{ يوم يقول } بدل من { يوم ترى المؤمنين } [ الحديد : 12 ] بدلاً مطابقاً إذا اليوم هو عين اليوم المعرف في قوله : { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم } [ الحديد : 12 ] .
والقول في فتحة { يوم } تقدم في نظره قريباً .
وعطف { المنافقات } على { المنافقون } كعطف { المؤمنات على المؤمنين } في الآية ( 12 ) قبل هذه .
والذين آمنوا تغليب للذكور لأن المخاطبين هم أصحاب النور وهو للمؤمنين والمؤمنات .
و { انظرونا } بهمزة وصل مضموماً ، من نظره ، إذا انتظره مثل نظر ، إذا أبصر ، إلا أن نظر بمعنى الانتظار يتعدّى إلى المفعول ، ونظر بمعنى أبصر يتعدى بحرف ( إلى ) قال تعالى : { وانظر إلى العظام كيف ننشرها } [ البقرة : 259 ] .
والانتظار : التريث بفعل مَّا ، أي تريثوا في سيركم حتى نلحق بكم فنستضيءَ بالنور الذي بين أيديكم وبجانبكم وذلك يقتضي أن الله يأذن للمؤمنين الأولين بالسيْر إلى الجنة فَوجا ، ويجعلُ المنافقين الذين كانوا بينهم في المدينة سائرين وراءهم كما ورد في حديث الشفاعة « وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها » والمعنى : أنهم يسيرون في ظلمات فيسأل المنافقون المؤمنين أن ينتظروهم .
وقرأ الجمهور { انظرونا } بهمزة وصل وضم الظاء ، وقرأه حمزة وحده بهمزة قطع وكسر الظاء ، من أنظرهُ ، إذا أمهله ، أي أمهلونا حتى نلحق بكم ولا تعجلوا السير فينأى نوركم عنا وهم يحسبون أن بُعدهم عنهم من جراء السرعة .
والاقتباس حقيقته : أخذ القَبَس بفتحتين وهو الجذوة من الحَمْر . قال أبو علي الفارسي : ومَجيء فَعلت وافتعلت بمعنىً واحد كثير كقولهم : شويتُ واشتويت ، وحقَرت واحتقرت . قلت : وكذلك حفرت واحتفرت ، فيجوز أن يكون إطلاق تقتبس هنا حقيقة بأن يكونوا ظنّوا أن النور الذي كان مع المؤمنين نور شُعلة وحسبوا أنهم يستطيعون أن يأخذوا قبساً منه يُلقى ذلك في ظنهم لتكون خيبتهم أشدَّ حسرة عليهم .
ويجوز أن يستعار الاقتباس لانتفاع أحد بضوء آخر لأنه يشبه الاقتباس في الانتفاع بالضوء بدون علاج فمعنى { نقتبس من نوركم } نُصِب منه ونلتحق به فنستبرْ به .
ويظهر من إسناد { قيل } بصيغة المجهول أن قائله غير المؤمنين المخاطبين وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين .
وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكما إذ لا نور وراءهم وإنما أرادوا إطماعهم ثم تخييبهم بضرب السور بينهم وبين المؤمنين ، لأن الخيبة بعد الطمع أشد حسرة . وهذا استهزاء كان جزاء على استهزائهم بالمؤمنين واستسخارهم بهم ، فهو من معنى قوله تعالى : { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم } [ التوبة : 79 ] .
و { وراءكم } : تأكيد لمعنى { ارجعوا } إذ الرجوع يستلزم الوراء ، وهذا كما يقال : رجع القهقرى . ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل { التمسوا نوراً } ، أي في المكان الذي خَلفكم .
وتقديمه على عامله للاهتمام فيكون فيه معنى الإِغراء بالتماس النور هناك وهو أشد في الإِطماع ، لأنه يوهم أن النور يُتناول من ذلك المكان الذي صدر منه المؤمنون ، وبذلك الإِيهام لا يكون الكلام كذباً لأنه من المعاريض لاسيما مع احتمال أن يكون { وراءكم } تأكيداً لمعنى { ارجعوا } .
وضمير { بينهم } عائد إلى المؤمنين والمنافقين .
وضرب السور : وضعه ، يقال : ضرب خيمة ، قال عبدة بن الطيِّب :
إن التي ضربتْ بيتاً مُهاجَرة *** بكوفةِ الجُند غالتْ ودَّها غُولُ
وضمن { ضُرب } في الآية معنى الحجْز فعدي بالباء ، أي ضرب بينهم سورٌ للحجز به بين المنافقين والمؤمنين ، خلقه الله ساعتئذٍ قطعاً لأطماعهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، فَحَق بذلك التمثيل الذي مثّل الله به حالهم في الدنيا بقوله : { مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } في سورة البقرة ( 17 ) . وأن الحيرة وعدم رؤية المصير عذاب أليم .
ولعل ضرب السور بينهم وجعْلَ العذاببِ بظاهره والنعيم بباطنه قصد منه التمثيل لهم بأن الفاصل بين النعيم والعذاب هو الأعمال في الدنيا وأن الأعمال التي يعملها الناس في الدنيا منها ما يفضي بعامله إلى النعيم ومنها ما يفضي بصاحبه إلى العذاب فأحد طرفي السور مثال لأحد العملين وطرفه الآخر مثال لضده . و الباب واحد وهو الموت ، وهو الذي يسلك بالناس إلى أحد الجانبين .
ولعل جعل الباب في سور واحد فيه مع ذلك ليمر منه أفواج المؤمنين الخالصين من وجود منافقين بينهم بمرأى من المنافقين المحبوسين وراء ذلك السور تنكيلاً بهم وحسرة حين يشاهدون أفواج المؤمنين يفتح لهم الباب الذي في السور ليجتازوا منه إلى النعيم الذي بباطن السور .
وركَّب القصَّاصُون على هذه الآية تأويلات موضوعة في فضائل بلاد القُدس بفلسطين عَزوها إلى كعببٍ الأحْبارِ فسموا بعض أبواب مدينة القدس باب الرحمة ، وسموا مكاناً منها وادي جهنم ، وهو خارج سور بلاد القدس ، ثم ركبوا تأويل الآية عليها وهي أوهام على أوهام .
واعلم أن هذا السور المذكور في هذه الآية غير الحجاب الذي ذكر في سورة الأعراف .
وضمائر له باب } و { باطنه } و { ظاهره } عائدة إلى السور ، والجملتان صفتان ل { سور } . وإنما عطفت الجملة الثالثة بالواو لأن المقصود من الصفة مجموع الجملتين المتعاطفتين كقوله تعالى : { ثيبات وأبكاراً } [ التحريم : 5 ] .
والباطن : هو داخل الشيء ، والظاهر : خارجه .
فالباطن : هو داخل السور الحاجز بين المسلمين والمنافقين وهو مكان المسلمين .
والبطون والظهور هنا نسبيان ، أي باعتبار مكان المسلمين ومكان المنافقين ، فالظاهر هو الجهة التي نحو المنافقين ، أي ضُرب بينهم بسور يشاهِد المنافقون العذاب من ظاهره الذي يواجههم ، وأن الرحمة وراء ما يليهم .
و ( قبل ) بكسر ففتح ، الجهةُ المقابلة ، وقوله : { من قلبه } خبر مقدم ، و { العذاب } مبتدأ والجملة خبر عن { ظاهره } .
و { مِنْ } بمعنى ( في ) كالتي في قوله تعالى : { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } [ الجمعة : 9 ] فتكون نظير قوله : { باطنه فيه الرحمة } .
والعذاب : هو حرق جهنم فإن جهنم دار عذاب ، قال تعالى : { إن عذابها كان غَراماً } [ الفرقان : 65 ] .
ولكن المشهد لا ينتهي عند هذا المنظر الطريف اللطيف . . إن هناك المنافقين والمنافقات ، في حيرة وضلال ، وفي مهانة وإهمال . وهم يتعلقون بأذيال المؤمنين والمؤمنات : ( يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا : انظرونا نقتبس من نوركم ) . . فحيثما تتوجه أنظار المؤمنين والمؤمنات يشع ذلك النور اللطيف الشفيف . ولكن أنى للمنافقين أن يقتبسوا من هذا النور وقد عاشوا حياتهم كلها في الظلام ? إن صوتا مجهلا يناديهم : ( قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ) . . ويبدو أنه صوت للتهكم ، والتذكير بما كان منهم في الدنيا من نفاق ودس في الظلام : ارجعوا وراءكم إلى الدنيا . إلى ما كنتم تعملون . ارجعوا فالنور يلتمس من هناك . من العمل في الدنيا . ارجعوا فليس اليوم يلتمس النور !
" وعلى الفور يفصل بين المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات . فهذا يوم الفصل إن كانوا في الدنيا مختلطين في الجماعة : ( فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ) . . ويبدو أنه سور يمنع الرؤية ولكنه لا يمنع الصوت .
قوله تعالى : " يوم يقول المنافقون " العامل في " يوم " " ذلك هو الفوز العظيم " . وقيل : هو بدل من اليوم الأول . " نقتبس من نوركم " قراءة العامة بوصل الألف مضمومة الظاء من نظر ، والنظر الانتظار أي انتظرونا . وقرأ الأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب " أنظرونا " بقطع الألف وكسر الظاء من الإنظار . أي أمهلونا وأخرونا ، أنظرته أخرته ، واستنظرته أي استمهلته . وقال الفراء : تقول العرب : أنظرني انتظرني ، وأنشد لعمرو بن كلثوم :
أبا هند فلا تعجل علينا *** وأنْظِرْنا نُخَبِّركَ اليقينا
أي انتظرنا . " نقتبس من نوركم " أي نستضيء من نوركم . قال ابن عباس وأبو أمامة : يغشى الناس يوم القيامة ظلمة - قال الماوردي : أظنها بعد فصل القضاء - ثم يعطون نورا يمشون فيه . قال المفسرون : يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط ، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم ، دليله قوله تعالى : " وهو خادعهم{[14708]} " [ النساء : 142 ] . وقيل : إنما يعطون النور ، لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر ، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه ، قاله ابن عباس . وقال أبو أمامة : يعطى المؤمن النور ويترك الكافر والمنافق بلا نور . وقال الكلبي : بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور ، فبينما هم يمشون إذ بعث الله فيهم ريحا وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين ، فذلك قوله تعالى : " ربنا أتمم لنا نورنا " [ التحريم : 8 ] يقول المؤمنون ، خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون ، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين : " انظرونا نقتبس من نوركم " . " قيل ارجعوا وراءكم " أي قالت لهم الملائكة " ارجعوا " . وقيل : بل هو قول المؤمنين لهم " أرجعوا وراءكم " إلى الموضع الذي أخذنا منه النور فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا فإنكم لا تقتبسون من نورنا . فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور " فضرب بينهم بسور " وقيل : أي هلا طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا . " بسور " أي سور ، والباء صلة . قاله الكسائي . والسور حاجز بين الجنة والنار . وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم . " باطنه فيه الرحمة " يعني ما يلي منه المؤمنين " وظاهره من قبله العذاب " يعني ما يلي المنافقين . قال كعب الأحبار : هو الباء الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة . وقال عبدالله بن عمرو : إنه سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد " وظاهره من قبله العذاب " يعني جهنم . ونحوه عن ابن عباس . وقال زياد بن أبي سوادة : قام عبادة بن الصامت على سور بيت المقدس الشرقي فبكى ، وقال : من ها هنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم . وقال قتادة : هو حائط بين الجنة والنار " باطنه فيه الرحمة " يعني الجنة " وظاهره من قبله العذاب " يعني جهنم . وقال مجاهد : إنه حجاب كما في " الأعراف " وقد مضى القول فيه{[14709]} . وقد قل : إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين ، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين .