قوله تعالى : { واختار موسى قومه } ، أي من قومه ، فانتصب لنزع حرف الصفة . قوله تعالى : { سبعين رجلاً لميقاتنا } وفيه دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل ، قال السدي : أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً .
قوله تعالى : { فلما } أتوا ذلك المكان ، قالوا : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة } فماتوا ، وقال ابن إسحاق : اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا ، ويسألوا التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم ، فهذا يدل على أن كلهم عبدوا العجل ، وقال قتادة وابن جريج ، ومحمد بن كعب : { أخذتهم الرجفة } لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل ، ولم يأمروهم بالمعروف ، ولم ينهوهم عن المنكر . وقال ابن عباس : إن السبعين الذين قالوا : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة } [ البقرة : 55 ] ، كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة ، وإنما أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يختار من قومه سبعين رجلاً ، فاختارهم ، وبرز بهم ليدعوا ربهم ، فكان فيما دعوا أن قالوا : اللهم أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا ، ولا تعطيه أحداً بعدنا ، فكره الله ذلك من دعائهم ، فأخذتهم الرجفة ، قال وهب : لم تكن الرجفة صوتاً ، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة ، وقلقوا ورجفوا ، حتى كادت أن تبين منهم مفاصلهم ، فلما موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت ، واشتد عليه فقدهم ، وكانوا له وزراء على الخير ، سامعين مطيعين ، فعند ذلك دعا وبكى ، وناشد ربه ، فكشف الله عنهم تلك الرجفة ، فاطمأنوا وسمعوا كلام ربهم ، فذلك قوله تعالى : { قال } يعني موسى .
قوله تعالى : { رب لو شئت أهلكتهم من قبل } ، يعني عن عبادة العجل .
قوله تعالى : { وإياي } بقتل القبطي .
قوله تعالى : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ، يعني عبدة العجل ، وظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذهم العجل ، وقال هذا على طريق السؤال ، يسأل : أتهلكنا بفعل السفهاء ؟ وقال المبرد : قوله { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } استفهام استعطاف ، أي : لا تهلكنا ، وقد علم موسى عليه السلام أن الله تعالى أعدل من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره . قوله تعالى : { إن هي إلا فتنتك } ، أي : التي وقع فيها السفهاء ، لم تكن إلا اختبارك وابتلاءك ، أضللت بها قوماً فافتنوا ، وهديت قوماً فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك ، فذلك هو معنى قوله : { تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا } ، ناصرنا وحافظنا .
ولما فرغ سبحانه من ذكر الوعد بالميقات المقصود به سعي الكليم عليه السلام فيما يهديهم إلى صراط الله ، وذكر سعيهم هم فيما أضلهم عن الطريق باتخاذهم العجل ، وكان ختام ذلك ما بدا من موسى عليه السلام من الشفقة على أخيه ثم على الكافة بأخذ الألواح عند الفراغ مما يجب من الغضب لله ، رد الكلام على ذكر شيء فعله في الميقات مرادٍ به عصمتُهم في صراط الله بنقلهم - بمشاركته{[33521]} في سماعهم لكلام الله - من علم اليقين إلى عين اليقين بل حق اليقين شفقة عليهم ورحمة لهم ، ليكون إخبارهم عما رأوا مؤيداً لما يخبر به ، فيكون ذلك سبباً{[33522]} لحفظهم من مثل ما وقعوا فيه من عبادة العجل ، ومع ذلك وقع منهم العصيان بطلب ما لا ينبغي لهم من الرؤية على وجه التعنت ، فقال : { واختار } أي اجتهد في أخذ الخيار { موسى قومه } ثم أبدل منهم قوله : { سبعين رجلاً } إشارة إلى أن من عداهم عدم ، لا يطلق عليهم اسم القوم في المعنى الذي أراده ، وهو نحو ما{[33523]} قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما " الناس كالإبل المائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة " ثم ذكر علة الاختيار فقال : { لميقاتنا } أي{[33524]} فما أختار إلا من رأى أنه يصلح لما نريد من عظمتنا في الوقت الذي حددناه{[33525]} له ، ودنا بهم من الحضرة الخطابية في الجبل{[33526]} هو وهارون عليهما السلام ، واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون عليه السلام ، كل ذلك عن أمر الله له ، وفي{[33527]} هذا الكلام عطف على قوله{ وواعدنا{[33528]} موسى ثلاثين ليلة }[ الأعراف : 142 ] فيكون الميقات هو الأول وهو ظاهر التوراة كما مر بيانه في البقرة ، ويجوز أن يكون عطفاً على قوله{ واتخذ قوم موسى }[ الأعراف : 148 ] أو على قوله{ أخذ الألواح }[ الأعراف : 154 ] وحينئذ يكون هذا الميقات غير الميقات الأول ، ويؤيده ما نقل من أن هارون عليه السلام كان معهم ، وكأنهم لما سمعوا كلام الله طلب بعضهم الرؤية جاعليها شرطاً لإيمانهم فقالوا :{ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }{[33529]} كما فعل النقباء الاثنا عشر حين أرسلهم لجس أحوال الجبارين فنقض{[33530]} أكثرهم ، فأخذتهم الرجفة فماتوا ، فخشي موسى عليه السلام أن يتهمه بنو إسرائيل في موتهم كنفس{[33531]} واحدة { فلما أخذتهم } أي أخذ قهر وغلبة { الرجفة } أي التي سببتها الصاعقة التي تقدمت في البقرة ، فزلزلت قلوبهم فأماتتهم ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هؤلاء غير السبعين الذين قالوا{ أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة }{[33532]} وأن أولئك كانوا قبل هؤلاء ، فالظاهر أن سبب الرجفة ما رأوا عند سماع الكلام من جلال الله وعظيم هيبته من الغمام{[33533]} الذي تغشى الجبل والقتار والبروق وأصوات القرون وغير ذلك بحيث كادت الرجفة - وهي رعدة{[33534]} - تفرق أوصالهم بعضها من بعض { قال } أي موسى تملقاً لربه سبحانه { رب } أي أيها{[33535]} المحسن إليّ { لو شئت أهلكتهم } أي أمتّهم .
