قوله تعالى : { يسألونك ماذا أحل لهم } الآية . قال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم ، وزيد بن المهلهل الطائيين ، وهو زيد الخيل ، الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير ، قالا : يا رسول الله ، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، فماذا يحل لنا منها ؟ فنزلت هذه الآية . وقيل : سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب قالوا : يا رسول الله ، ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فنزلت هذه الآية . فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ، أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، أنا أحمد بن منصور الزيادي ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من اتخذ كلباً إلا كلب ماشية ، أو صيد ، أو زرع ، انتقص من أجره كل يوم قيراط " ، والأول أصح في نزول الآية .
قوله تعالى : { قل أحل لكم الطيبات } . يعني الذبائح على اسم الله تعالى ، وقيل : كل ما تستطيبه العرب وتستلذه ، من غير أن يرد بتحريمه نص من كتاب أو سنة .
قوله تعالى : { وما علمتم من الجوارح } . يعني : وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح . واختلفوا في هذه الجوارح ، فقال الضحاك والسدي : هي الكلاب دون غيرها ، ولا يحل ما صاده غير الكلب إلا أن تدرك ذكاته ، وهذا غير معمول به ، بل عامة أهل العلم على أن المراد بالجوارح الكواسب من السباع البهائم ، كالفهد ، والنمر ، والكلب . ومن سباع الطير كالبازي ، والعقاب ، والصقر ، ونحوها مما يقبل التعليم ، فيحل صيد جميعها . سميت جارحة : لجرحها أربابها أقواتهم من الصيد ، أي : كسبها ، يقال : فلان جارحة أهله أي : كاسبهم .
قوله تعالى : { مكلبين } . والمكلب الذي يغري الكلاب على الصيد ، ويقال للذي يعلمها أيضاً مكلب ، والكلاب صاحب الكلاب ، ويقال : الصائد بها أيضا كلاب ، ونصب مكلبين على الحال ، أي : في حال تكليبكم هذه الجوارح أي إغرائكم إياها على الصيد ، وذكر الكلاب لأنها أكثر وأعم ، والمراد جميع جوارح الصيد .
قوله تعالى : { تعلمونهن } . تؤدبونهن آداب أخذ الصيد .
قوله تعالى : { مما علمكم الله } . أي : من العلم الذي علمكم الله . قال السدي : أي كما علمكم الله ، فمن بمعنى الكاف .
قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } . أراد أن الجارحة المعلمة إذا خرجت بإرسال صاحبها ، فأخذت الصيد وقتلته كان حلالاً ، والتعليم هو : أن يوجد بها ثلاثة أشياء ، إذا أشليت استشلت ، وإذا زجرت انزجرت ، وإذا أخذت الصيد أمسكت ، ولم تأكل ، وإذا وجد ذلك منه مراراً ، وأقله ثلاث مرات ، كانت معلمة يحل قتلها إذا خرجت بإرسال صاحبها .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا موسى بن إسماعيل ، أن ثابت ابن زيد ، عن عاصم ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت ، فأمسك وقتل فكل ، وإن أكل فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه ، وإذا خالط كلاباً لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل ، فإنك لا تدري أيها قتل ، وإذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل ، وإن وقع في الماء فلا تأكل .
واختلفوا فيما إذا أخذت الصيد وأكلت منه شيئاً : فذهب أكثر أهل العلم إلى تحريمه ، روي ذلك عن ابن عباس ، وهو قول عطاء ، وطاووس ، والشعبي ، وبه قال الثوري ، وابن المبارك ، وأصحاب الرأي ، وهو أصح قولي الشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم : " وإن أكل فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه " . ورخص بعضهم في أكله ، روي ذلك عن ابن عمر ، وسلمان الفارسي ، وسعد بن أبي وقاص ، وقال مالك : لما روي عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أرسلت كلبك ، وذكرت اسم الله تعالى فكل ، وإن أكل منه " .
أما غير المعلم من الجوارح إذا أخذ صيداً ، والمعلم إذا جرح بغير إرسال صاحبه فأخذ وقتل ، فلا يكون حلالاً ، إلا أن يدركه صاحبه حياً فيذبحه ، فيكون حلالاً .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد الله بن يزيد ، أنا حيوة ، أخبرني ربيعة بن يزيد الدمشقي ، عن أبي إدريس ، عن أبي ثعلبة الخشني ، قال : قلت : يا نبي الله ، إنا بأرض قوم أهل الكتاب ، أفنأكل في آنيتهم ؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم ، وبكلبي المعلم ، فما يصح لي ؟ قال : أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ، وإن لم تجدوا فاغسلوا وامسكوا فيها ، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل ، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل " .
قوله تعالى : { واتقوا الله إن الله سريع الحساب } ، ففيه بيان أن ذكر اسم الله عز وجل على الذبيحة شرط حالة ما يذبح ، وفي الصيد حالة ما يرسل الجارحة أو السهم . أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن علوية الجوهري قال : أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن الأثرم المقري بالبصرة ، حدثنا عمر بن شيبة ، أنا أبو عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس قال : " ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ، ذبحهما بيده ، وسمى وكبر ، قال : رأيته واضعاً قدمه على صفاحهما ، ويذبحهما بيده ويقول : بسم الله والله أكبر " .
قوله تعالى : { يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب } .
نزلت هذه الآية بسبب عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير بدلا من اسمه زيد الخيل ، فقد قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء ، فمنه ما ندرك ذكاته ، ومنه ما نقتله فلا ندرك ذكاته ، وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟ فنزلت الآية{[899]} .
قوله : { ماذا } ما في محل رفع مبتدأ ، وخبره { أحل لهم } وذا زائدة .
قوله : { أحل لكم الطيبات } يعني الحلال . وهو ما ليس بخبيث وكل ما لم يأت تحريمه في كتاب ولا سنة ولا قياس . وقيل : الحلال ما التذ به آكله وشاربه ولم يصبه به ضرر في الدنيا ولا في الآخرة . وقيل : الطيبات هي الذبائح ، لأنها بالتذكية تطيب .
قوله : { ما علمتم من الجوارح } معطوف على الطيبات أي أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم . فقد حذف المضاف وهو " صيد " والجوارح معناها الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين ، كقوله تعالى : { ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي يعلم ما كسبتم من خير ومن شر .
وقوله : { مكلبين } في محل نصب على الحال من علمتم . ومكلبين جمع وفرده مكلب . وهو مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها دون غيره ومروضها لذلك . وذلك مشتق من الكلب ، لأن التعليم أو التأديب أكثر ما يكون في الكلاب . فاشتق من لفظه لكثرة حصوله في جنسه ، أو لأن السباع تسمى كلابا . ومنه دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم على ابن أبي لهب " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " وفي رواية " من كلاب الشام " فأكله الأسد وهو في أرض الشام .
على أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب ، لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب بأنيابها ، وهو قول المذاهب الأربعة وغيرهم من أهل العلم . فقد روى عن عدي ابن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال : " ما أمسك عليك فكل " .
وقوله : { تعلمونهن مما علمكم الله } تعلمونهن في محل نصب حال أخرى وقيل : جملة استئنافية . وتعليمهن بالتضرية والترويض على إمساك الصيد لصاحبه . وقوله : { مما علمكم الله } أي مما علمكم من الحيل وطرق التعليم والتأديب ، فإذا أرسله استرسل ، وإذا زجره انزجر وإذا أخذ الصيد فلا يأكل منه وإنما يمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه .
وعلى هذا إذا كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه وكان قد ذكر اسم الله عليه عند إرساله فقد حل الصيد وإن قتله ، وذلك بالإجماع . ويؤكد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله ، فقال : " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك " قلت : وإن قتلن ؟ قال : " وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها ، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره " قلت له : فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب ؟ فقال : " إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ، وإن أصابه فإنه وقيذ فلا تأكله " وفي لفظ لهما " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله ، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه ، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله ، فإن أخذ الكلب ذكاته " وهذا دليل على أنه إذا أكل الكلب من الصيد فإنه يحرم مطلقا . وهو قول أكثر أهل العلم .
وذلك بمقتضى قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } أي كلوا مما حبسن لكم من الصيد ولم يأكلن منه . فإن أكلن منه لم يؤكل ما بقي ، لأن الكلب بذلك أمسك على نفسه ولم يمسك على صاحبه وقوله : { واذكروا اسم الله عليه } أي سموا عليه عند إرساله . وقيل : سموا عليه إذا أدركتم ذكاته . والأمر هنا للندب عند الإمام الشافعي . وهو للوجوب عند أبي حنيفة .
قوله : { واتقوا الله إن الله سريع الحساب } أي خافوا الله باجتناب نواهيه ومنها أكل صيد الجوارح غير المعلمة ، فإن الله حسابه سريع إتيانه أو أنه سريع إتمامه ، فيوم القيامة قريب إذا شرع فيه فإن الله يحاسب الخلائق دفعة واحدة .
ويستفاد من هذه الآية جواز اتخاذ الكلاب واقتناؤها للصيد وكذلك للحراسة قياسا على كلب الصيد ، ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان " . وعلى هذا فإن المباح اتخاذه من الكلاب مما يجوز بيعه وشراؤه ، فضلا عن كلب الصيد فهو الذي يحرس الماشية والزرع والدار . أما اقتناؤها على غير ذلك من المنفعة فهو منهي عنه . ولعل الحكمة في النهي عن ذلك ما في الكلاب من ترويع للمسلمين والتشويش عليهم بنباحها ، أو لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب{[900]} .