محاسن التأويل للقاسمي - القاسمي  
{لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ} (28)

( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير28 ) .

( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ) جمع ولي ، ومعانيه كثيرة . منها المحب والصديق والنصير . قال الزمخشري : نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الاسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر . وقد كرر ذلك في القرآن : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) . ( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) . ( لا تجدون قوما يؤمنون بالله . . . ) الآية –والمحبة في الله ، والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الايمان . وقوله تعالى : ( من دون المؤمنين ) حال أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالا أو اشتراكا ، وفيه إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفر ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) أي ومن يوال الكفرة فليس من / ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية ، يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأسا . وهذا أمر معقول ، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان ، قال :

تود عدوي ثم تزعم أنني *** صديقك ليس النوك عنك بعازب

-أفاده الزمخشري- ( الا أن تتقوا منهم تقاة ) أي تخافوا منهم محذورا ، فأظهروا معهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه ، كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال : " إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم " . وأصل ( تقاة ) وقية ، ثم أبدلت الواو تاء ، كتخمة وتهمة وقلبت الياء ألفا . وفي

( المحكم ) : تقاة يجوز أن يكون مصدرا وأن يكون جمعا ، والمصدر أجود ، لأن في القراءة الأخرى : تقية .

تنبيه :

قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية الكريمة تحريم موالاة الكفار ، لأن الله تعالى نهى عنها بقوله : ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) ثم استثنى تعالى ( التقية ) فرخص في موالاتهم لأجلها . فتجوز معاشرة ظاهرة ، والقلب مطمئن بالعداوة لهم والبغضاء وانتظار زوال المانع . وقد قال الحاكم : في الآية دلالة على جواز إظهار تعظيم الظلمة ، اتقاء لشرهم . قال : وإنما يحسن بالمعاريض التي ليست بكذب . وقال الصادق : التقية واجبة ، وإني لأسمع الرجل في المسجد يشتمني فأستتر عنه بالسارية لئلا يراني . وعن الحسن : تقية باللسان ، والقلب مطمئن بالايمان .

/ واعلم أن الموالاة ، التي هي المباطنة والمشاورة وإفضاء الأسرار للكفار ، لا تجوز . فإن قيل : قد جوز كثير من العلماء نكاح الكافرة ، وفي ذلك من الخلطة والمباطنة بالمرأة ما ليس بخاف ، فجواب ذلك : أن المراد موالاتهم في أمر الدين ، وفيما فيه تعظيم لهم . فإن قيل في سبب نزول الآية أنه صلى الله عليه وسلم منع عبادة بن الصامت عن الاستعانة باليهود على قريش ، وقد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود على حرب قريش ، وفي هذا دلالة على جواز الاستعانة بهم ، وقد ذكر الراضي بالله أنه يجوز الاستعانة بالفساق على حرب المبطلين ، قال : وقد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود على حرب قريش وغيرها إلى أن نقضوه يوم الأحزاب . وحد صلى الله عليه وسلم الحلف بينه وبين خزاعة . قال الراضي بالله : وهو ظاهر عن آبائنا عليهم السلام ، وقد استعان علي عليه السلام بقتلة عثمان ، ولعل الجواب –والله أعلم- أن الاستعانة جائزة مع الحاجة إليها . ويحمل على هذا استعانة الرسول صلى الله عليه سلم لليهود . وممنوعة مع عدم الحاجة ، أو خشية مضرة منهم . وعليه يحمل حديث عبادة بن الصامت . فصارت الموالاة المحظورة تكون بالمعاداة بالقلب للمؤمنين والمودة للكفار على كفرهم ، ولا لبس في تحريم ذلك ، ولا يدخله استثناء . والموالاة بإظهار التعظيم وحسن المخاللة والمصادقة بإظهار الأسرار ونحو ذلك ، فلا لبس في تحريم ذلك ولا يدخله استثناء . والموالاة بإظهار التعظيم وحسن المخاللة والمشاورة فيما لا يضر المسلمين ، فظاهر كلام الزمخشري أنه لا يجوز إلا للتقية . فحصل من هذا أن الموالي للكافر والفاسق عاص ، ولكن أين تبلغ معصيته ؟ يحتاج إلى تفصيل : إن كانت الموالاة بمعنى الموادة ، وهي أن يوده لمعصيته كان ذلك كالرضا بالمعصية . وإن كانت الموالاة كفرا ، كفر . وإن كانت فسقا ، فسق . وإن كانت لا توجب كفرا ولا فسقا ، لم يكفر ولم يفسق . وإن كانت الموالاة بمعنى المحالفة والمناصرة ، فان كانت محالفة على أمر مباح أو واجب ، كأن يدفع المؤمنون عن أهل الذمة من يتعرض لهم ، ويخالفوهم على ذلك ، فهذا لا حرج فيه بل هو واجب . وإن كانت على أمر محظور كأن يحالفوهم على أخذ أموال المسلمين والتحكم عليهم ، فهذه معصية / بلا إشكال ، وكذلك إذا كانت بمعنى أنه يظهر سر المسلمين ويحب سلامة الكافرين لا لكفرهم بل ليد لهم عليه أو لقرابة أو نحو ذلك ، فهذا معصية بلا إشكال . لكن لا تبلغ حدها الكفر لأنه لم يُروَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم حاطب بن أبي بلتعة .

