معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا} (60)

قوله عز وجل : { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } ، أي : هم في قبضته ، لا يقدرون على الخروج من مشيئته ، فهو حافظك ومانعك منهم ، فلا تهبهم وامض لما أمرك به من تبليغ الرسالة ، كما قال : { والله يعصمك من الناس } [ المائدة – 67 ] . { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ، فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات . قال ابن عباس : هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول سعيد بن جبير ، والحسن ، و مسروق ، و قتادة ، و مجاهد ، و عكرمة ، و ابن جريج و الأكثرين . والعرب تقول : رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك ، وكذبوا فكان فتنة للناس . وقال قوم : أسري بروحه دون بدنه . وقال بعضهم : كان له معراجان : معراج رؤية بالعين ، ومعراج رؤيا بالقلب . وقال قوم . أراد بهذه الرؤيا ما رأى صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه ، فجعل السير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون ، فرجع إلى المدينة ، وكان رجوعه في ذلك العام بعد ما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم ، حتى دخلها في العام المقبل ، فأنزل الله تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } [ الفتح – 27 ] { والشجرة الملعونة في القرآن } ، يعني شجرة الزقوم ، مجازه : والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن ، والعرب تقول لكل طعام كريه : طعام ملعون . وقيل : معناه الملعون أكلها ، ونصب الشجرة عطفاً على الرؤيا ، أي : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة إلا فتنة للناس ، فكانت الفتنة في الرؤيا ما ذكرنا . والفتنة في الشجرة الملعونة من وجهين ، أحدهما : أن أبا جهل قال : إن ابن أبي كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة ، ثم يزعم أنه ينبت فيها شجرة ، وتعلمون أن النار تحرق الشجرة . والثاني أن عبد الله بن الزبعري قال : إن محمداً يخوفنا . بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر ، وقال أبو جهل : يا جارية تعالي فزقمينا فأتت بالتمر والزبد ، فقال : يا قوم تزقموا فإن هذا ما يخوفكم به محمد ، فوصفها الله تعالى في الصافات . وقيل : الشجرة الملعونة هي : التي تلتوي على الشجر فتجففه ، يعني الكشوث . { ونخوفهم فما يزيدهم } التخويف ، { إلا طغياناً كبيراً } أي : تمرداً وعتواً عظيماً .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا} (60)

قوله تعالى : { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } هذا تخصيص من الله لنبيه محمد ( ص ) على تبليغ رسالة الإسلام فيمضي بها إلى الأمام قدما غير هيّاب في ذلك ولا متردد . وفي الآية أيضا إعلام من الله أنه سيمنعه من الناس فلا ينفذون إليه بأذى أو مكروه ؛ لأنه عاصمه من كل سوء وهو سبحانه قد ( أحاط بالناس ) أي أحاطت قدرته بهم فهم في قبضته وسيطرته ولا يستطيعون الخروج من مشيئته وإحاطته . فلا تعبأ بهم يا محمد ولا يثنوك عما أمرك الله به من تبليغ دعوة الإسلام للناس .

قوله : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ) المراد بالرؤيا ، ما رأيه النبي ( ص ) ليلة أسري به إلى بيت المقدس ( والشجرة الملعونة ) هي شجرة الزقوم ؛ فقد أخبر النبي ( ص ) عقب إيابه من المعراج أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم . فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل : هاتوا لنا تمرا وزبدا وجعل يأكل من هذا ويقول : تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا .

وفي الآية تقديم وتأخير ؛ أي ما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس . والفتنة ارتداد بعض المسلمين ضعفة الإيمان حين سمعوا بإسراء النبي ( ص ) ؛ إذ لم تتصور عقولهم ذلك فأنكروا . وكذلك الشجرة الملعونة . وفتنتها أنهم لما خوفهم الله بكونها طعاما للجاحدين المكذبين قال أبو جهل كلمته الظالمة اللئيمة استهزاء وتهكما : هل تدرون ما هذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد ( ص ) ؟ قالوا : لا . قال : الثريد بالزبد . أما والله لئن أمكننا منها لنتزقمنها تزقما{[2706]} . والشجرة في ذاتها لا تقع عليها اللعنة ؛ بل لعن الله الكافرين الذين يأكلون منها في النار . والمعنى : والشجرة الملعون آكلوها في القرآن .

قوله : ( ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) أي يخوف الله الناس بمخاوف الدنيا مما حوته من الآلام والأرزاء والنوائب ، وكذلك يخوفهم بقواصم الآخرة وما فيها من البلايا وعظائم الأمور . فما يزيدهم كل هذا التخويف إلا تماديا في البطل وإغراقا في الفساد والطغيان{[2707]} .


[2706]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 195.
[2707]:- تفسير القرطبي جأ 10 ص 286 وتفسير النسفي جـ 2 ص 320.