أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو عمر بكر بن محمد المزني ، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد ، أنا الحسين بن الفضل البجلي ، أنا عفان ، أنا همام ، أنا قتادة عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله لا يظلم مؤمنا حسنةً ، يعطى بها في الدنيا ويجزي بها في الآخرة ) .
قال : وأما الكفار فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيراً .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أبو الطيب الربيع بن محمد بن أحمد بن حاتم البزار الطوسي ، أنا أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن يحيى حدثهم ، أخبرنا عبد الرزاق( ح ) وأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار ، أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا ، فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار ) . قال : يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ، ويصومون معنا ، ويحجون معنا ، فأدخلتهم النار ، قال : فيقول الله لهم : اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم ، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم ، لا تأكل النار صورهم ، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ، ومنهم من أخذته إلى كعبيه فيخرجونهم ، فيقولون : ربنا قد أخرجنا من أمرتنا ، قال : ثم يقول : أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان ، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار ، حتى يقول : من كان في قلبه مثقال ذرة من خير ، قال أبو سعيد رضي الله عنه : من لم يصدق هذا فليقرأ هذه الآية : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } قال : فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق في النار أحد فيه خير ، ثم يقول الله عز وجل : شفعت الملائكة ، وشفع النبيون ، وشفع المؤمنون ، وبقي أرحم الراحمين ، قال : فيقبض قبضة من النار ، -أو قال : قبضتين من النار- فيخرج منها قوما لم يعملوا لله خيراً قط قد احترقوا حتى صاروا حمماً ، فيؤتى بهم إلى ماء الحياة فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ، قال : فتخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ ، في أعناقهم الخاتم مكتوب فيه : هؤلاء عتقاء الله ، فيقال لهم : ادخلوا الجنة ، فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم ، قال : فيقولون : ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين ؟ قال : فيقول فإن عندي لكم أفضل منه ، فيقولون : ربنا وما أفضل من ذلك ؟ فيقول : رضاي عنكم ، فلا أسخط عليكم أبداً .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنا محمد بن أحمد بن الحارث ، أنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أنا عبد الله بن محمود ، أنا إبراهيم بن عبد الله بن الخلال ، أنا عبد الله بن المبارك ، عن ليث بن سعد حدثني عامر بن يحيى عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الجيلي قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلاً ، كل سجل مثل مد البصر ، ثم يقول الله : أتنكر من هذا شيئاً ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يا رب ، فيقول : ألك عذر أو حسنة ؟ فبهت الرجل ، قال : لا يا رب ، فيقول : بلى ، إن لك عندنا حسنة ، وإنه لا ظلم عليك اليوم ، فتخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فيقول : احضر وزنك ، فيقول : يا رب ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول : إنك لا تظلم ، قال : فتوضع السجلات في كفة ، والبطاقة في كفة ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ، قال : فلا يثقل مع اسم الله شيء .
وقال قوم : هذا في الخصوم . وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد : ألا من كان يطلب مظلمة فليجئ إلى حقه فليأخذه ، فيفرح المرء أن يذوب له الحق على والده ، أو ولده ، أو زوجته ، أو أخيه ، فيأخذ منه وإن كان صغيرا .
ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى : { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } ، ويؤتى بالعبد فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين : هذا فلان بن فلان فمن كان له عليه حق فليأت إلى حقه فيأخذه ، ويقال : آت هؤلاء حقوقهم ، فيقول : يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول الله عز وجل لملائكته : انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها ، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة : ربنا بقى له مثقال ذرة من حسنة ، فيقول : ضعفوها لعبدي وادخلوه بفضل رحمتي الجنة . ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة ، وإن تك حسنةً يضاعفها } .
وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة : إلهنا فنيت حسناته ، وبقي طالبون ، فيقول الله عز وجل : خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ، ثم صكوا له صكاً في النار .
