قوله تعالى : { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } ، قال ابن عباس ، وابن الزبير ومحمد ابن إسحاق ، والسدي : أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش ، في أربعين راكباً من كفار قريش ، فيهم : عمرو بن العاص ، ومخرمة بن نوفل الزهري ، وفيها تجارة كثيرة ، وهي اللطيمة ، حتى إذا كانوا قريباً من بدر ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فندب أصحابه إليه ، وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدد ، وقال : هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله تعالى أن ينفلكموها ، فانتدب الناس ، فخف بعضهم وثقل بعضهم ، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً ، فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وسلم استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ، فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم ويخبرهم أن محمداً قد عرض لعيرهم في أصحابه ، فخرج ضمضم سريعاً إلى مكة . وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها ، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له : يا أخي ، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني ، وخشيت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة ، فاكتم على ما أحدثك . قال لها : وما رأيت ؟ قالت : رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، فأرى الناس قد اجتمعوا إليه ، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بمثلها بأعلى صوته : ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس ، فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها ، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل أرفضت ، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها قلقة ، فقال العباس : والله إن هذه لرؤيا رأيت ، فاكتميها ولا تذكريها لأحد . ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وكان له صديقاً فذكرها له واستكتمه إياها ، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش . قال العباس : فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآني أبو جهل قال : يا أبا الفضل ، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا ، قال : فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم ، فقال لي أبو جهل : يا بني عبد المطلب ، متى حدثت هذه النبية فيكم ؟ قلت : وما ذاك ؟ قال : الرؤيا التي رأت عاتكة ؟ قلت : وما رأت ؟ قال : يا بني عبد المطلب ، أما رضيتم أن تنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث ، فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك ما قالت حقاً فسيكون ، وإن تمض الثلاث ، ولم يكن من ذلك شيء ، نكتب عليكم كتاباً إنكم أكذب أهل بيت في العرب . فقال العباس : والله ما كان مني إليه كبير إلا أني حجدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئاً ، ثم تفرقنا ، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ، ثم لم تكن عندك غيرة لشيء مما سمعت . قال : قلت والله قد فعلت ما كان مني إليه من كبير ، وأيم الله ، لأتعرضن له ، فإن عاد لأكفيكنه . قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه ، قال : فدخلت المسجد ، فرأيته ، فو الله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به ، وكان رجلاً خفيفاً ، حديد الوجه ، حديد اللسان ، حديد النظر ، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد . قال : قلت في نفسي : ماله لعنه الله ؟ أكل هذا فرقاً مني أن أشاتمه ؟ قال : فإذا هو قد سمع ما لم أسمع ، سمع صوت ضمضم بن عمرو ، وهو يصرخ ببطن الوادي وافقاً على بعيره ، وقد جدع بعيره وحول رحله ، وشق قميصه وهو يقول : يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، ولا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث . قال : فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر ، فتجهز الناس سراعاً ، فلم يتخلف من أشراف قريش أحد ، إلا أن أبا لهب قد تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة ، فلما اجتمعت قريش للمسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناف بن كنانة بن الحارث ، فقالوا : نخشى أن يأتونا من خلفنا فكاد ذلك أن يثنيهم ، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان من أشراف بني بكر ، فقال : أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه . فخرجوا سراعاً ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ، في ليال مضت من شهر رمضان ، حتى إذا بلغ وادياً يقال له ذا قرد ، فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء أخذ عيناً للقوم ، فأخبره بهم ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً عيناً له من جهينة حليفاً للأنصار يدعى عبد الله بن أريقط فأتاه بخبر القوم ، وسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل جبريل وقال : إن الله وعدكم إحدى الطائفتين ، إما العير وإما قريشاً ، وكانت العير أحب إليهم ، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في طلب العير وحرب النفير ، فقام أبو بكر فقال فأحسن ، ثم قام عمر فقال فأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله ، إمض لما أراك الله فنحن معك ، فوالله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد ، يعني مدينة الحبشة ، فجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ، ودعا له بخير ، ثم قال رسول صلى الله عليه وسلم : أشيروا علي أيها الناس ، وإنما يريد الأنصار ، وذلك أنهم عدد الناس ، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا : يا رسول الله ، إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا ، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليهم نصرته إلا على من دهمه بالمدينة من عدوه ، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم ، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال : أجل . قال : قد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئتنا به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنا لصبر عند الحرب ، صدق في اللقاء ، ولعل الله تعالى يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا يا رسول الله على بركة الله ، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشط ذلك . ثم قال : سيروا على بركة الله وأبشروا ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم ، قال ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، قال ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا ، قال : فما ماط أحد عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، فذلك قوله تعالى { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } أي : الفريقين إحداهما أبو سفيان مع العير والأخرى أبو جهل مع النفير .
