قوله تعالى : { لتبلون في أموالكم وأنفسكم } . الآية ، قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج نزلت الآية في أبي بكر وفنحاص بن عازوراء ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص بن عازوراء سيد بني قينقاع ليستمده ، وكتب إليه كتاباً وقال لأبي بكر رضي الله عنه لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع فجاء أبو بكر رضي الله عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال : قد احتاج ربك إلى أن نمده ؟ فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع " " فكف . فنزلت هذه الآية . وقال الزهري : نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسب المسلمين ، ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، في شعره ويسب نساء المسلمين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم من لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله . فقال محمد بن مسلمة الأنصاري : أنا لك يا رسول الله ، أنا أقتله ، قال : فافعل إن قدرت على ذلك . فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثاً لا يطعم ولا يشرب إلا ما تعلق به نفسه ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه ، وقال له : لم تركت الطعام والشراب ؟ قال : يا رسول الله قلت قولاً ولا أدري هل أفي به أم لا ، فقال : إنما عليك الجهد . فقال : يا رسول الله إنه لابد لنا من أن نقول ، قال : قولوا ما بدا لكم وأنتم في حل من ذلك ، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلام وأبو نائلة -وكان أخا كعب من الرضاعة- وعباد بن بشر والحارس بن أوس وأبو عيسى بن جبير ، فمشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم ، وقال : انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم ، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك في ليلة مقمرة . فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدموا أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا الشعر ، وكان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال : ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم علي ، قال : افعل ، قال : كان قدوم هذا الرجل بلادنا بلاءً ، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة ، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس ، فقال كعب : أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرتك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا ، فقال أبو نائلة : إن معي أصحاباً أردنا أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك ، قال : أترهنوني أبناءكم ؟ قال : إنا نستحي أن يعير أبناؤنا ، فيقال هذا رهينة وسق ، وهذا رهينة وسقين ، قال : ترهنوني نساءكم ؟ قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك ، وأية امرأة تمنع منك لجمالك ، ولكنا نرهنك الحلقة ، يعني : السلاح ، وقد علمت حاجتنا إلى السلاح ، قال : نعم ، وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه فوعده أن يأتيه فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره . فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه ليلاً ، فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب من ملحفته ، فقالت امرأته :أسمع صوتاً يقطر منه الدم ، وإنك رجل محارب ، وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة فكلمهم من فوق الحصن ، فقال : إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة وإن هؤلاء لو وجدوني نائماً أيقظوني ، وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب ، فنزل إليهم فتحدثوا معه ساعة ثم قالوا : يا ابن الأشرف هل لك إلى أن نتماشى إلى شعب العجود نتحدث فيه بقية ليلتنا هذه ، قال : إن شئتم . فخرجوا يتماشون ، وكان أبو نائلة قال : لأصحابه إني نائل شعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه ، ثم إنه شام يده في فود رأسه ثم شم يده ، فقال : ما رأيت كالليلة طيب عروس قط ، قال : إنه طيب أم فلان يعني امرأته ، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها ثم أخذ بفود رأسه حتى استمكن ثم قال : اضربوا عدو لله ، فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئاً ، قال محمد بن مسلمة . فذكرت مغولاً في سيفي فأخذته ، وقد صاح عدو الله صيحةً لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار ، قال : فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ، ووقع عدو الله ، وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا ، فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس بجرح في رأسه ونزفه الدم ، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي ، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه ، وتفل على جرح صاحبنا ، فرجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت اليهود وقعتنا بعدو الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ظفرتم به من رجال اليهود فاقتلوه فوثب محيصة بن مسعود على سفينة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله ، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله ، جعل حويصة يضربه ويقول أي عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله . قال محيصة : والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك ، قال : لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني ، قال : نعم ، قال والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة ، فأنزل الله تعالى في شأن كعب .
قوله تعالى : { لتبلون } . لتختبرن اللام للتأكيد ، وفيه معنى القسم والنون لتأكيد القسم .
قوله تعالى : { في أموالكم } . بالجوائح والعاهات والخسران { وأنفسكم } . بالأمراض ، وقيل : بمصائب الأقارب والعشائر ، قال عطاء :هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم ورباعهم وعذبوهم ، وقال الحسن : هو ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم من الحقوق ، كالصلاة ، والصيام ، والحج ، والجهاد ، والزكاة .
قوله تعالى : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } . يعني اليهود والنصارى .
قوله تعالى : { ومن الذين أشركوا } . يعني مشركي العرب .
قوله تعالى : { أذى كثيراً وإن تصبروا } . على أذاهم .
قوله تعالى : { وتتقوا } . الله .
قوله تعالى : { فإن ذلك من عزم الأمور } . من حق الأمور وخيرها ، وقال عطاء : من حقيقة الإيمان .
ولما سلى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم له بما لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه ، فيفوز من كان من أهل حزبه ، ويشقى من والى أعداءه وذوي حزبه ؛ أعاد التسلية على وجه يشمل المؤمنين ، وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر{[20076]} الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكداً لأن الواقف في الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء ، هذا طبع البشر وإن تطبّع{[20077]} بخلافه ، وأفاد ذكره{[20078]} قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه{[20079]} ، وأفاد بناؤه للمفعول أن المنكى البلاء ، لا كونه من جهة معينة - : { لتبلون } أي تعاملون معاملة المختبر لتبيين المؤمن من المنافق { في أموالكم } {[20080]}أي بأنواع الإنفاق { وأنفسكم } أي بالإصابة في الجهاد وغيره ، فكما نالكم ما نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص عبادي وذوي محبتي ، وكان إيلاء ذلك للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل الفوز مناسباً من حيث الترغيب في كل ما يكون سبباً لذلك من الصبر على ما يبتلي به سبحانه وتعالى من كل ما يأمر به من التكاليف ، أو يأذن فيه من المصائب ، وقدم المال لأنه - كما قيل - عديل الروح ، وربما هان على الإنسان الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل بالشماتة والعار بما تقصر{[20081]} عنه يده بفقده من أفعال المكارم ، وما أحسن ذكر هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها القتل بسبب الإقبال على المال ، وكان ذكرها{[20082]} تعليلاً لبغضة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار .
ولما كان يومها{[20083]} يوم بلاء وتمحيص ، وكان ربما أطمع في العافية بعده ، فتوطنت النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله{[20084]} ، وليس ذلك من أخلاق المشمرين{[20085]} أراد سبحانه وتعالى توطين النفوس على ما طبعت {[20086]}عليه الدار{[20087]} من الأثقال والآصار{[20088]} ، فأخبر أن البلاء لم ينقص به ، بل لا بد بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار ، ورغب{[20089]} في شعار{[20090]} المتقين : الصبر الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصة أحد ، وبناها عليه معلماً أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال : { ولتسمعن } أي بعد هذا اليوم { من الذين } ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه{[20091]} المعلم عن الذكر فبنى للمفعول قوله : { أوتوا الكتاب } ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل الجار فقال : { من قبلكم } أي من اليهود والنصارى { ومن الذين أشركوا } أي من الأميين { أذى كثيراً } أي{[20092]} من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو{[20093]} غيرها { وإن تصبروا } أي تتخلقوا{[20094]} بالصبر على ذلك وغيره { وتتقوا } أي وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم اعتماداً على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف { فإن ذلك } أي الأمر{[20095]} العالي الرتبة { من عزم الأمور * } أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها ، ولا يتردد فيه ، ولا يعوق عنه عائق ، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلاً عليه من قوله :قد بدت البغضاء من أفواههم }[ آل عمران : 118 ] إلى أن ختم بقوله :{ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً }[ آل عمران : 120 ] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور .