قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } . اللغو كل مطرح من الكلام لا يعتد به ، واختلف أهل العلم في اللغو في اليمين المذكورة في الآية فقال قوم : هو ما يسبق إلى اللسان على عجلة لصلة الكلام ، من غير عقد وقصد ، كقول القائل : لا والله وبلى والله وكلا والله . أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع أنا الشافعي أنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت : لغو اليمين قول الإنسان ، لا والله وبلى والله ، ورفعه بعضهم وإلى هذا ذهب الشعبي وعكرمة وبه قال الشافعي .
ويروى عن عائشة : أيمان اللغو ما كانت في الهزل والمراء والخصومة ، والحديث الذي لا يعقد عليه القلب ، وقال قوم : هو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك ، وهو قول الحسن ، والزهري وإبراهيم النخعي وقتادة ومكحول ، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه ، وقالوا : لا كفارة فيه ولا إثم ، وقال علي : هو اليمين على الغضب ، وبه قال طاووس وقال سعيد بن جبير : هو اليمين في المعصية لا يؤاخذه الله بالحنث فيها ، بل يحنث ويكفر . وقال مسروق : ليس عليه كفارة ، أيكفر خطوات الشيطان ؟ وقال الشعبي في الرجل يحلف على المعصية ، كفارته أن يتوب منها ، وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة ولو أمرته بالكفارة لأمرته أن يتم ويستمر على قوله . وقال زيد بن أسلم : هو دعاء الرجل على نفسه تقول لإنسان أعمى الله بصري أن أفعل كذا ، فهذا كله لغو لا يؤاخذه الله به ولو آخذهم به لعجل لهم العقوبة ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ) ، وقال ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ) .
قوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } . أي عزمتم وقصدتم إلى اليمين ، وكسب القلب العقد والنية .
قوله تعالى : { والله غفور رحيم } . واعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بالله أو باسم من أسمائه ، أو بصفة من صفاته : فاليمين بالله أن يقول : والذي أعبده ، والذي أصلي له ، والذي نفسي بيده ، ونحو ذلك ، واليمين بأسمائه كقوله : والله والرحمن ونحوه ، واليمين بصفاته كقوله : وعزة الله وعظمة الله وجلال الله وقدرة الله ونحوها ، فإذا حلف بشيء منها على أمر في المستقبل فحنث يجب عليه الكفارة ، وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن ، أو على أنه لم يكن وقد كان ، إن كان عالماً به حالة ما حلف فهو اليمين الغموس ، وهو من الكبائر ، ويجب فيه الكفارة عند بعض أهل العلم ، عالماً كان أو جاهلاً ، وبه قال الشافعي ، ولا تجب عند بعضهم وهو قول أصحاب الرأي وقالوا إن كان عالماً فهو كبيرة ولا كفارة لها كما في سائر الكبائر ، وإن كان جاهلاً فهو يمين اللغو عندهم ، ومن حلف بغير الله مثلا ، مثل أن قال : والكعبة وبيت الله ونبي الله ، أو حلف بابيه ونحو ذلك ، فلا يكون يميناً ، فلا يجب عليه الكفارة إذا حلف ، وهي يمين مكروهة ، قال الشافعي : وأخشى أن يكون معصية .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " .
ولما تقدم إليهم سبحانه وتعالى في هذا وكانت ألسنتهم قد مرنت على الأيمان من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك إلا برياضة كبيرة ومعالجة{[10383]} طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما أخطأت به ولم تتعمده قال{[10384]} في جواب من كأنه{[10385]} سأل عن ذلك : { لا يؤاخذكم{[10386]} }{[10387]} أي لا يعاقبكم{[10388]} ، وحقيقته{[10389]} يعاملكم معاملة من يناظر شخصاً في أن كلاًّ منهما يريد أخذ الآخر بذنب أسلفه إليه { الله } فكرر{[10390]} في الإطلاق والعفو الاسم الأعظم الذي ذكره في التقييد والمنع إيذاناً بأن عظمته لا تمنع من المغفرة { باللغو } وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله الحرالي{[10391]} . { في أيمانكم } فإن ذلك لا يدل على الامتهان بل ربما دل على المحبة والتعظيم . ولما بين ما أطلقه بين ما منعه فقال : { ولكن يؤاخذكم } والعبارة صالحة للإثم والكفارة . ولما كان الحامل على اليمين في الأغلب المنافع الدنيوية التي هي الرزق وكان الكسب يطلق على طلب الرزق وعلى القصد والإصابة عبر به فقال : { بما{[10392]} كسبت } أي تعمدت { قلوبكم } فاجتمع فيه مع اللفظ النية . قال الحرالي : فيكون ذلك عزماً باطناً وقولاً ظاهراً فيؤاخذ{[10393]} باجتماعهما ، ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو ، وذلك هو الذي حفظ حرمة الحلف بالله ، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا يفعله - انتهى . ولم يبين هنا الكفارة صريحاً إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا أتقى من{[10394]} أن يمنعوا من شيء فيقارفوه ، وأشار إليها في الإيلاء كما يأتي .
ولما كان ذكر المؤاخذة قطعاً لقلوب الخائفين سكنها بقوله {[10395]}مظهراً موضع الإضمار إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه{[10396]} : { والله } أي مع ما له من العظمة { غفور } أي ستور لذنوب عباده إذا تابوا . {[10397]} ولما كان السياق للمؤاخذة التي هي معالجة{[10398]} كل من المتناظرين لصاحبه بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء لذلك فقال { حليم * }{[10399]} لا يعاجلهم بالأخذ ، والحلم احتمال{[10400]} الأعلى للأذى{[10401]} من الأدنى ، وهو أيضاً رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية{[10402]} في حق مستعظم - قاله الحرالي{[10403]} .
وقوله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) اللغو مصدر وفعله لغا يلغو ، أي قال باطلا واللغو ، اختلاط الكلام بما لا ينفع{[305]} .
واللغو من الأيمان ما يأتي خلال الكلام أو المحاورة أو الجدل كقوله : لا والله ، بلى والله ، وذلك دون قصد لليمين أو الحلف . وقد روي عن السيدة عائشة في هذا الصدد قالت : أيمان اللغو ما كانت في المرء والهزل والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب .
وورد في البخاري عن السيدة عائشة أيضا قالت : نزل قوله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله .
وأما الأيمان فهي جمع مفرده يمين وهي الحلف ، وقد سمي الحلف يمينا ؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه فسمي الحلف يمينا مجازا . والمعنى المراد من الآية أن الله جلت قدرته لا يعاقب الناس فيما يحلفون من أيمان لاغية لا ينعقد عليها قلب الحالف ، وإنما ينطق بها لسانه على سبيل العادة لا القصد والتأكيد .
وقوله : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) الله سبحانه وتعالى يعاقب الناس ، ويلزمهم بما حلفوا من أيمان على أشياء وهو يعلمون أنهم كاذبون . فقوله : ( كسبت ) أي تعمدت ، والمراد : الحلف على كذب وباطل أي يحلف الرجل على شيء وهو يعلم أنه كاذب . فذاك الذي يؤاخذ به .
وقوله : ( والله غفور حليم ) هذا التعقيب الكريم جاء مناسبا لعدم مؤاخذة الله للعباد على ما تنطق به ألسنتهم دائما من اللغو في الإيمان . وهي أيمان لا تكاد تبرح الألسن ؛ لكثرة ما تدور وتتردد في كل حين وفي كل مجال ومناسبة ، في التعامل والتمازح والجد والسمر وغير ذلك من مجالات . ولو كانت هذه الأيمان تحتمل مؤاخذة لكان الأمر بالنسبة للحالفين عسيرا وخطيرا ، لكن الله بواسع مغفرته وحلمه قد تجاوز للعباد عن تلك الأيمان .