والتسخير : الغصْب على عمل واستعير لتكوين الريح الصرصر تكويناً متجاوزاً المتعارف في قوة جنسها فكأنها مكرهة عليه .
وعلق به عليهم } لأنه ضمن معنى أرسلها .
و ( حسوم ) يجوز أن يكون جمع حاسم مثل قُعود جمع قاعد ، وشهود جمع شاهد ، غُلِّب فيه الأيام على الليالي لأنها أكثر عدداً إذ هي ثمانية أيام وهذا له معان :
أحدها أن يكون المعنى : يتابع بعضها بعضاً ، أي لا فصل بينها كما يقال : صيام شهرين متتابعين ، وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي{[435]} :
ففرَّق بينَ بينِهمُ زمانٌ *** تتابع فيه أعوام حُسُومٌ
قيل : والحسوم مشتق من حسْم الداءِ بالمكواة إذ يكوى ويُتابع الكي أيّاماً ، فيكون إطلاقه استعارة ، ولعلها من مبتكرات القرآن ، وبيت عبد العزيز الكلابي من الشعر الإِسلامي فهو متابع لاستعمال القرآن .
المعنى الثاني : أن يكون من الحَسم وهو القطع ، أي حاسمة مستأصلة . ومنه سمي السيف حُساماً لأنه يقطع ، أي حَسَمَتْهم فلم تُبققِ منهم أحداً ، وعلى هذين المعنيين فهو صفة ل { سبع ليال وثمانية أيّام } أو حال منها .
المعنى الثالث : أن يكون حسوم مصدراً كالشُكور والدخُول فينتصب على المفعول لأجله وعاملُه { سَخَّرها } ، أي سخرها عليهم لاستئصالهم وقطع دابرهم .
وكل هذه المعاني صالح لأن يذكر مع هذه الأيام ، فإيثار هذا اللفظ من تمام بلاغة القرآن وإعجازه .
وقد سمّى أصحاب المِيقات من المسلمين أياماً ثمانية منصَّفة بين أواخر فبراير وأوائل مارس معروفة في عادة نظام الجو بأن تشتد فيها الرياح غالباً ، أيامَ الحُسوم على وجه التشبيه ، وزعموا أنها تقابل أمثالها من العام الذي أصيبت فيه عاد بالرياح ، وهو من الأوهام ، ومن ذا الذي رصد تلك الأيام .
ومن أهل اللغة من زعم أن أيام الحسوم هي الأيام التي يقال لها : أيامُ العَجُوز أو العَجُز ، وهي آخر فصل الشتاء ويُعدها العرب خمسة أو سبعة لها أسماء معروفة مجموعة في أبيات تذكر في كتب اللغة ، وشتان بينها وبين حُسوم عاد في العِدة والمُدة .
وفرع على { سخرها عليهم } أنهم صاروا صَرعى كلهم يراهم الرائي لو كان حاضراً تلك الحالة .
والخطاب في قوله : { فترى } خطاب لغير معين ، أي فيرى الرائي لو كان راءٍ ، وهذا أسلوب في حكاية الأمور العظيمة الغائبة تستحضر فيه تلك الحالة كأنها حاضرة ويُتخيل في المقام سامع حاضر شاهد مُهْلَكهم أو شَاهَدَهم بعدَه ، وكلا المشاهدتين منتف في هذه الآية ، فيعتبر خطاباً فرضياً فليس هو بالتفات ولا هو من خطاب غير المعين ، وقريب منه قوله تعالى : { وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل } [ الشورى : 45 ] ، وقوله : { وإذا رأيتَ ثَمَّ رأيتَ نعيماً وملكاً كبيراً } [ الإنسان : 20 ] ، وعلى دقة هذا الاستعمال أهمل المفسرون التعرض له عدا كلمة للبيضاوي .
والتعريف في { القومَ } للعهد الذِّكري ، والقوم : القبيلة وهذا تصوير لهلاك جميع القبيلة .
وضمير { فيها } عائد إلى الليالي والأيام .
و { صرعى } : جمع صريع وهو الملقى على الأرض ميتاً .
وشُبهوا بأعجاز نخل ، أي أصول النخل ، وعجز النخلة : هو الساق التي تتصل بالأرض من النخلة وهو أغلظ النخلة وأشدها .
ووجه التشبيه بها أن الذين يقطعون النخل إذا قطعوه للانتفاع بأعواده في إقامة البيوت للسُقُف والعضادات انتقوا منه أصوله لأنها أغلظ وأملأ وتركوها على الأرض حتى تيبس وتزول رطوبتها ثم يجعلوها عَمَداً وأساطين .
والخاوي : الخالي مما كان مالئاً له وحالاً فيه .
وقوله : { خاويةٍ } مجرور باتفاق القراء ، فتعين أن يكون صفة { نخل .
ووصفُ نخل } بأنها { خاوية } باعتبار إطلاق اسم « النخل » على مكانه بتأويل الجنة أو الحديقة ، ففيه استخدام . والمعنى : خالية من الناس ، وهذا الوصف لتشويه المشبه به بتشويه مكانه ، ولا أثر له في المشابهة وأحسنه ما كان فيه مناسبة للغرض من التشبيه كما في الآية ، فإن لهذا الوصف وقعاً في التنفير من حالتهم ليناسب الموعظة والتحذير من الوقوع في مثل أسبابها ، ومنه قول كعب بن زهير :
لَذاكَ أهْيَبُ عندي إذْ أُكلمه *** وقيلَ إنَّك مَنسُوبٌ ومَسْؤول
مِن خادرٍ من لُيُوثثِ الأسْدِ مسكَنه *** من بَطْن عَثَّرَ غِيلٌ دونَهُ غِيل
الأبيات الأربعة ، وقول عنترة :
فتركتُه جَزَر السباععِ يَنُشْنَه *** يَقضِمْنَ حُسنَ بنانِه والمعصم
هذه الريح الصرصر العاتية : ( سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ) . . والحسوم القاطعة المستمرة في القطع . والتعبير يرسم مشهد العاصفة المزمجرة المدمرة المستمرة هذه الفترة الطويلة المحددة بالدقة : ( سبع ليال وثمانية أيام ) . ثم يعرض المشهد بعدها شاخصا : ( فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ) . . فترى . . فالمنظر معروض تراه ، والتعبير يلح به على الحس حتى يتملاه ! ( صرعى ) . . مصروعين مجدلين متناثرين ( كأنهم أعجاز نخل )بأصولها وجذوعها( خاوية )فارغة تآكلت أجوافها فارتمت ساقطة على الأرض هامدة ! إنه مشهد حاضر شاخص . مشهد ساكن كئيب بعد العاصفة المزمجرة المدمرة . .