/ وقال الراضي بالله : إن مناصرة الكفار على المسلمين توجب الكفر . لأنه صلى الله عليه وسلم قال للعباس : " ظاهرك علينا " . وقد اعتذر بأنه خرج مكرها . وأما مجرد الإحسان إلى الكافر فجائز لا ليستعين به على المسلمين ، ولا لإيناسه . وكذلك أن يضيق لضيقه في قضية معينة لأمر مباح فجائز ، كما كان من ضيق المسلمين من غلب فارس الروم . فصار تحقيق المذهب أن الذي يوجب الكفر من الموالاة أن يحصل من الموالي الرضا بالكفر . والذي يوجب الفسق أن يحصل الرضا بالفسق . إن قيل : فما حكم من يجند مع الظلمة ليستعينوا به على الجبايات وأنواع الظلم ؟ قلنا ؟ عاص بلا إشكال ، وفاسق بلا إشكال لأنه صار من جملتهم . وفسقهم معلوم . فإن قيل : فإن تجند معهم لحرب إمام المسلمين ؟ قلنا : صار باغيا ، وحصل فسقه من جهة البغي والظلم . فإن قيل : حكي عن المهدي علي بن محمد عليه السلام أنه كفر من تجند مع سلطان اليمن وقضى بردته ، قلنا : هذا يحتاج إلى بيان وجه التكفير بدليل قطعي ، وإن ساغ أن نقول ذلك اصطلاح لأمر الإمام كما رد الهادي عليه السلام شهادة من امتنع من بيعة الإمام كان ذلك محتملا –انتهى كلامه رحمه الله .

ومن هذه الآية استنبط الأئمة مشروعية التقية عند الخوف ، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه ( إيثار الحق على الخلق ) فقال ما نصه : وزاد الحق غموضا وخفاء أمران :

أحدهما –خوف العارفين ، مع قلتهم ، من علماء السوء وسلاطين الجور ، وشياطين الخلق ، مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن وإجماع أهل الإسلام . وما زال الخوف مانعا من إظهار الحق ، ولا برح المحق عدوا لأكثر الخلق . وقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في ذلك العصر الأول : " حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته في الناس ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم " . وما زال الأمر في ذلك / يتفاحش . وقد صرح الغزالي بذلك في خطبة ( المقصد الأسني ) ولوح بمخالفته أصحابه فيها كما صرح بذلك في شرح ( الرحمان الرحيم ) فأثبت حكمة الله ورحمته ، وجود الكلام في ذلك ، وظن أنهم لا يفهمون المخالفة ، لأن شرح هذين الاسمين ليس موضع هذه المسألة ، ولذلك طوى ، وأضرب عنه في موضعه ، وهو اسم الضار كما يعرف ذلك أذكياء النظار .

وأشار إلى التقية الجويني في مقدمات ( البرهان ) في مسألة قدم القرآن . والرازي في كتابه المسمى ( بالأربعين في أصول الدين ) – إلى آخر ما ساقه المرتضى فانظره .

( ويحذركم الله نفسه ) أي ذاته المقدسة ، فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه ، وموالاة أعدائه ، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي النهي في القبح . وذكر النفس ، ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى ، فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة ( وإلى الله المصير ) أي المنقلب والمرجع ليجازي كل عامل بعمله .