نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ} (27)

ثم{[39118]} ساق سبحانه جواب قومه على وجه هو في غاية التسلية والمناسبة للسياق بقوله : { فقال } أي فتسبب عن هذا النصح العظيم أن قال ؛ {[39119]}ولما{[39120]} كان هذا بعد أن تبعه بعضهم قال : { الملأ } وبين أن الجدال مع الضلال {[39121]}بعد أن بين{[39122]} أنهم هم الأشراف زيادة في التسلية بقوله : { الذين كفروا } وبين أنهم أقارب أعزة بقوله : { من قومه } أي الذين هم في غاية القوة لما يريدون محاولة القيام به { ما نراك } أي شيئاً من الأشياء { إلا بشراً } أي آدمياً { مثلنا } أي في مطلق البشرية ، لست بملك تصلح {[39123]}لما لا تصلح{[39124]} له من الرسالة ، وهذا قول البراهمة ، وهو منع نبوة البشر على الإطلاق ، وهو قول من يحسد على فضل الله ويعمى عن جلي حكمته فيمنع أن يكون النبي بشراً ويجعل الإله حجراً .

ولما كانت العظمة عندهم منحصرة{[39125]} في عظمة الأتباع قالوا : { وما نراك } ولما انفوا الرؤية عنه فتشوف السامع إلى ما يقع عليه من المعاني ، بينوا أن مرادهم رؤية من اتبعه فقالوا : { اتبعك } أي تكلف اتباعك { إلا الذين هم } أي خاصة { أراذلنا } أي كالحائك ونحوه ، وليس منا رذل{[39126]} غيرهم ، وهو جمع أرذل {[39127]}كأكلب جمع رذل{[39128]} ككلب ، والرذل : الخسيس الدنيء ، وهذا ينتج أنه لم يتبعك أحد له قدر ؛ قالوا : و { اتبعك } عامل في قوله : { بادي الرأي } وهو ظرف أي اتبعوك بديهة من غير تأمل ، فاتباعهم لا يدل على سداد لما اتبعوه من وجهين : رذالتهم في أنفسهم ، وأنهم لم يفكروا{[39129]} فيه ، لكن يضعفه إيراد الاتباع بصيغة الافتعال التي تدل على علاج ومجاذبة ، فالأحسن إسناده - كما قالوه{[39130]} أيضاً - إلى أراذل . أي أنهم بحيث لا يتوقف ناظرهم عند أول وقوع بصره عليهم أنهم سفلة أسقاط ، ويجوز أن يكون المراد " بادي رأيك " أي{[39131]} أنك تظن أنهم اتبعوك ، ولم يتبعوك .

ولما كانوا لا يعظمون إلا بالتوسع في الدنيا ، قالوا : { وما نرى لكم } أي لك ولمن تبعك { علينا } وأغرقوا في النفي بقولهم{[39132]} : { من فضل } أي شرف ولا مال ، وهذا - مع مامضى من قولهم - قول من يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق ، وذلك أنه يستدل على كون الشيء حقاً بعظمة متبعه في الدنيا ، وعلى كونه باطلاً بحقارته فيها ، ومجموع قولهم يدل على أنهم يريدون : لو صح كون النبوة في البشر لكانت{[39133]} في واحد ممن أقروا له بالعلو في الأرض ، وعمل { اتبعك } في { بادي{[39134]} } يمنعه تمادي الاتباع على الإيمان ، فانتفى الطعن بعدم التأمل { بل نظنكم كاذبين* } أي لكم هذا الوصف لازماً دائماً لأنكم لم تتصفوا بما جعلناه مظنة الاتباع مما يوجب العظمة في القلوب والانقياد للنفوس بالتقدم في الدنيا بالمال والجاه ؛ فكان {[39135]}داؤهم بطر{[39136]}

الحق وغمط{[39137]} الناس ، وهو احتقارهم ، {[39138]}وهذا{[39139]} قد سرى إلى أكثر{[39140]} أهل الإسلام ، فصاروا لا يعظمون إلا بذلك ، وهو أجهل الجهل لأن الرسل أتت{[39141]} للتزهيد في الدنيا وانظر إلى رضاهم لأنفسهم بالعدول عن البينة إلى اتباع الظن ما أردأه ! وهذا أفظع مما حكى هنا من قوله قريش { لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك{[39142]} } وأبشع ؛ والبشر : الإنسان لظهور بشرته أي ظاهر جلده لأن الغالب على غيره من الحيوان سترها{[39143]} بالصوف أو الشعر أو الوبر أو الريش ؛ والمثل : الساد مسد غيره في الحس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهدة لسد مسده ؛ {[39144]}والرذل : الحقير بما عليه من صفات النقص وجمعه{[39145]} ؛ والفضل : الزيادة من الخير ، والإفضال : مضاعفة الخير{[39146]} التي توجب الشكر


[39118]:سقط من ظ.
[39119]:من ظ، وفي الأصل: مرلا ـ كذا.
[39120]:من ظ، وفي الأصل: مرلا ـ كذا.
[39121]:من ظ، وفي الأصل: بقوله يعني.
[39122]:من ظ، وفي الأصل: بقوله يعني.
[39123]:في الأصل: لا تصلح، وفي ظ: يصلح ـ كذا.
[39124]:في الأصل: لا تصلح، وفي ظ: يصلح ـ كذا.
[39125]:من ظ، وفي الأصل: منحرة.
[39126]:من ظ، وفي الأصل: ـ كذا.
[39127]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[39128]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[39129]:في ظ: لم يكفروا.
[39130]:في ظ: قالوا.
[39131]:من ظ، وفي الأصل: أن.
[39132]:في ظ: بقوله.
[39133]:من ظ، وفي الأصل: لكان.
[39134]:من ظ، وفي الأصل: دل.
[39135]:من ظ، وفي الأصل: دلهم ينظر.
[39136]:من ظ، وفي الأصل: دلهم ينظر.
[39137]:من ظ، وفي الأصل: غيظ.
[39138]:تأخر في الأصل عن "بذلك وهو" والترتيب من ظ.
[39139]:تأخر في الأصل عن "بذلك وهو" والترتيب من ظ.
[39140]:من ظ، وفي الأصل:
[39141]:في ظ: أتوا.
[39142]:آية 12.
[39143]:من ظ، وفي الأصل: بشرها.
[39144]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[39145]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[39146]:زيد بعده في ظ: الإفضال.