قوله تعالى : { وتودون } ، أي : تريدون .
قوله تعالى : { أن غير ذات الشوكة تكون لكم } ، يعني العير التي ليس فيها قتال . والشوكة : الشدة والقوة ، ويقال السلاح .
قوله تعالى : { ويريد الله أن يحق الحق } أي يظهره ويعليه .
قوله تعالى : { بكلماته } بأمره إياكم بالقتال . وقيل : بعداته التي سبقت من إظهار الدين وإعزازه .
قوله تعالى : { ويقطع دابر الكافرين } ، أي : يستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد ، يعني : كفار العرب .
ولما{[34546]} لانوا بهذا الخطاب ، وأقبلوا على الملك التواب ، أقبل عليهم فقال : { وإذ } أي اذكروا هذا الذي ذكره الله لكم وقد كان حالكم فيه ما ذكره ، ثم{[34547]} أفضى إلى سعادة عظيمة وعز لا يشبهه عز ، واذكروا إذ { يعدكم الله } أي الجامع لصفات الكمال { إحدى الطائفتين } : العير أو النفير ، وأبدل من الإحدى - ليكون الوعد بها مكرراً - قوله : { أنها لكم } أي فتكرهون لقاء ذات الشوكة { وتودون } أي والحال أنكم تحبون محبة عظيمة { أن غير ذات الشوكة } أي السلاح والقتال والكفاح الذي به{[34548]} تعرف الأبطال ويميز بين الرجال من ذوات الحجال { تكون لكم } أي العير لكونها{[34549]} لم يكن فيها إلا ناس قليل ، يقال : إنهم أربعون رجلاً ، جهلاً منكم بالعواقب ، ثم تبين لكم أن ما فعله الله خير لكم بما{[34550]} لا يبلغ كنهه ، فسلموا له الأمر في السر والجهر تنالوا الغنى والنصر ، وقال الإمام أبو{[34551]} جعفر بن الزبير العاصمي في مناسبة تعقيب الأعراف بهذه السورة ومناسبة آخر تلك لأول هذه ما نصه : لما قصَّ سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم في سوة الأعراف أخبار الأمم ، وقطع المؤمنون{[34552]} من مجموع ذلك بأنه{[34553]} لا يكون الهدى إلا بسابقة السعادة ، لافتتاح السورة من ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام ، وكلاهما{[34554]} كفر على علم ولم ينفعه ما قد كان حصل عليه ، ونبه تعالى عباده على الباب الذي أتى{[34555]} منه على بلعام بقوله سبحانه ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فأشار سبحانه إلى أن اتباع الأهواء أضل كل ضلال ، نبهوا على ما فيه الحزم{[34556]} من ترك الأهواء جملة فقال تعالى يسألونك عن الأنفال }[ الأنفال : 1 ] الآية ، فكان قد{[34557]} قيل لهم : اتركوا ما ترون أنه حق واجب لكم ، وفوضوا في أمره لله وللرسول ، فذلك أسلم لكم وأحزم في ردع أغراضكم وقمع شهواتكم وترك{[34558]} أمور ربكم{[34559]} وقد ألف في هذه الشريعة السمحة{[34560]} البيضاء حسم الذرائع كثيراً وإقامة مظنة الشيء مقامه كتحريم الجرعة من الخمر والقطرة{[34561]} ، والخطبة في العدة واعتداد النوم الثقيل ناقضاً ، فهذه مظان لم يقع الحكم فيها على ما هو لأنفسها{[34562]} ولا بما هي كذا ، بل بما هي مظان ودواع لما منع لعينه أو استوجب حكماً لعينه وعلته الخاصة به ، ولما أمر المسلمون بحل أيديهم عن الأنفال يوم بدر إذ كان المقاتلة قد هموا بأخذها وحدثوا أنفسهم بالأنفراد بها{[34563]} ورأوا أنها من حقهم وأن من{[34564]} لم يباشر قتالاً من الشيوخ ومن انحاز منه{[34565]} لمهم فلا حق له فيها ، ورأى الآخرون أيضاً{[34566]} أن حقهم فيها ثابت لأنهم كانوا فيه للمقاتلين عدة{[34567]} وملجأ وراء ظهورهم ، كان ما أمرهم الله به من تسليم الحكم في ذلك إلى الله ورسوله من باب حسم الذرائع لأن تمشية أغراضهم في ذلك - وإن تعلق كل من الفريقين بحجة - مظنة لرئاسة{[34568]} النفوس واستسهال اتباع الأهواء{[34569]} ، فأمرهم الله بالتنزه
