قوله عز وجل : { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } ، أي : هم في قبضته ، لا يقدرون على الخروج من مشيئته ، فهو حافظك ومانعك منهم ، فلا تهبهم وامض لما أمرك به من تبليغ الرسالة ، كما قال : { والله يعصمك من الناس } [ المائدة – 67 ] . { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ، فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات . قال ابن عباس : هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول سعيد بن جبير ، والحسن ، و مسروق ، و قتادة ، و مجاهد ، و عكرمة ، و ابن جريج و الأكثرين . والعرب تقول : رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك ، وكذبوا فكان فتنة للناس . وقال قوم : أسري بروحه دون بدنه . وقال بعضهم : كان له معراجان : معراج رؤية بالعين ، ومعراج رؤيا بالقلب . وقال قوم . أراد بهذه الرؤيا ما رأى صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه ، فجعل السير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون ، فرجع إلى المدينة ، وكان رجوعه في ذلك العام بعد ما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم ، حتى دخلها في العام المقبل ، فأنزل الله تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } [ الفتح – 27 ] { والشجرة الملعونة في القرآن } ، يعني شجرة الزقوم ، مجازه : والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن ، والعرب تقول لكل طعام كريه : طعام ملعون . وقيل : معناه الملعون أكلها ، ونصب الشجرة عطفاً على الرؤيا ، أي : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة إلا فتنة للناس ، فكانت الفتنة في الرؤيا ما ذكرنا . والفتنة في الشجرة الملعونة من وجهين ، أحدهما : أن أبا جهل قال : إن ابن أبي كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة ، ثم يزعم أنه ينبت فيها شجرة ، وتعلمون أن النار تحرق الشجرة . والثاني أن عبد الله بن الزبعري قال : إن محمداً يخوفنا . بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر ، وقال أبو جهل : يا جارية تعالي فزقمينا فأتت بالتمر والزبد ، فقال : يا قوم تزقموا فإن هذا ما يخوفكم به محمد ، فوصفها الله تعالى في الصافات . وقيل : الشجرة الملعونة هي : التي تلتوي على الشجر فتجففه ، يعني الكشوث . { ونخوفهم فما يزيدهم } التخويف ، { إلا طغياناً كبيراً } أي : تمرداً وعتواً عظيماً .
{ وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } المعنى : اذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش يعني : بشرناك بقتلهم يوم بدر وذلك قوله : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } [ القمر : 45 ] ، وإنما قال أحاط بلفظ الماضي وهو لم يقع لتحقيقه وصحة وقوعه بعد ، وقيل : المعنى أحاط بالناس في منعك وحمايتك منهم كقوله : { والله يعصمك من الناس } [ المائدة : 67 ] .
{ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } اختلف في هذه الرؤيا ، فقيل : إنها الإسراء ، فمن قال : إنه كان في اليقظة ، فالرؤيا بمعنى : الرؤية بالعين ، ومن قال : إنه كان في المنام فالرؤيا : منامية ، والفتنة على هذا تكذيب الكفار بذلك وارتداد بعض المسلمين حينئذ ، وقيل : إنها رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في منامه هزيمة الكفار وقتلهم ببدر ، والفتنة على هذا تكذيب قريش بذلك ، وقيل : إنه رأى أنه يدخل مكة فعجل في سنة الحديبية فرد عنها فافتتن بعض المسلمين بذلك ؛ وقيل : رأى في المنام أن بني أمية يصعدون على منبره فاغتم بذلك .
{ والشجرة الملعونة في القرآن } يعني : شجرة الزقوم ، وهي معطوفة على الرؤيا أي : جعل الرؤيا والشجرة فتنة للناس ، وذلك أن قريشا لما سمعوا أن في جهنم شجرة زقوم سخروا من ذلك وقالوا : كيف تكون شجرة في النار والنار تحرق الشجر ؟ وقال أبو جهل : ما أعرف الزقوم إلا التمر بالزبد .
فإن قيل : لم لعنت شجرة الزقوم في القرآن ؟ فالجواب : أن المراد لعنة آكلها ، وقيل : اللعنة بمعنى الإبعاد لأنها في أصل الجحيم { ونخوفهم } الضمير لكفار قريش .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.