معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (144)

قوله تعالى : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } . قال أصحاب المغازي : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من احد في سبعمائة رجل ، وجعل عبد الله بن جبير-وهو أخو خوات ابن جبير- على الرجالة ، وكانوا خمسين رجلاً ، وقال : " أقيموا بأصل الجبل ، وانضحوا عنا بالنبل ، لا يأتونا من خلفنا ، فإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم ، وإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم " فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ، ومعهم النساء يضربن بالدفوف ، ويقلن الأشعار ، فقاتلوا حتى حميت الحرب ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفاً فقال : " من يأخذ هذا السيف بحقه ، ويضرب به العدو حتى يثخن " فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري ، فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع " . ففلق به هام المشركين ، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم . وروينا عن البراء بن عازب قال : فأنا –والله- رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير : الغنيمة والله لنأتين الناس ، ولنصيبن من الغنيمة ، فلما أتوهم صرفت وجوههم . قال الزبير بن العوام : فرأيت هنداً وصواحبها هاربات مصعدات في الجبل ، باديات خدامهن ما دون أخذهن شيء ، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ، ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب . فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ، ورأى ظهورهم خالية ، صاح في خيله من المشركين ، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم ، فهزموهم وقتلوهم ، ورمى عبد الله بن قميئة رسول اله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته ، وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة يعلوها ، وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع ، فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أوجب طلحة " . ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد ، وأعطتها وحشياً وبقرت عن كبدة حمزة ولاكتها لم تستطع أن تسيغها ، فلفظتها ، وأقبل عبد الله بن قميئة يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، فذبه مصعب بن عمير ، وهو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتله ابن قمئة ، وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرجع إلى المشركين وقال : إني قتلت محمداً ، وصاح صارخا ألا إن محمداً قد قتل ، ويقال : إن ذلك الصارخ إبليس لعنة الله عليه . فانكفأ الناس ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس " إلي عباد الله إلي عباد الله " . فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحملوه حتى كشفوا عنه المشركين ، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ، ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته ، وقال له : " ارم فداك أبي وأمي " ، وكان طلحة رجلاً رامياً شديداً النزع ، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً ، وكان الرجل يمر بجعبة من النبل فيقول " انثرها لأبي طلحة ، وكان إذا رمى استشرف النبي صلى الله عليه وسلم لينظر إلى موضع نبله ، وأصيبت يد طلحة ابن عبيد الله ، فيبست حين وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصيبت عين قتادة ابن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته ، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها ، فعادت كأحسن ما كانت . فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف الجمحي ، وهو يقول : لا نجوت إن نجوت ، فقال القوم : يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم " دعوه " حتى إذا دنا منه ، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل أنا أقتلك إن شاء الله " فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ، ثم استقبله فطعنه في عنقه ، فخدشه خدشة فتدهدى عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ، ويقول : قتلني محمد ، فحمله أصحابه وقالوا : ليس عليك بأس ، قال : بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم ، أليس قال لي أقتلك ؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني ، فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له سرف .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عمرو بن علي ، أنا أبو عاصم ، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " اشتد غضب الله على من قتله نبي واشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم " . قالوا : وفشا في الناس أن محمداً قد قتل فقال بعض المسلمين : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان ، وبعض الصحابة جلسوا وألقوا ما بأيديهم من الأسلحة ، وقال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول ، فقال أنس بن النضر عم انس بن مالك : يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد لم يقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وموتوا على مامات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المنافقين- ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل ، ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة ، وهو يدعو الناس ، فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك ، قال : عرفت عينيه تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إلي أن اسكت ، فانحازت إليه طائفة من أصحابه ، فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفرار ، فقالوا : يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، أتانا الخبر بأنك قد قتلت ، فرعبت قلوبنا ، فولينا مدبرين ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) . ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد ، لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكامل ، والتحميد فوق الحمد ، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال ، وأكرم الله نبيه وصفيه باسمين مشتقين من اسمه جل جلاله محمد ، وأحمد ، وفيه يقول حسان بن ثابت :

ألم تر أن الله أرسل عبده *** ببرهانه والله أعلى وأمجد

أغر عليه للنبوة خاتم *** من الله مشهور يلوح ويشهد

وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

قوله تعالى : { أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ } . ؟أي رجعتم إلى دينكم الأول .

قوله تعالى : { ومن ينقلب على عقبيه } . ويرتد عن دينه .

قوله تعالى : { فلن يضر الله شيئاً } . بارتداده وإنما ضر نفسه .