عن ذلك والتفويض لله ولرسوله فإن ذلك أسلم لهم{[34570]} و{[34571]}أوفى لدينهم{[34572]} وأبقى في إصلاح ذات البين وأجدى في الأتباع{ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم }[ الأنفال : 1 ] الآية ، ثم ذكروا بما ينبغي لهم أن يلتزموا فقال تعالى{ إنما المؤمنون }[ الأنفال : 2 ] - إلى قوله :{ زادتهم إيماناً }[ الأنفال : 2 ] ثم نبهوا على أن أعراض الدنيا من نفل أو غيره لا ينبغي للمؤمن أن يعتمد عليه اعتماداً يدخل عليه ضرراً من الشرك أو{[34573]} التفاتاً إلى غير الله سبحانه بقوله : { وعلى ربهم يتوكلون } ثم ذكروا بما وصف به المتقين من الصلاة والإنفاق ثم قال { أولئك هم المؤمنون حقاً } تنبيهاً على أن من قصر عن هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره ، وكان في هذا إشعار{[34574]} بعذرهم في كلامهم في الأنفال وأنهم قد كانوا في مطلبهم على حالة من الصواب وشرب من التمسك والأتباع ، لكن أعلى الدرجات ما بين لهم ومنحوه ، وأنه الكمال والفوز ، ثم نبههم سبحانه بكيفية أمرهم في الخروج إلى بدر وودهم أن غير ذات الشوكة تكون لهم وهو سبحانه يريهم حسن العاقبة فيما اختاره لهم ، فقد كانوا تمنوا لقاء العير ، واختاروا ذلك على لقاء العدو ولم يعلموا ما وراء ذلك
ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين }[ الأنفال : 7 ] إلى ما قصه تعالى عليهم من اكتنافهم برحمته وشمول ألطافه وآلائه وبسط نفوسهم ونبههم{[34575]} على ما{[34576]} يثبت يقينهم ويزيد في إيمانهم ، ثم أعلم أن الخير كله في التقوى فقال :{ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً }[ الأنفال : 29 ] الاية ، وهذا الفرقان هو{[34577]} الذي حرمه إبليس وبلعام ، فكان منهما ما تقدم من{[34578]} اتباع الأهواء القاطعة لهم عن الرحمة ، وقد تضمنت الآية حصول خير الدنيا والآخرة بنعمة الاتقاء{[34579]} ، ثم أجمل الخيران معاً في قوله{ والله ذو الفضل العظيم }[ الأنفال : 29 ] بعد تفصيل ما إليه إسراع{[34580]} المؤمنين من الفرقان والتكفير والغفران ، ولم يقع التصريح بخيري الدنيا الخاص بها مع اقتضاء الآية إياه{[34581]} تنزيهاً للمؤمن في مقام إعطاء الفرقان وتكفير السيئات ، والغفران{[34582]} من{[34583]} ذكر متاع الدنيا التي هي لهو ولعب فلم يكن ذكر متاعها الفاني ليذكر مفصلاً مع ما لا يجانسه ولا يشاكله{ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان }[ العنكبوت : 64 ] ثم التحمت الآي ، ووجه آخر وهو أنه تعالى لما{[34584]} قال { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له{[34585]} } بيَّن لهم كيفية هذا الاستماع وما الذي يتصف به المؤمن من ضروبه فقال{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله }[ الأنفال : 2 ] الآية ، فهؤلاء لم يسمعوا بآذانهم فقط ، ولا كانت لهم آذان لا يسمعون بها ولا قلوب لا يفقهون بها ، ولو كانوا كذا{[34586]} لما وجلت وعمهم الفزع والخشية وزادتهم الآيات إيماناً ، فإذن إنما يكون سماع المؤمن هكذا{ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون }[ الأنفال : 21 ] ولما كان هؤلاء إنما أتى عليهم من اتباع أهوائهم والوقوف مع أعراضهم وشهواتهم{ يأخذون عرض هذا الأدنى }[ الأعراف : 169 ] { ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه }[ الأعراف : 176 ] وهذه بعينها كانت آفة إبليس ، رأى لنفسه المزيد واعتقد لها الحق ثم اتبع هذا الهوى حين قال{ لم أكن لأسجد{[34587]} لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون }[ الحجر : 33 ] فلما كان اتباع الهوى{[34588]} أصلاً في الضلال وتنكب{[34589]} الصراط المستقيم ، أمر المؤمنين بحسم باب الأهواء ، والتسليم فيما لهم{[34590]} {[34591]}به تعلق{[34592]} وإن لم يكن هوى مجرداً لكنه مظنة تيسير لاتباع{[34593]} الهوى ، فافتتحت السورة بسؤالهم عن الأنفال وأخبروا أنها لله ورسوله ، يحكم فيها ما يشاء { فاتقوا الله } واحذروا الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره { وأصلحوا ذات بينكم } برفع التنازع ، وسلموا لله ولرسوله ، وإلا لم تكونوا سامعين وقد أمرتم أن تسمعوا السماع الذي عنه ترجى الرحمة ، وبيانه في قوله { إنما المؤمنون } - الآيات ، ووجه آخر وهو أن قصص بني إسرائيل عقب بوصاة المؤمنين وخصوصاً بالتقوى وعلى حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بني إسرائيل ، ففي البقرة أتبع قصصهم بقوله{[34594]}
يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا{[34595]} واسمعوا{[34596]} }[ البقرة : 104 ] ولما كان قصصهم مفتتحاً بذكر تفضيلهم { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين{[34597]} } افتتح خطاب هذه الأمة بما يشعر بتفضليهم{[34598]} ، وتأمل ما بين { يا بني إسرائيل } و { يا أيها الذين آمنوا } وأمر أولئك بالإيمان{ وآمنوا بما أنزلت{[34599]} }[ البقرة : 41 ] وأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل{ وقولوا انظرنا واسمعوا }[ البقرة : 104 ] ثم أعقبت البقرة بآل عمران وافتتحت ببيان المحكم والمتشابه الذي من جهته أتى{[34600]} على بني إسرائيل في{[34601]} كثير من مرتكباتهم ، ولما ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم{[34602]} ما ورد{[34603]} فيها ، أعقبت بقوله تعالى ؛{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين{[34604]} }[ آل عمران : 100 ] ثم أعقبت السورة بقوله{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة{[34605]} }[ النساء : 1 ] وعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة ، وذلك أن سورة آل عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار{ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً{[34606]} }[ النساء : 51 ] فهذا بهت{[34607]} ، ومنها قولهم{ الله فقير ونحن أغنياء{[34608]} }[ آل عمران : 181 ] إلى ما تخلل هاتين{[34609]} من الآيات المنبئة عن تعمدهم الجرائم ، فعدل عن { يا أيها الذين آمنوا } إلى { يا أيها الناس } ليكون أوقع في الترتيب وأوضح مناسبة لما ذكر ، ولما ضمنت سورة النساء قوله تعالى{ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات }[ النساء : 160 ] - إلى قوله :{ وأكلهم أموال الناس بالباطل{[34610]} }[ النساء : 161 ] أتبعت بقوله تعالى{ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود{[34611]} }[ المائدة : 51 ] ثم ذكر لهم ما أحل لهم وحرم عليهم ليحذروا مما وقع فيه أولئك ، فعلى هذا لما ضمنت سورة الأعراف من قصصهم جملة ، وبين فيها اعتداءهم ، وبناه على اتباع الأهواء والهجوم على الأغراض ، طلب هؤلاء باتقاء ذلك والبعد عما يشبهه جملة ، فقيل في آخر السورة{ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا }[ الأعراف : 201 ] ثم افتتحت السورة{[34612]} الأخرى بصرفهم عما لهم به تعلق وإليه تشبث يقيم عذرهم شرعاً فيما كان منهم ، فكان قد قيل لهم : ترك هذا أسلم وأبعد عن اتباع الأهواء ، فسلموا في ذلك الحكم لله ورسوله واتقوا الله ، ثم تناسج السياق والتحمت الآي ، وقد تبين وجه اتصال الأنفال بالأعراف من وجوه ، والحمد لله - انتهى .
ولما أخبر تعالى بما هو الحق من أن إرادتهم بل ودادتهم إنما كانت منصبة إلى العير لا إلى النفير ، تبين أنه لا صنع لهم فيما وقع إذ لو كان لكان على ما أرادوا ، فلا حظ لهم في الغنيمة إلا ما{[34613]} يقسمه الله لهم لأن الحكم لمراده لا لمراد غيره ، فقال تعالى عاطفاً على { وتودون } : { ويريد الله } أي بما له من العز والعظمة والعلم { أن يحق الحق } اي يثبت في عالم الشهادة الثابت عنده في عالم الغيب ، وهو هنا إصابة ذات الشوكة { بكلماته } أي التي أوحاها إلى{[34614]} نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم يهزمون ويقتلون ويؤسرون ، وأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان ، ليعلي دينه ويظهر أمره على كل أمر { ويقطع دابر } أي آخر { الكافرين* } أي كما يقطع أولهم ، أي يستأصلهم بحيث لا يبقى منهم أحد يشاقق أهل حزبه فهو يدبر أمركم على ما يريد ، فلذلك اختار لكم ذات الجد والشوكة ليكون ما وعدكم به من إعلاء الدين وقمع المفسدين بقطع دابرهم