أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ} (27)

{ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا } لا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة . { وما نراك اتّبعك إلا الذين هم أراذُلنا } أخساؤنا جمع أرذل فإنه بالغلبة صار مثل الاسم كالأكبر ، أو أرذل جمع رذل . { بادي الرأي } ظاهر الرأي من غير تعمق من البدو ، أو أول الرأي من البدء ، والباء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها . وقرأ أبو عمرو بالهمزة وانتصابه بالظرف على حذف المضاف أي : وقت حدوث بادي الرأي ، والعامل فيه { اتبعك } . وإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الأحظ بها أشرف عندهم والمحروم منها أرذل . { وما نرى لكم } لك ولمتبعيك . { علينا من فضل } يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة . { بل نظنّكم كاذبين } إياي في دعوى النبوة إياهم في دعوى العلم بصدقك فغلب المخاطب على الغائبين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ} (27)

{ فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } أي الإشراف منهم وهو كما قال غير واحد من قولهم : فلان مليء بكذا إذا كان قادراً عليه لأنهم ملئوا بكفاية الأمور وتدبيرها ، أو لأنهم متمالئون أن متظاهرون متعاونون ، أو لأنهم يملأون القلوب جلالا . والعيون جمالا . والأكف نوالاً ، أو لأنهم مملؤون بالآراء الصائبة والأحلام الراجحة على أنه من الملأ لازماً ، ومتعدياً ووصفهم بالكفر لذمهم والتسجيل عليهم بذلك من أول الأمر لا لأن بعض أشرافهم ليسوا بكفرة .

{ مَا * نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } أرادوا ما أنت إلا بشر مثلنا ليس فيك مزية تخصك من بيننا بالنبوة ولو كان ذلك لرأيناه لا أن ذلك محتمل لكن لا نراه ، وكذا الحال في { وَمَا * نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى } فالفعلان من رؤية العين وبشراً . واتبعك حالان من المفعول بتقدير قد في الثاني أو بدونه على الخلاف ؛ ويجوز أن يكونا من رؤية القلب وهو الظاهر فهما حينئذ المفعول الثاني ، وتعلق الرأي في الأول بالمثلية لا البشرية فقط ، ويفهم من الكشاف أن في الآية وجهين : الأول أنهم أرادوا التعريض بأنهم أحق بالنبوة كأنهم قالوا : هب أنك مثلنا في الفضيلة والمزية من كثرة المال والجاه فلم اختصصت بالنبوة من دوننا ، والثاني أنهم أرادوا أنه ينبغي أن يكون ملكاً لا بشراً ، وتعقب هذا بأن فيه اعتزالاً خفياً ، وقد بينه العلامة الطيبي ، ونوزع في ذلك ففي الكشف أن قولهم { مّثْلُنَا } علية لتحقيق البشرية ، وقولهم { وَمَا نَرَاكَ اتبعك } الخ استدلال بأنهم ضعفاء العقول لا تمييز لهم ، فجوّزوا أن يكون الرسول بشراً وقولهم الآتي { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } تسجيل بأن دعوى النبوة باطلة لإدخاله عليه السلام والأراذل في سلك على أسلوب يدل أنهم أنقص البشر فضلاً عن الارتقاء ، وليسس في هذا الكلام اعتزال خفي ولا المقام عنه أبى انتهى .

وفي الانتصاف يجوز أن يكونوا قد أرادوا الوجهين جميعاً كأنهم قالوا : من حق الرسول أن يكون ملكاً لا بشراً وأنت بشر ، وإن جاز أن يكون الرسول بشراً فنحن أحق منك بالرسالة ، ويشهد لإرادتهم الأول قوله في الجواب { وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } [ هود : 31 ] ويشهد لأرادتهم القانية { وَمَا نرى لَكُمْ } الخ ، والظاهر أن مقصودهم ليس إلا إثبات أنه عليه السلام مثلهم وليس فيه مزية يترتب عليها النبوة ووجوب الإطاعة والاتباع ، ولعل قولهم { وَمَا نَرَاكَ اتبعك } الخ جاب عما يرد عليهم من أنه عليه السلام ليس مثلهم حيث اتبعه من وفق لاتباعه ، فكأنهم قالوا : إنه لم يميزك اتباع من اتبعك فيوجب علينا اتباعك لأنه لم يتبعك { إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } أي أخساؤنا وأدانينا ، وهو جمع أرذل والأغلب الاقيس في مثله إذا أريد جمعه أن يجمع جمع سلامة كالأخسرون جمع أخسر لكنه كسر هنا لأنه صار بالغلبة جاريا مجرى الاسم ، ولذا جعل في القاموس الرذل والأرذل بمعنى وهو الخسيس الدنيء ، ومعنى جريانه مجرى الاسم أنه لا يكاد يذكر الموصوف معه كالأبطح والأبرق .