فمعنى الآية على هذا التأويل ، إن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم بل يأخذ له منه ، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له ، بل يثيبه عليها ويضعفها له ، قوله تعالى : { وإن تك حسنةً يضاعفها } ، قرأ أهل الحجاز{ حسنة } بالرفع ، أي : وإن توجد حسنة ، وقرأ الآخرون بالنصب على معنى : وإن تك زنة الذرة حسنةً يضاعفها ، أي : يجعلها أضعافاً كثيرة .
قوله تعالى : { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } . قال أبو هريرة رضي الله عنه : إذا قال الله تعالى ( أجراً عظيماً ) فمن يقدر قدره ؟
قوله تعالى : " إن الله لا يظلم مثقال ذرة " أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها . والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا ، كما قال تعالى : " إن الله لا يظلم الناس شيئا " {[4408]} [ يونس : 44 ] . والذرة : النملة الحمراء ؛ عن ابن عباس وغيره ، وهي أصغر النمل . وعنه أيضا رأس النملة . وقال يزيد بن هارون : زعموا أن الذرة ليس لها وزن . ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر مقدار ما يستره ثم وزنه فلم يزد على وزن الخبز شيئا . قلت : والقرآن والسنة يدلان على أن للذرة وزنا ، كما أن للدينار ونصفه وزنا . والله أعلم . وقيل : الذرة الخردلة ؛ كما قال تعالى : " فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها " {[4409]} [ الأنبياء : 47 ] . وقيل غير هذا ، وهي في الجملة عبارة عن أقل الأشياء وأصغرها . وفي صحيح مسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها ) .
قوله تعالى : " وإن تكن حسنة يضاعفها ويؤت " أي يكثر ثوابها . وقرأ أهل الحجاز " حسنة " بالرفع ، والعامة بالنصب ؛ فعلى الأول " تك " بمعنى تحدث ، فهي تامة . وعلى الثاني هي الناقصة ، أي إن تك فعلته حسنة . وقرأ الحسن " نضاعفها " بنون العظمة . والباقون بالياء ، وهي أصح ؛ لقوله " ويؤت " . وقرأ أبو رجاء " يضعفها " ، والباقون " يضاعفها " وهما لغتان معناهما التكثير . وقال أبو عبيدة : " يضاعفها " معناه يجعله أضعافا كثيرة ، " ويضاعفها " بالتشديد يجعلها ضعفين . " من لدنه " من عنده . وفيه أربع لغات{[4410]} : لدن ولدن ولد ولدى ؛ فإذا أضافوه إلى أنفسهم سددوا النون ، ودخلت عليه " من " حيث كانت " من " الداخلة لابتداء الغاية و " لدن " كذلك ، فلما تشاكلا حسن دخول " من " عليها ؛ ولذلك قال سيبويه في لدن : إنه الموضع الذي هو أول الغاية . " أجرا عظيما " يعني الجنة . وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري الطويل - حديث الشفاعة - وفيه : ( حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم : أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون : ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول جل وعز : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها خيرا ) . وكان أبو سعيد الخدري يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما " وذكر الحديث . وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف وينادي مناد على رؤوس الخلائق هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقول : آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من أين لي وقد ذهبت الدنيا عني ؟ فيقول الله تعالى للملائكة انظروا إلى أعماله الصالحة فأعطوهم منها ، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة : يا رب - وهو أعلم بذلك منهم - قد أعطي لكل ذي حق حقه وبقي مثقال ذرة من حسنة فيقول الله تعالى للملائكة : ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة . ومصداقه " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها " - وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة : إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته وبقي طالبون كثير فيقول تعالى خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار ) . فالآية على هذا التأويل في الخصوم ، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم يأخذ له منه ، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له ، فذلك قوله تعالى : " وإن تك حسنة يضاعفها " . وروى أبو هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله سبحانه يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة ) وتلا " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما " . قال عبيدة : قال أبو هريرة : وإذا قال الله " أجرا عظيما " فمن الذي يقدر قدره ! وقد تقدم عن ابن عباس وابن مسعود : أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه الشمس .