.
[11490]:من كـ.
[11491]:في ب و ج و ك: بظاهر الأمر.