وجوز أن يكون جمع أرذل جمع رذل فهو جمع الجمع ونظير ذلك أكالب . وأكلب . وكلب وكونه جمع رذل مخالف للقياس وإنما لم يقولوا : إلا أراذبنا مبالغة في استرذالهم وكأنهم إنما استرطلوهم لفقرهم لأنهم لما لم يعلموا إلا ظاهراً من الحياة الدنيا كان الأشرف عندهم الأكير منها حظاً والأرذل من حرمها ولم يفقهوا أن الدنيا بحذافيرها لا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة وأن النعيم إنما هو نعيم الآخرة . والأشرف من فاز به والأرذل من حرمه ، ومثل هؤلاء في الجهل كثير من أهل هذا الزمان عافانا الله سبحانه مما هم فيه من الخذلان والحرمان وكان القوم على ما في بعض الأخبار حاكة وأساكفة وحجامين وأرادوا بقولهم { بَادِىَ الرأى } ظاهره وهو ما يكون من غير تعمق ، والرأي من رؤية الفكر والتأمل ، وقيل : من رؤية العين وليس بذاك .

وجوز أن يكون البادي بمعنى الأول ، وهو على الأول من البدو ، وعلى الثاني من البدء ، والياء مبدلة . من الهمزة لانكسار ما قبلها وقد قرأ أبو عمرو . وعيسى الثقفي بها ، وانتصابه على القراءتين على الظرفية لاتبعك على معنى اتبعوك في ظاهر رأيهم أو أوله . ولم يتأملوا . ولم يتثبتوا ولو فعلو ذلك لم يتبعوك وغرضهم من هذا المبالغة في عدم اعتبار ذلك الاتباع وجعل ذلك بعضهم علة الاسترذال وليس بشيء ، وقيل : المعنى إنهم اتبعوك في أول رأيهم أو ظاهرة وليسوا معك في الباطن .

واستشكل هذا التعلق بأن ما قبل { إِلا } لا يعمل فيما بعدها إلا إذا كان مستنثى منه نحو ما قام إلا زيداً القوم أو مستثنى نحو جاء القوم إلا زيداً أو تابعاً للمستنثى منه نحو ما جاءني أحد إلا زيداً خير من عمرو ، و { بَادِىَ الرأى } ليس واحداً من هذه الثلاثة في بادي الرأي ؛ وأجيب بأنه يغافر ذلك في الظرف لأنه يتسع فيه ما لا يتسع في غيره ، واستشكل أمر الظرفية بأن فاعلاً ليس بظرف في الأصل ، وقال مكي : إنما جاز في فاعل أن يكون ظرفاً كما جاز في فعيل كقريب ، ومليء لإضافته إلى الرأي وهو كثيراً ما يضاف إلى المصدر الذي يجوز نصبه على الظرفية نحو جهد رأييأنك منطلق .

وقال الزمخشري : وتابعه غيره أن الأصل وقت حدوث أول أمرهم أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه ، ولعل تقدير الوقت ليكون نائباً عن الظرف فينتصب على الظرفية ، واعتبار الحدوث بناءاً على أن اسم الفاعل لا ينوب عن الظرف وينتصب والمصدر ينوب عنه كثيراً فأشاروا بذكره إلى أنه متضمن معنى الحدوث بمعنييه فلذا جاز فيه ذلك ، وليس مرادهم أنه محذوف إذ لا داعي لذلك في المعنى على التفسيرين ، وما ذكروه هنا من أن الصفات لا ينوب منها عن الظرف إلا فعيل من الفوائد الغريبة كما قال الشهاب لكن استدركه باملنع لأن فاعلا وقع ظرفاً كثيراً كفعيل ، وذلك مثل خارج الدار .

وباطن الأمر . وظاهره ، وغير ذلك مما هو كثير في كلامهم ، وقيل : هو ظرف لنراك أي ما نراك في أول رأينا أو فيما يظهر منه ، وقيل : لاراذلنا أي أنهم أراذل في أول النظر أو ظاهره لأن رذالتهم مكشوفة لا تحتاج إلى تأمل .

وقيل : هو نعت لبشراً وقيل : منصوب على أنه حال من ضمير نوح في { اتبعك } أي وأنت مكشوف الرأي لا حصافة فيك ، وقيل : انتصب على النداء لنوح عليه السلام أي يا بادي الرأي أي ما في نفسك من الرأي ظاهر لكل أحد ، وقيل : هو مصدر على فاعل منصوب على المفعولية المطلقة والعامل فيه ما تقدم على تقدير الظرفية .