ولما لم يكن إهلاكهم مستغرقاً للماضي ، أدخل الجارفقال : { من قبل وإياي } أي قدرتك عليّ وعليهم قبل أن نقترب{[33536]} من هذه الحضرة المقدسة ونحن بحضرة قومنا كقدرتك علينا حين تشرفنا بها ، وقد أسبلت علينا ذيل عفوك وأسبغت علينا نعمتك ونحن في غير هذه الحضرة فلم تهلكنا ، فإنعامك علينا ونحن في حضرة القدس وبساط القرب والأنس أولى .
ثم لما كان الحال مقتضياً لأن يقال : ألم تر إلى ما اجترؤوا عليه ، وكان كأنه قال : إنما قال ذلك قوم منهم سفهاء ، دل على{[33537]} ذلك بقوله استعطافاً : { أتهلكنا } وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجفتهم كانت بسبب أنهم لم ينهوا عن عبادة العجل مع أنهم لم يرضوا بذلك . وكأن موسى عليه السلام عبر بهذه العبارة المقتضية لإهلاك الجميع لأنه جوز{[33538]} أنه كما أهلك هؤلاء يهلك غيرهم لتقصير آخر بسبب ذلك كعدم الجهاد مثلاً حتى يعمهم الهلاك { بما فعل السفهاء منا } فكأنه صلى الله عليه وسلم رضي أنه إن لم يشملهم العفو أن يخص العفو بمن لم يذنب بالفعل ويعفو{[33539]} عمن قصر بالسكوت ، وعلى تقدير كون الميقات غير الأول يجوز أن يكون بعد اتخاذهم العجل كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فيكون موسى عليه السلام خاف أن يكون إهلاكهم فتنة لبني إسرائيل وسبباً لكفرهم كما كان إبطاؤه عنهم بزيادة عشرة أيام على الثلاثين في الميقات الأول سبباً لاتخاذهم العجل ، ويجوز حينئذ أن يراد بفعل السفهاء اتخاذ العجل ، ويؤيده التعبير بالفعل دون القول وقد تقدم نقله{[33540]} عن ابن عباس رضي الله عنهما .
ولما كان قوله هذا ربما أفهم رضاه بهلاك المذنبين{[33541]} ، قال معرضاً بالسؤال في العفو عن الجميع : { إن هي } أي الفتنة التي أوقعها{[33542]} السفهاء { إلا فتنتك } أي ابتلاؤك واختبارك { تضل بها من تشاء } أي تظهر في عالم الشهادة من ضلاله{[33543]} ما كان معلوماً لك في عالم الغيب { وتهدي من تشاء } أي تظهر{[33544]} ما في علمك من ذلك .
ولما أثبت أن الكل بيده ، استأنف سؤاله في أن يفعل لهم الأصلح فقال : { أنت } أي وحدك{[33545]} { ولينا } أي نعتقد أنه لا يقدر{[33546]} على عمل مصالحنا غيرك ، وأنت لا نفع لك في شيء من الأمرين ولا ضر ، بل الكل بالنسبة إليك على حد سواء ، ونحن على بصيرة{[33547]} من أن أفعالك لا تعلل بالأغراض ، وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك منا يضرنا ، ونحن في حضرتك قد انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا لديك .
ولما اثبت أنه الفعال لما يشاء وأنه لا ولي لهم غيره ، وكان من شأن الولي جلب النفع ودفع الضر ، سبب عن كونه الولي وحده قوله بادئاً بدفع الضرر : { فاغفر لنا } أي امح ذنوبنا { وارحمنا } أي ارفعنا ؛ ولما كان التقدير : فأنت خير الراحمين ، عطف عليه قوله : { وأنت خير الغافرين* } أي لأن غيرك يتجاوز عن الذنب للثناء أو الثواب أو دفعاً للصفة الخسيسة وهي صفة الحقد ونحوه ، وأنت منزه عن ذلك ،