قوله تعالى : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } . قال ابن عباس رضي الله عنه : كان الحجاج بن عمرو ، وابن أبي الحقيق ، وقيس بن زيد يبطنون ، بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم ، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير ، وسعد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم ، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة . وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في المنافقين ، عبد الله بن أبي وأصحابه ، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم .
قوله تعالى : { ومن يفعل ذلك } أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين . فقوله تعالى : { فليس من الله في شيء } أي ليس من دين الله في شيء ، ثم استثنى .
قوله تعالى : { إلا أن تتقوا منهم تقاة } يعني : إلا أن تخافوا منهم مخافة ، قرأ مجاهد ، ويعقوب " تقية " على وزن بقية لأنهم كتبوها بالياء ولم يكتبوها بالألف ، مثل حصاة ونواة وهي مصدر يقال : تقيت تقاة ، وتقى تقية وتقوى ، فإذا قلت : اتقيت كان المصدر الاتقاء ، وإنما قال : " تتقوا " من الاتقاء ، ثم قال : " تقاة " ولم يقل اتقاء ، لأن معنى اللفظين إذا كان واحداً يجوز إخراج مصدر أحدهما على لفظ الآخر ، كقوله تعالى ( وتبتل إليه تبتيلا ) ومعنى الآية أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين ، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان ، دفعاً عن نفسه من غير أن يستحل دماً حراماً أو مالاً حراماً ، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين . والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل ، وسلامة النية . قال الله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ثم هذا رخصة ، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم ، وأنكر قوم التقية اليوم ، قال معاذ بن جبل ومجاهد : كانت التقية في جدة بالإسلام قبل استحكام الدين ، وقوة المسلمين . فأما اليوم ، فقد أعز الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم . وقال يحيى البكاء : قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج إن الحسن كان يقول : لكم تقية باللسان ، والقلب مطمئن بالإيمان ؟ فقال سعيد : ليس في الإسلام تقية إنما التقية في أهل الحرب .
قوله تعالى : { ويحذركم الله نفسه } أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار ، وارتكاب المنهي ، ومخالفة المأمور .
الأولى : قال ابن عباس : نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم أولياء ، ومثله " لا تتخذوا بطانة من دونكم " {[2991]} [ آل عمران 118 ] وهناك يأتي بيان هذا المعنى . ومعنى " فليس من الله في شيء " أي فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء ، مثل " واسأل القرية " {[2992]} [ يوسف : 82 ] . وحكى سيبويه " هو مني فرسخين " أي من أصحابي ومعي . ثم استثنى وهي :
الثانية : فقال : " إلا أن تتقوا منهم تقاة " قال معاذ بن جبل ومجاهد : كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين ، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم . قال ابن عباس : هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا يقتل ولا يأتي مأثما . وقال الحسن : التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ، ولا تقية في القتل . وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك : " إلا أن تتقوا منهم تقية " وقيل : إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم{[2993]} باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم . ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب{[2994]} إلى التلفظ بكلمة الكفر ، بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في " النحل " {[2995]} إن شاء الله تعالى . وأمال حمزة والكسائي " تقاة " ، وفخم الباقون ، وأصل " تقاة " وُقَيَة على وزن فعلة ، مثل تؤدة وتهمة ، قلبت الواو تاء والياء ألفا . وروى الضحاك عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا تقيا ، وكان له حلف من اليهود ، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة : يا نبي الله ، إن معي خمسمائة رجل من اليهود ، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو . فأنزل الله تعالى : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " الآية . وقيل : إنها نزلت في عمار بن ياسر حين تكلم ببعض ما أراد منه المشركون ، على ما يأتي بيانه في " النحل ] .
قوله تعالى : " ويحذركم الله نفسه " قال الزجاج : أي ويحذركم الله إياه . ثم استغنوا عن ذلك بذا وصار المستعمل ، قال تعالى : " تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك " {[2996]} [ المائدة : 116 ] فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك . وقال غيره : المعنى ويحذركم الله عقابه ، مثل " واسأل القرية " . وقال : " تعلم ما في نفسي " أي مغيبي ، فجعلت النفس في موضع الإضمار لأنه فيها يكون . " وإلى الله المصير " أي وإلى جزاء الله المصير . وفيه إقرار بالبعث .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.