قوله تعالى : { وسيجزي الله الشاكرين } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (144)

فيه خمس مسائل :

الأولى : روى أنها نزلت بسبب انهزام المسلمين يوم أحد حين صاح الشيطان : قد قتل محمد . قال عطية العوفي : فقال بعض الناس : قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم فإنما هم إخوانكم . وقال بعضهم : إن كان محمد قد أصيب ألا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به ، فأنزل الله تعالى في ذلك " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " إلى قوله : " فآتاهم الله ثواب الدنيا " [ آل عمران : 148 ] . وما نافية ، وما بعدها ابتداء وخبر ، وبطل عمل " ما " . وقرأ ابن عباس " قد خلت من قبله رسل " بغير ألف ولام . فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا ، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل وإن فقد الرسول بموت أو قتل . وأكرم نبيه صلى الله عليه وسلم وصفيه{[3538]} باسمين مشتقين من اسمه : محمد وأحمد ، تقول العرب : رجل محمود ومحمد إذا كثرت خصاله المحمودة ، قال الشاعر :

إلى الماجد القَرْمِ الجواد المُحَمَّدِ{[3539]}

وقد مضى هذا في الفاتحة{[3540]} . وقال عباس بن مرداس :

يا خاتم النُّبآء إنك مرسل *** بالخير كل هدى السبيل هداكا

إن الإله بنى{[3541]} عليك محبةً *** في خَلْقِهِ ومحمدا سَمَّاكَا

فهذه الآية من تتمة العتاب مع المنهزمين ، أي لم يكن لهم الانهزام وإن قتل محمد ، والنبوة لا تدرأ الموت ، والأديان لا تزول بموت الأنبياء . والله أعلم .

الثانية : هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته ، فإن الشجاعة والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب ، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم بيانه في " البقرة " {[3542]} فظهرت عنده شجاعته وعلمه . قال الناس : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم عمر ، وخرس عثمان ، واستخفى علي ، واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسُّنْح{[3543]} ، الحديث ، كذا في البخاري . وفي سنن ابن ماجه عن عائشة قالت : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عند امرأته ابنة خارجة بالعوالي ، فجعلوا يقولون : لم يمت النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بعض ما كان يأخذه عند الوحي . فجاء أبو بكر فكشف عن وجهه وقبل بين عينيه وقال : أنت أكرم على الله من أن يميتك ! مرتين . قد والله مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر في ناحية المسجد يقول : والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يموت حتى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير وأرجلهم . فقام أبو بكر فصعد المنبر فقال : من كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت ، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " . قال عمر : " فلكأني لم أقرأها إلا يومئذ " . ورجع عن مقالته التي قالها فيما ذكر الوائلي أبو نصر عبيد الله في كتابه الإبانة : عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستوى على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد قبل أبي بكر فقال : أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت ، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا - يريد أن يقول حتى يكون آخرنا موتا - فاختار الله عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم ، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الوائلي أبو نصر : المقالة التي قالها ثم رجع عنها هي " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم " وكان قال ذلك لعظيم ما ورد عليه ، وخشي الفتنة وظهور المنافقين ، فلما شاهد قوة يقين الصديق الأكبر أبي بكر ، وتفوهه بقول الله عز وجل : " كل نفس ذائقة الموت " {[3544]} [ آل عمران : 185 ] وقوله : " إنك ميت وإنهم{[3545]} ميتون " [ الزمر : 30 ] وما قاله ذلك اليوم - تنبه وتثبت وقال : كأني لم أسمع بالآية إلا من أبي بكر . وخرج الناس يتلونها في سكك المدينة ، كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم . ومات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين بلا اختلاف ، في وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتد الضحاء ، ودفن يوم الثلاثاء ، وقيل ليلة الأربعاء . وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

ألا يا رسول الله كنتَ رجاءَنا *** وكنتَ بِنَا بَرّاً ولم تك جافيا

وكنت رحيما هاديا ومعلما *** لِيَبْك عليك اليوم من كان باكيا

لعمرك ما أبكي النبي لفقده *** ولكن لما أخشى من الهرْج آتيا

كأن على قلبي لذكر محمد *** وما خفت من بعد النبي المكاويا

أفاطم صلى الله رب محمد *** على جَدَثٍ أمسى بيثرب ثاويا

فدىً لرسول الله أمي وخالتي *** وعمي وآبائي ونفسي وماليا

صدقت وبلغت الرسالة صادقا *** ومتّ صليبَ العود أبلجَ صافيا

فلو أن رب الناس أبقى نبينا *** سعدنا ، ولكن أمره كان ماضيا

عليك من الله السلام تحية *** وأدخلت جنات من العدن راضيا

أرى حسنا أيتمته وتركته *** يبكِّي ويدعو جده اليوم ناعيا{[3546]}

فإن قيل وهي :

الثالثة : فلِم أُخِّر دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لأهل بيت أخروا دفن ميتهم : ( عجلوا دفن جيفتكم ولا تؤخروها ) . فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول : ما ذكرناه من عدم اتفاقهم على موته . الثاني : لأنهم لا يعلمون حيث يدفنونه . قال قوم في البقيع ، وقال آخرون في المسجد ، وقال قوم : يحبس حتى يحمل إلى أبيه إبراهيم . حتى قال العالم الأكبر{[3547]} : سمعته يقول : ( ما دفن نبي إلا حيث يموت ) ذكره ابن ماجه والموطأ وغيرهما . الثالث : إنهم اشتغلوا بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة ، فنظروا فيها حتى استتب الأمر وانتظم الشمل واستوثقت{[3548]} الحال ، واستقرت الخلافة في نصابها فبايعوا أبا بكر ، ثم بايعوه من الغد بيعة أخرى عن ملأ منهم ورضا ، فكشف الله به الكربة من أهل الردة ، وقام به الدّين ، والحمد لله رب العالمين . ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظروا في دفنه وغسلوه وكفنوه . والله أعلم .

الرابعة : واختلف هل صلي عليه أم لا ؟ فمنهم من قال : لم يصل عليه أحد ، وإنما وقف كل واحد يدعو ، لأنه كان أشرف من أن يصلى عليه . وقال ابن العربي : وهذا كلام ضعيف ؛ لأن السنة تقام بالصلاة عليه في الجنازة ، كما تقام بالصلاة عليه في الدعاء ، فيقول : اللهم صل على محمد إلى يوم القيامة ، وذلك منفعة لنا . وقيل : لم يصل عليه ؛ لأنه لم يكن هناك إمام . وهذا ضعيف لأن الذي كان يقيم بهم الصلاة الفريضة هو الذي كان يؤم بهم في الصلاة . وقيل : صلى عليه الناس أفذاذا ؛ لأنه كان آخر العهد به ، فأرادوا أن يأخذ كل أحد بركته مخصوصا دون أن يكون فيها تابعا لغيره . والله أعلم بصحة ذلك .

قلت : قد خرج ابن ماجه بإسناد حسن بل صحيح من حديث ابن عباس وفيه : فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته ، ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا{[3549]} يصلون عليه ، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء ، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان ، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد . خرجه عن نصر بن علي الجهضمي أنبأنا وهب بن جرير حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق . قال حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس ، الحديث بطوله .

الخامسة : في تغيير الحال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، عن أنس قال : لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء ، وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا . أخرجه ابن ماجه ، وقال : حدثنا محمد بن بشار أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن ينزل فينا القرآن ، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلمنا . وأسند عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت{[3550]} : كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه ، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يَعْدُ بصرُ أحدهم موضع جبينه ، فتوفي أبو بكر وكان عمر ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يَعْدُ بصرُ أحدهم موضع القبلة ، فكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة فتلفت الناس في الصلاة يمينا وشمالا .

قوله تعالى : " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " " أفإن مات " شرط " أو قتل " عطف عليه ، والجواب " انقلبتم " . ودخل حرف الاستفهام على حرف الجزاء لأن الشرط قد انعقد به وصار جملة واحدة وخبرا واحدا . والمعنى : أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل ؟ وكذلك كل استفهام دخل على حرف الجزاء ، فإنه في غير موضعه ، وموضعه أن يكون قبل جواب الشرط . وقوله " انقلبتم على أعقابكم " تمثيل ، ومعناه ارتددتم كفارا بعد إيمانكم ، قاله قتادة وغيره . ويقال لمن عاد إلى ما كان عليه : انقلب على عقبيه . ومنه " نكص على عقبيه " {[3551]} . وقيل : المراد بالانقلاب هنا الانهزام ، فهو حقيقة لا مجاز . وقيل : المعنى فعلتم فعل المرتدين وإن لم تكن ردة .

قوله تعالى : " ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا " بل يضر نفسه ويعرضها للعقاب بسبب المخالفة ، والله تعالى لا تنفعه الطاعة ولا تضره{[3552]} المعصية لغناه . " وسيجزي الله الشاكرين " ، أي الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا . وجاء " وسيجزي الله الشاكرين " بعد قوله : " فلن يضر الله شيئا " فهو اتصال وعد بوعيد .


[3538]:- في ب وهـ.
[3539]:- هذا عجز بيت للأعشى، وصدره: * إليك أبيت اللعن كان كلالها* والذي في الديوان: الماجد الفرع. كذا في ب و د وهـ. وفرع كل شيء: أعلاه.
[3540]:- راجع جـ1 ص 133.
[3541]:- في د، واللسان: ثنى ولم يعرف هذا في اللغة. والأصول بنى.
[3542]:- راجع جـ2 ص 176.
[3543]:- السنح (بضم أوله وسكون النون وقد تضم): موضع بعوالي المدينة، وهي منازل بني الحارث بن الخزرج، بينها وبين منزل النبي صلى الله عليه وسلم ميل.
[3544]:- راجع ص 297 من هذا الجزء، وجـ 11 ص 287.
[3545]:- راجع جـ15 ص 254.
[3546]:- في جـ و ب ود : نائيا.
[3547]:- يريد به أبا بكر رضي الله عنه.
[3548]:- في هـ: استوسقت.
[3549]:- أرسالا: أفواجا وفرقا متقطعة بعضهم يتلو بعضا، واحدهم رسل، بفتح الراء والسين.
[3550]:- زيادة عن ابن ماجه.
[3551]:- راجع جـ8 ص 26.
[3552]:- في هـ و د: ولا يتضرر بالمعصية.