هذه صفة ثالثة للمؤمنين بأنهم يُعْنَون بانتشار الإسلام وتكثير أتباعه فيدْعُون الله أن يرزقهم أزواجاً وذرّيّات تقَرُّ بهم أعينُهم ، فالأزواج يُطعنهم باتباع الإسلام وشرائعه ؛ فقد كان بعض أزواج المسلمين مخالفات أزواجهم في الدين ، والذّريات إذا نَشَأوا نشأوا مؤمنين ، وقد جُمع ذلك لهم في صفة { قرة أعين } . فإنها جامعة للكمال في الدين واستقامة الأحوال في الحياة إذ لا تقَرّ عيون المؤمنين إلاّ بأزواج وأبناء مؤمنين . وقد نهى الله المسلمين عن إبقاء النساء الكوافر في العصمة بقوله : { ولا تُمسِكوا بعِصَم الكوافر } [ الممتحنة : 10 ] ، وقال : { والذي قال لوالدَيه أُف لكما أَتَعِدَانِنِيَ أن أُخرَج } [ الأحقاف : 17 ] الآية . فمن أجل ذلك جعل دعاؤهم هذا من أسباب جزائهم بالجنة وإن كان فيه حظ لنفوسهم بقُرّة أعينهم إذ لا يناكد حظ النفس حظ الدين في أعمالهم ، كما في قول عبد الله ابن رواحة وهو خارج إلى غزوة مؤتة ، فدعا له المسلمون ولمن معه أن يَردّهم الله سالمين فقال :
لكنني أسأل الرحمن مغفرة *** وضربةً ذات فَرْغ تَقِذف الزبَدا
أو طعنةً بيديْ حرَّانَ مجهزة *** بحَرْبة تُنفذ الأحشاءَ والكَبِدا
حتى يقولوا إذا مَروا على جَدَثي *** أرشدَك الله من غَاز وقد رَشَدا
فإن في قوله : حتى يقولوا ، حظاً لنفسه من حسن الذكر وإن كان فيه دعاء له بالرشد وهو حظّ ديني أيضاً ، وقوله : وقد رَشَدَ ، حُسْن ذِكرٍ محض . وفي كتاب « الجامع » من « جَامع العتبية » من أحاديث ابن وهب قال مالك : رأيت رجلاً يَسأل ربيعة يقول : إني لأُحِبّ أن أُرى رائحاً إلى المسجد ، فكأنه كره من قوله ولم يعجبه أن يحبّ أحدٌ أن يُرى في شيء من أعمال الخير . وقال ابن رشد في « شرحه » : وهذا خلاف قول مالك في رسم العُقول من سماع أشهب من كتاب الصلاة : إنه لا بأس بذلك إذا كان أولُه لله ( أي القصد الأول من العمل لله ) . وقال ابن رشد في موضع آخر من « شرحه » قال الله تعالى : { وألقَيْتُ عليك محبةً منّي } [ طه : 39 ] ، وقال : { واجعل لي لسانَ صِدق في الآخرين } [ الشعراء : 84 ] . وقال الشاطبي في « الموافقات » : « عد مالك ذلك من قبيل الوسوسة ، أي أن الشيطان باقي للإنسان إذا سَرّه مرأى الناس له على الخير فيقول لك : إنك لَمُراءٍ . وليس كذلك وإنما هو أمر يقع في قلبه لا يُملَك » اه .
وفي « المعيار » عن كتاب « سراج المريدين » لأبي بكر بن العربي قال : سألت شيخنا أبا منصور الشيرازي الصوفي عن قوله تعالى : { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا } [ البقرة : 160 ] ما بَيّنوا ؟ قال : أظهروا أفعالهم للناس بالصلاح والطاعات .
قال الشاطبي : وهذا الموضع محل اختلاف إذا كان القصد المذكور تابعاً لقصد العبادة . وقد التزم الغزالي فيها وفي أشباهها أنها خارجة عن الإخلاص لكن بشرط أن يصير العمل أخفّ عليه بسبب هذه الأغراض .
وأما ابن العربي فذهب إلى خلاف ذلك وكأنَّ مجالَ النظر يلتفت إلى انفكاك القصدين ، على أن القول بصحة الانفكاك فيما يصح فيه الانفكاك أَوْجَهُ لما جاء من الأدلة على ذلك ، إلى آخره .
و { مِن } في قوله : { من أزواجنا } للابتداء ، أي اجعل لنا قُرّة أعْيُن تنشأ من أزواجنا وذرّياتنا .
وقرأ الجمهور : { وذرياتنا } جمع ذرية ، والجمع مراعى فيه التوزيع على الطوائف من الذين يدعون بذلك ، وإلا فقد يكون لأحد الداعين ولد واحد . وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف و { ذريتنا } بدون ألف بعد التحتية ، ويستفاد معنى الجمع من الإضافة إلى ضمير { الذين يقولون } ، أي ذرية كل واحد .
والأعين : هي أعين الداعين ، أي قرة أعيُن لنا . وإذ قد كان الدعاء صادراً منهم جميعاً اقتضى ذلك أنهم يريدون قرة أعين جميعهم .
وكما سألوا التوفيق والخير لأزواجهم وذرّياتهم سألوا لأنفسهم بعد أن وفقهم الله إلى الإيمان أن يجعلهم قُدوةً يَقتدي بهم المتقّون . وهذا يقتضي أنهم يسألون لأنفسهم بلوغَ الدرجات العظيمة من التقوى فإن القدوة يجب أن يكون بالغاً أقصى غاية العمل الذي يرغب المهتمّون به الكمالَ فيه . وهذا يقتضي أيضاً أنهم يسألون أن يكونوا دعاة للدخول في الإسلام وأن يهتدي الناس إليه بواسطتهم .
والإمام أصله : المثال والقالب الذي يصنع على شكله مصنوع من مثله ، قال النابغة :
أبوه قبله وأبو أبيه *** بنَوْا مجدَ الحياة على إمام
وأُطلق الإمام على القدوة تشبيهاً بالمثال والقالَب ، وغلب ذلك فصار الإمام بمعنى القدوة . وقد تقدم في قوله تعالى : { قال إني جاعلُك للناس إماماً } في سورة البقرة ( 124 ) . ووقع الإخبار ب{ إماماً } وهو مفرد عن ضمير جماعة المتكلمين لأن المقصود أن يكون كل واحد منهم إماماً يُقتَدى به ، فالكلام على التوزيع ، أو أريد من إمام معناه الحقيقي وجرى الكلام على التشبيه البليغ . وقيل إمام جمع ، مثل هِجان وصِيام ومفردهُ : إمٌّ .
وأخيرا فإن عباد الرحمن لا يكفيهم أنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما ؛ وأنهم يتسمون بتلك السمات العظيمة كلها ، بل يرجون أن تعقبهم ذرية تسير على نهجهم ، وأن تكون لهم أزواج من نوعهم ؛ فتقر بهم عيونهم ، وتطمئن بهم قلوبهم ، ويتضاعف بهم عدد ( عباد الرحمن )ويرجون أن يجعل الله منهم قدوة طيبة للذين يتقون الله ويخافونه :
( والذين يقولون : ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ، واجعلنا للمتقين إماما ) . .
وهذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق : شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى الله . وفي أولهم الذرية والأزواج ، فهم أقرب الناس تبعة وهم أول أمانة يسأل عنها الرجال . والرغبة كذلك في أن يحس المؤمن أنه قدوة للخير ، يأتم به الراغبون في الله . وليس في هذا من أثرة ولا استعلاء فالركب كله في الطريق إلى الله .
قوله تعالى : " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " قال الضحاك : أي مطيعين لك . وفيه جواز الدعاء بالولد وقد تقدم{[12178]} . والذرية تكون واحدا وجمعا . فكونها للواحد قوله : " رب هب لي من لدنك ذرية طيبة " " فهب لي من لدنك وليا " [ مريم : 5 ] وكونها للجمع " ذرية ضعافا " [ النساء : 9 ] وقد مضى في " البقرة " {[12179]} اشتقاقها مستوفى . وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والحسن : " وذرياتنا " وقرأ أبو عمر وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى : " وذريتنا " بالإفراد . " قرة أعين " نصب على المفعول ، أي قرة أعين لنا . وهذا نحو قوله عليه الصلاة والسلام لأنس : ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه ) وقد تقدم بيانه في " آل عمران " {[12180]} و " مريم " . وذلك أن الإنسان إذا بورك له في مال وولده قرت عينه بأهله وعياله ، حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة ، معاونون له على وظائف الدين والدنيا ، لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده ، فتسكن عينه عن الملاحظة ، ولا تمتد عينه إلى ما ترى ، فذلك حين قرة العين ، وسكون النفس . ووحد " قرة " لأنه مصدر ، تقول : قرت عينك قرة . وقرة العين يحتمل أن تكون من القرار ، ويحتمل أن تكون من القر وهو الأشهر . والقر البرد ؛ لأن العرب تتأذى بالحر وتستريح إلى البرد . وأيضا فإن دمع السرور بارد ، ودمع الحزن سخن ، فمن هذا يقال : أقر الله عينك ، وأسخن الله عين العدو . وقال الشاعر :
فكم سَخِنَتْ بالأمس عينٌ قريرةٌ *** وقرت عيونٌ دمعها اليوم ساكِبُ
قوله تعالى : " واجعلنا للمتقين إماما " أي قدوة يقتدى بنا في الخير ، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيا قدوة ، وهذا هو قصد الداعي . وفي الموطأ : ( إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم ) فكان ابن عمر يقول في دعائه : اللهم اجعلنا من أئمة المتقين . وقال : " إماما " ولم يقل أئمة على الجمع ؛ لأن الإمام مصدر . يقال : أم القوم فلان إماما ؛ مثل الصيام والقيام . وقال بعضهم : أراد أئمة ، كما يقول القائل أميرنا هؤلاء ، يعني أمراءنا . وقال الشاعر :
يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي *** إن العواذل لسن لي بأمير
أي أمراء . وكان القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول : الإمامة بالدعاء لا بالدعوى ، يعني بتوفيق الله وتيسيره ومنته لا بما يدعيه كل أحد لنفسه . وقال إبراهيم النخعي : لم يطلبوا الرياسة بل بأن يكونوا قدوة في الدين . وقال ابن عباس : اجعلنا أئمة هدى ، كما قال تعالى : " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا " [ السجدة : 24 ] وقال مكحول : اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون . وقيل : هذا من المقلوب ؛ مجازه : واجعل المتقين لنا إماما ، وقاله مجاهد . والقول الأول أظهر وإليه يرجع قول ابن عباس ومكحول ، ويكون فيه دليل . على أن طلب الرياسة في الدين ندب . وإمام واحد يدل على جمع ؛ لأنه مصدر كالقيام . قال الأخفش : الإمام جمع آم من أم يؤم جمع على فعال ، نحو صاحب وصحاب ، وقائم وقيام .