{ وَمَا نرى لَكُمْ } خطاب له عليه السلام ولمتبعيه جميعاً على سبيل التغليب أي وما نرى لك ولمتبعيك . { عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } أي زيادة تؤهلكم لاتباعنا لكم ، وعن ابن عباس تفسير ذلك بالزيادة في الخلق والخلق ، وعن بعضهم تفسيره بكثرة الملك والملك ، ولعل ما ذكرناه أولى ، وكأنّ مرادهم نفي رأية { فَضلَ } بعد الاتباع أي ما نرى فيك وفيهم بعد الاتباع فضيلة علينا لنتبع وإلا فهم قد نفوا أولاً أفضليته عليه السلام في قولهم { لايستوي القاعدون من المؤمنين غَيْرُ أُوْلِى الضرر والمجاهدون في سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ } لهم علهم ، وقيل : إن هذا تأكيد لما فهم أولاً ، وقيل : الخطاب لأتباعه عليه السلام فقط فيكون التفاتاً أي ما نرى لكم علينا شرف في تلك التبعية لنوافقكم فيها ، وحمل الفضل على التفضل والإحسان في احتمالي الخطاب على أن يكون مراد امللأ من جوابهم له عليه السلام حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه أنا لانتبعك ولا نترك ما نحن عليه لقولك لأنك بشر مثلنا ليس فيك ما يستدعي نبوتك وكونك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا بذلك وأتباعك أراذل اتبعوك من غير تأمل وتثبت فلا يدل اتباعهم على أن فيك ما يستدعي ذلك وخفي عنا ، وأيضاً لست ذا تفضل علينا ليكون تفضلك داعياً لنا لموافقتك كيفما كنت ولا أتباعك ذوو تفضل علينا لنوافقهم وإن كانوا أراذل مراعاة لحق التفضل ، فإن الإنسان قد يوافق الرذيل لتفضله ولا يبالي بكونه رذيلاً لذلك مما يدور في الخلد إلا أن في القلب منه شيئاً { بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين } جميعاً لكون كلامكم واحداً ودعوتكم واحدة أو إياك في دعوى النبوة وإياهم في تصديقك ، قيل : واقتصروا على الظن احترازاً منهم عن نسبتهم إلى المجازفة كما أنهم عبروا بما عبروا أولاً لذلك مع التعريض من أول الأمر برأي المتبعين ومجاراة معه عليه السلام بطريق الآراء على نهج الانصاف .

( ومن باب الإشارة ) : { فَقَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } أي الأشراف المليؤون بأمور الدنيا الذي حجبوا بما هم فيه عن الحق { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } لكونهم واقفين عند حد العقل المشوب بالوهم فلا يرون لأحد طوراً وراء ما بلغوا إليه ولم يشعروا بمقام النبوة ومعناها { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى } وصفوهم بذلك لفقرهم حيث كانوا لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ولم يعلموا أن الشرف بالكمال لا بالمال .

{ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } وتقدم يؤهلكم لما تدعونه { بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين }

[ هود : 27 ] فلا نبوة لك ولا علم لهم

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ} (27)

{ 27 } { فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } أي : الأشراف والرؤساء ، رادين لدعوة نوح عليه السلام ، كما جرت العادة لأمثالهم ، أنهم أول من رد دعوة المرسلين .

{ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا } وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه ، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب ، الذي لا ينبغي غيره ، لأن البشر يتمكن البشر ، أن يتلقوا عنه ، ويراجعوه في كل أمر ، بخلاف الملائكة .

{ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } أي : ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة ، بزعمهم .

وهم في الحقيقة الأشراف ، وأهل العقول ، الذين انقادوا للحق ولم يكونوا كالأراذل ، الذين يقال لهم الملأ ، الذين اتبعوا كل شيطان مريد ، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر ، يتقربون إليها ويسجدون لها ، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس ؟ .

وقولهم : { بَادِيَ الرَّأْيِ } أي : إنما اتبعوك من غير تفكر وروية ، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك ، يعنون بذلك ، أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم ، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول ، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب ، يعرفونه ويتحققونه ، لا كالأمور الخفية ، التي تحتاج إلى تأمل ، وفكر طويل .

{ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ } أي : لستم أفضل منا فننقاد لكم ، { بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } وكذبوا في قولهم هذا ، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح ، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ} (27)

ثم حكى - سبحانه - ما رد به قوم نوح عليه فقال : { فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرأي وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } .

والمراد بالملأ : أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح . وهذا اللفظ اسم جميع لا واحد له من لفظه كرهط وهو - كما يقول الآلوسى - : مأخوذ من قولهم فلان ملئ بكذا : إذا كان قادرا عليه . . . أو لأنهم متمالئون أى متظاهرون متعاونون ، أو لأنهم يملأون القلوب والعيون . . .

ووصفهم بالكفر ، لتسجيل ذلك عليهم من أول الأمر زيادة فى ذمهم .

أى : بعد هذا النصح الحكيم الذى وجهه نوح - عليه السلام - لقومه ، رد عليه أغنياؤهم وسادتهم بقولهم { مَا نَرَاكَ } يا نوح إلا بشر مثلنا ، أى : إلا إنسانا مثلنا ، ليست فيك مزية تجعلك مختصا بالنبوة دوننا . . .

فهم - لجهلهم وغبائهم - توهموا أن النبوة لا تجامع البشرية ، مع أن الحكمة تقتضى أن يكون الرسول بشرا من جنس المرسل إليهم ، حتى تتم فائدة التفاهم معه ، والاقتداء به فى أخلاقه وسلوكه .

وقد حكى القرآن قولهم هذا فى أكثر من موضع ، ومن ذلك قوله - تعالى - { وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحياة الدنيا مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ . وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ . . . } ثم إنهم فى التعليل لعدم اتباع نبيهم لم يكتفوا بقولهم ما نراك إلا بشر مثلنا : بل أضافوا إلى ذلك قولهم : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرأي } ومرادهم بقولهم : { أَرَاذِلُنَا } أى فقراؤنا ومن لا وزن لهم فينا .

قال الجمل : ولفظ { أَرَاذِلُنَا } فيه وجهان : أحدهما أنه جميع الجمع فهو جمع أرذل - بضم الذال - جمع رذل - بسكونها - نحو كلب وأكلب وأكالب . . .

ثانهيما : أنه جمع مفرد وهو أرذل كأكبر وأكابر . . والأرذل هو المغروب عنه لرداءته .

ومرادهم بقولهم : { بَادِيَ الرأي } أى : أوله من البدء . يقال : بدأ يبدأ إذا فعل الشئ أولا وعليه تكون الياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها ويؤيده قراءة أبى عمرو " بادئ الرأى " .

أى : وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أقلنا شأنا وأحقرنا حالا من غير أن يثبتوا من حقيقة أمرك ، ولو تثبتوا وتفكروا ما اتبعوك ويصح أن يكون مرادهم بقولهم { بَادِيَ الرأي } أى اتبعوك ظاهرا لا باطنا ، ويكون لفظ { بادى } من البدو بمعنى الظهور . يقال : بدا الشئ يبدو بدواً وبُدوءاً وبداء أى ظهور وعليه يكون المعنى : وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أهوننا أمرا ، ومع ذلك فإن اتباعهم لك إنما هو فى ظاهر أمرهم ، أما بواطنهم فهى تدين بعقيدتنا .

وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - { قالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون } قال صاحب الكشاف : وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم فى الأسباب الدنيوية لأنهم أى الملأ من قوم نوح - كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمين بالإِسلام ، يعقتدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ، ولقد زال عنهم أن التقدم فى الدنيا - مع ترك الآخرة - لا يقرب أحدامن الله وإنما يبعده ، ولا يرفعه بل يضعه ، فضلا عن أن يجعله سببا فى الاختيار للنبوة والتأهيل لها . . .

ثم أضافوا إلى مزاعمهم السابقة زعما جديدا فقالوا : { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } .

والفضل : الزيادة فى الشرف والغنى وغيرهما مما يتميز به الإنسان عن غيره .

والمراد هنا : آثاره التي تدل عليه .

أى : أنت يا نوح ليست إلا بشرا مثلنا ، وأتباعك هم أحقرنا شأنا ، وما نرى لك ولمتبعيك شيئا من الزيادة علينا لا فى العقل ولا فى غيره ، بل إننا لنعتقد أنكم كاذبون فى دعواكم أنكم على الحق ، لأن الحق فى نظرنا هو فى عبادة هذه الأصنام التى عبدها من قبلنا آباؤنا .

وهكذا نرى أن الملأ من قوم نوح - عليه السلام - قد عللوا كفرهم بما جاءهم به بثلاث علل ، أولها : أنه بشر مثلهم وثانيها : أن أتباعه من فقرائهم وثالثها : أنه لا مزية له ولأتباعه عليهم . .

وهى كلها علل باطلة ، تدل على جهلهم ، وانطماس بصيرتهم ، ويدل على ذلك ، رد نوح - عليه السلام - الذى حكاه القرآن فى قوله - تعالى - :

{ قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ . . . } .