{ ولئن أخّرنا عنهم العذاب } الموعود . { إلى أمّة معدودة } إلى جماعة من الأوقات قليلة . { ليقولنّ } استهزاء . { ما يحبسه } ما يمنعه من الوقوع . { ألا يوم يأتيهم } كيوم بدر . { ليس مصروفا عنهم } ليس العذاب مدفوعا عنهم ، و{ يوم } منصوب بخير { ليس } مقدم عليه وهو دليل على جواز تقديم خبرها عليها . { وحاق بهم } وأحاط بهم وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التهديد . { ما كانوا به يستهزئون } أي العذاب الذي كانوا به يستعجلون ، فوضع { يستهزئون } موضع يستعجلون لأن استعجالهم كان استهزاء .
{ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب } أي المترتب على بعثهم أو الموعود بقوله سبحانه : { وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } [ هود : 3 ] وقيل : عذاب يوم بدر ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قتل جبريل عليه السلام المستهزئين وهم خمسة نفر أهلكوا قبل بدر ، والظاهر أن المراد العذاب الشامل للكفرة ، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن قتادة قال : لما نزل { اقترب لِلنَّاسِ حسابهم } [ الأنبياء : 1 ] قال ناس : إن الساعة قد اقتربت فتناهوا فتناهى القوم قليلاً ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء فأنزل الله سبحانه { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } [ النحل : 1 ] فقال أناس من أهل الضلالة : هذا أمر الله تعالى قد أتى فتناهى القوم ثم عادوا إلى عكرهم عكر السوء فأنزل الله تعالى هذه الآية { إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } أي طائفة من الأيام قليلة لأن ما يحصره العد قليل .
وقيل : المراد من الأمة الجماعة من الناس أي ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى جماعة يتعارفون ولا يكون فيهم مؤمن ؛ ونقل هذا عن علي بن عيسى ، وعن الجبائي أن المعنى إلى أمة بعد هؤلاء نكلفهم فيعصون فتقتضى الحكمة إهلاكهم وإقامة القيامة ، وروى الإمامية وهم بيت الكذب عن أبي جعفر . وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالأمة المعدودة أصحاب المهدي في آخر الزمان وهم ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدة أهل بدر { لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ } أي أيّ شيء يمنعه من المجيء فكأنه يريده ويمنعه مانع ، وكانوا يقولون ذلك بطريق الاستعجال وهو كناية عن الاستهزاء والتكذيب لأنهم لو صدقوا به لم يستعجلوه وليس غرضهم الاعتراف بمجيئه والاستفسار عن جابسه كما يرشد إليه ما بعد .
{ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ } ذلك العذاب الأخروي أو الدنيوي { لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ } أي أنه لا يرفعه رافع أبداً ، أو لا يدفعه عنهم دافع بل هو واقع بهم ، والظاهر أن { يَوْمٍ } منصوب بمصروفا الواقع خبر ليس ، واستدل بذلك جمهور البصريين على جواز تقديم خبرها عليها كما يجوز تقديمه على اسمها بلا خلاف معتدّ به لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل بطريق الأولى وءلا لزم مزية الفرع على أصله ، وذهب الكوفيون . والمبرد إلى عدم الجواز وادعوا أن الآية لا تصلح حجة لأن القاعدة المشار إليها غير مطردة ألا ترى قوله سبحانه : { فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ } [ الضحى : 9 ] كيف تقدم معمول الفعل مع امتناع تقديمه لأن الفعل لا يلي أما ، وجاء عن الحجازيين أنهم يقولون ما اليوم زيد ذاهباً مع أنه لا يجوز تقديم خبر ما اتفاقاً ، وأيضاً المعمول فيها ظرف والأمر فيه مبني على التسامح مع أنه قيل : إنه متعلق بفعل محذوف دل عليه ما بعده ، والتقدير ألا يصرف عنهم العذاب أو يلازمهم يوم يأتيهم ، ومنهم من جعله متعلقاً بيخافون محذوفاً أي ألا يخافون يوم الخ ، وقيل : هو مبتدأ لا متعلق بمصروفاً ولا بمحذوف ، وبني على الفتح لإضافته للجملة ، ونظير ذلك قوله سبحانه :
{ هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين } [ المائدة : 119 ] على قراءة الفتح ، وأنت تعلم أن في بناء الظرف المضاف لجملة صدرها مضارع معرف خلافاً بين النحاة ، وأن الظاهر تعلقه بمصروفا نعم عدم صلاحية الآية للاحتجاج مما لا ريب فيه ، وفي البحر قد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر ليس عليها ولا بتقديم معموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية الكريمة ، وقول الشاعر
: فيأبى فما يزداد إلى لجاجة *** وكنت أبياً في الخنى لست أقدم
وَحَاقَ بِهِم } أي نزل وأحاط ، وأصله حق فهو كزل وزال . وذم وذام والمراد يحيق بهم .
{ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } إلا أنه عبر بالماضي لتحقق الوقوع ، والمراد بالموصول العذاب وعبر به عنه تهويلاً لمكانه ، وإشعاراً بعلية ما ورد في حيز الصلة من استهزائهم به لنزوله وإحاطته ووضع الاستهزاء موضع الاستعجال لأنه كان استهزاءاً .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك لونا من ألوان غرور المشركين ، كما بين أحوال بعض الناس فى حالتى السراء والضراء فقال - تعالى - :
{ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب . . . }
قال القرطبي ما ملخصه : الأمة : اسم مشترك يقال على ثمانية أوجه : فالأمة تكون الجماعة ، كقوله - تعالى - : { وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس . . } والأمة : أيضا أتباع الأنبياء عليهم السلام ، والأمة : الرجل الجامع للخير الذى يقتدى به ، كقوله - تعالى - { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً } والأمة : الدين والملة ، كقوله - تعالى - : { إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ } والأمة : الحين والزمان كقوله - تعالى - : { وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } والأمة : القامة وهو طول الإِنسان وارتفاعه ، يقال من ذلك : فلان حسن الأمة ، أى القامة ، والأمة : الرجل المنفرد بدينه وحده ، لا يشركه فيه أحد . قال - صلى الله عليه وسلم - " يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده " والأمة : الأم . يقال : " هذه أمة زيد ، أى أم زيد . . . " والمراد بالأمة هنا : الحين والزمان والمدة .
والمعنى : ولئن أخرنا - بفضلنا وكرمنا - عن هؤلاء المشركين " العذاب " المقتضى لجحودهم لآياتنا ، وتكذيبهم لرسلنا " إلى أمة معدودة " أى : إلى وقت ومعين من الزمان على حساب إرادتنا وحكمتنا : " ليقولن " على سبيل التهكم والاستهزاء ، واستعجال العذاب ، " ما يحبسه " أى : ما الذى جعل هذا العذاب الذى حذرنا منه محمد - صلى لله عليه وسلم - محبوسا عنا ، وغير نازل بنا . .
ولا شك أن قولهم هذا ، يدل على بلوغهم أقصى درجات الجهالة والطغيان ، حيث قابلوا رحمة الله - تعالى - المتمثلة هنا فى تأخير العذاب عنهم ، بالاستهزاء والاستعجال ، ولذا رد الله - تعالى - المتمثلة هنا فى تأخير العذاب عنهم ، بالاستهزاء والاستعجال ، ولذارد الله - تعالى - عليهم بقوله : { أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } أى : ألا إن ذلك العذاب الذى استعجلوه واستخفوا به ، يوم ينزل بهم ، لن يصرفه عنهم صارف ، ولن يدفعه عنهم دافع ، بل سيحيط بهم من كل جانب ، بسبب استهزائهم به وإعراضهم عمن حذرهم منه .
واللام فى قوله { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب } موظئة للقسم ، وجواب القسم قوله " ليقولن ما يحبسه " .
والأقرب إلى سياق الآية أن يكون المراد بالعذاب هنا : عذاب الاستئصال الدنيوى ، إذ هو الذى استعجلوا نزوله ، أما عذاب الآخرة فقد كانوا منكرين له أصلا ، كما حكى عنهم - سبحانه - فى الآية السابقة فى قوله : { وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } قال الآلوسى : والظاهر بأن المراد العذاب الشامل للكفرة ، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن المنذر وابن أبى حاتم عن قتادة قال : لما نزل { اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ } قال ناس : إن الساعة قد اقتربت فتناهوا ، فتناهى القوم قليلا ، ثم عادوا إل أعمالهم السوء : فأنزل الله - تعالى -
{ أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } فقال أناس من أهل الضلالة : هذا أمر الله - تعالى - قد أتى ، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء ، فأنزل الله هذه الآية .
وفى قوله - سبحانه - { إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } إيماء إلى أن تأخير العذاب عنهم ليس لمدة طويلة ، لأن ما يحصره العد : جرت العادة فى أساليب العرب أن يكون قليلا ، ويؤيد ذلك أنه بعد فترة قليلة من الزمان نزل بهم فى غزوة بدر القتل الذى أهلك صناديهم ، والأسر الذى أذل كبرياءهم .
وافتتحت جملة { أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ } بأداة الاستفتاح { ألا } للاهتمام بمضون الخبر ، وللإِشارة إلى تحقيقه ، وإدخال الروع فى قلوبهم .
وعبر بالماضى { حاق } مع أنه لم ينزل بهم بعد ، للإِشارة ، إلى أنه آت لا ريب فيه ، عندما يأذن الله - تعالى - بذلك .