" سخرها عليهم " أي أرسلها وسلطها عليهم . والتسخير : استعمال الشيء بالاقتدار . " سبع ليال وثمانية أيام حسوما " أي متتابعة لا تفر ولا تنقطع ، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما . قال الفراء : الحسوم التِّباع ، من حسم الداء إذا كوي صاحبه ، لأنه يكوى بالمكواة ثم يتابع ذلك عليه . قال عبدالعزيز بن زرارة الكلابي :
ففرق بين بينهم{[15287]} زمان *** تتابع فيه أعوامٌ حسومُ
وقال المبرد : هو من قولك حسمت الشيء إذا قطعته وفصلته عن غيره . وقيل : الحسم الاستئصال . ويقال للسيف حسام ؛ لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته . وقال الشاعر :
حسامٌ إذا قمتُ مُعْتَضِداً *** به كفى العَوْدَ منه البدء ليس بِمعْضَدِ{[15288]}
والمعنى أنها حسمتهم ، أي قطعتهم وأذهبتهم . فهي القاطعة بعذاب الاستئصال . قال ابن زيد : حسمتهم فلم تبق منهم أحدا . وعنه أنها حسمت الليالي والأيام حتى استوعبتها ؛ لأنها بدأت طلوع الشمس من أول يوم وانقطعت غروب الشمس من آخر يوم . وقال الليث : الحسوم الشؤم . ويقال : هذه ليالي الحسوم ، أي تحسم الخير عن أهلها ، وقال في الصحاح . وقال عكرمة والربيع بن أنس : مشائيم ، دليله قوله تعالى : " في أيام نحسات{[15289]} " [ فصلت : 16 ] . عطية العوفي : " حسوما " أي حسمت الخير عن أهلها . واختلف في أولها ، فقيل : غداة يوم الأحد ، قاله السدي . وقيل : غداة يوم الجمعة ، قال الربيع بن أنس . وقيل : غداة يوم الأربعاء ، قاله يحيى بن سلام ووهب بن منبه . قال وهب : وهذه الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز ، ذات برد وريح شديدة ، وكان أولها يوم الأربعاء وآخرها يوم الأربعاء ، ونسبت إلى العجوز لأن عجوزا من عاد دخلت سربا فتبعتها الريح فقتلتها في اليوم الثامن . وقيل : سميت أيام العجوز لأنها وقعت في عجز الشتاء . وهي في آذار من أشهر السريانيين . ولها أسام مشهورة ، وفيها يقول الشاعر وهو ابن أحمر{[15290]} :
كُسِع{[15291]} الشتاء بسبعة غُبْرٍ *** أيامِ شَهْلَتِنَا{[15292]} من الشَّهْرِ
فإذا انقضت أيامها ومضت{[15293]} *** صِنٌّ وصَنَّبْر مع الوَبْرِ
وبآمر وأخيه مُؤْتَمِرٌ *** ومعَلِّل وبمطفئِ الجِمْرِ
ذهب الشتاءُ مُوَلِّيًا عَجِلاً{[15294]} *** وأتَتْكَ وَاقِدةُ من النَّجْرِ{[15295]}
و " حسوما " نصب على الحال . وقيل على المصدر . قال الزجاج : أي تحسمهم حسوما أي تفنيهم ، وهو مصدر مؤكد . ويجوز أن يكون مفعولا له ، أي سخرها عليهم هذه المدة للاستئصال ، أي لقطعهم واستئصالهم . ويجوز أن يكون جمع حاسم . وقرأ السدي " حسوما " بالفتح ، حالا من الريح ، أي سخرها عليهم مستأصلة .
قوله تعالى : " فترى القوم فيها " أي في تلك الليالي والأيام . " صرعى " جمع صريع ، يعني موتى . وقيل : " فيها " أي في الريح . " كأنهم أعجاز " أي أصول . " نخل خاوية " أي بالية ، قاله أبو الطفيل . وقيل : خالية الأجواف لا شيء فيها . والنخل يذكر ويؤنث . وقد قال تعالى في موضع آخر : " كأنهم أعجاز نخل منقعر{[15296]} " [ القمر : 20 ] فيحتمل أنهم شبهوا بالنخل التي صرعت من أصلها ، وهو إخبار عن عظم أجسامهم . ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع ، أي إن الريح قد قطعتهم حتى صاروا كأصول النخل خاوية أي الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخلة الخاوية الجوف . وقال ابن شجرة : كانت الريح تدخل في أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم ، فصاروا كالنخل الخاوية . وقال يحيى بن سلام : إنما قال " خاوية " لأن أبدانهم خوت من أرواحهم مثل النخل الخاوية . ويحتمل أن يكون المعنى كأنهم أعجاز نخل خاوية عن أصولها من البقاع ، كما قال تعالى : " فتلك بيوتهم خاوية{[15297]} " [ النمل : 52 ] أي خربة لا سكان فيها . ويحتمل الخاوية بمعنى البالية كما ذكرنا ؛ لأنها إذا بليت خلت أجوافها . فشبهوا بعد أن هلكوا بالنخل الخاوية .