{ قل أي شيء أكبر شهادة } نزلت حين قالت قريش : يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى ، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله . والشيء يقع على كل موجود ، وقد سبق القول فيه في سورة " البقرة " . { قل الله } أي الله أكبر شهادة ثم ابتدأ { شهيد بيني وبينكم } أي هو شهيد بيني وبينكم ، ويجوز أن يكون الله شهيد هو الجواب لأنه سبحانه وتعالى إذا كان الشهيد كان أكبر شيء شهادة . { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به } أي بالقرآن ، واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة . { ومن بلغ } عطف على ضمير المخاطبين ، أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر ، أو من الثقلين ، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن بلغه إلى يوم القيامة ، وفيه دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم ، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه . { أئنكم لتشهدون مع الله آلهة أخرى } تقرير لهم مع إنكار واستبعاد . { قل لا أشهد } بما تشهدون . { قل إنما هو إله واحد } أي بل أشهد أن لا إله إلا هو . { وإنني بريء مما تشركون } يعني الأصنام .
{ قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة } روى الكلبي أن كفار مكة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد أما وجد الله تعالى رسولاً غيرك ما نرى أحداً يصدقك فيما تقول ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله فنزلت . وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : جاء النحام بن زيد وقردم بن كعب وبحري بن عمرو فقالوا : يا محمد ما تعلم مع الله إلهاً غيره ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا إله إلا الله تعالى بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو " فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والأول : أوفق بأول الآية والثاني : بآخرها . فأي مبتدأ و { أَكْبَرَ } خبره و { شَهَادَةً } تمييز .
والشيء في اللغة ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، فقد ذكر سيبويه في الباب المترجم بباب مجاري أواخر الكلم وإنما يخرج التأنيث من التذكير ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى والشيء مذكر انتهى . وهل يطلق على الله تعالى أم لا ؟ فيه خلاف فمذهب الجمهور أنه يطلق عليه سبحانه فقال : شيء لا كالأشياء واستدلوا على ذلك بالسؤال والجواب الواقعين في هذه الآية وبقوله سبحانه : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] حيث إنه استثنى من كل شيء الوجه وهو بمعنى الذات عندهم وبأنه أعم الألفاظ فيشمل الواجب والممكن .
ونقل الإمام «أن جهماً أنكر صحة الإطلاق محتجاً بقوله تعالى : { وَللَّهِ الاسماء الحسنى } [ الأعراف : 180 ] فقال : لا يطلق عليه سبحانه إلا ما يدل على صفة من صفات الكمال والشيء ليس كذلك » ، وفي «المواقف وشرحه » الشيء عند الأشاعرة يطلق على الموجود فقط فكل شيء عندهم موجود وكل موجود شيء ، ثم سيق فيهما مذاهب الناس فيه ثم قيل : والنزاع لفظي متعلق بلفظ الشيء وأنه على ماذا يطلق ، والحق ما ساعد عليه اللغة والنقل إذ لا مجال للعقل في إثبات اللغات . والظاهر معنا فأهل اللغة في كل عصر يطلقون لفظ الشيء على الموجود حتى لو قيل عندهم الموجود شيء تلقوه بالقبول ، ولو قيل : ليس بيء تلقوه بالإنكار . ونحو قوله سبحانه : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } بنفي إطلاقه بطريق الحقيقة على المعدوم لأن الحقيقة لا يصح فيها انتهى .
وفي «شرح المقاصد » أن البحث في أن المعدوم شيء حقيقة أم لا لغوي يرجع فيه إلى النقل والاستعمال وقد وقع فيه اختلافات نظراً إلى الاستعمالات . فعندنا هو اسم للموجود لما نجده شائع الاستعمال في هذا المعنى ولا نزاع في استعماله في المعدوم مجازاً ثم قال : وما نقل عن أبي العباس أنه اسم للقديم وعن الجهيمة أنه اسم للحادث ، وعن هشام أنه اسم للجسم فبعيد جداً من جهة أنه لا يقبله أهل اللغة انتهى .
وفي ذلك كله بحث فإن دعوى الأشاعرة التساوي بين الشيء والموجود لغة أو الترادف كما يفهم مما تقدم من الكليتين ليس لها دليل يعول عليه . وقوله : إن أهل اللغة في كل عصر الخ إنما يدل على أن كل موجود شيء ، وأما أن كل ما يطلق عليه لفظ الشيء حقيقة لغوية موجود فلا دلالة فيه عليه إذ لا يلزم من أن يطلق على الموجود لفظ شيء دون لا شيء أن يختص الشيء لغة بالموجود لجواز أن يطلق الشيء على المعدوم والموجود حقيقة لغوية مع اختصاص الموجود بإطلاق الشيء دون اللاشيء . وإنكار أهل اللغة على من يقول : الموجود ليس بشيء لكونه سلباً للأعم عن الأخص وهو لا يصح لا لكونهما مترادفين أو متساويين . وقد أطلق على المعدوم الخارجي كتاباً وسنة فقد قال الله تعالى : { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاء الله } [ الكهف : 23 ، 24 ] وقال سبحانه : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] .
وأخرج الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل فقال : «إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجري يقول : لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن » ونحوه عن معاذ بن جبل والأصل في الإطلاق الحقيقة فلا يعدل عنها إلا إذا وجد صارف وشيوع الاستعمال لا يصلح أن يكون صارفاً بعد صحة النقل عن سيبويه . ولعل سبب ذلك الشيوع أن تعلق الغرض في المحاورات بأحوال الموجودات أكثر لا لاختصاص الشيء بالموجود لغة .
وقوله تعالى : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } [ مريم : 9 ] إنما يلزم منه نفي إطلاقه بطريق الحقيقة على المعدوم وهو يضرنا لو كان المدعى تخصيص إطلاق الشيء لغة بالمعدوم وليس كذلك ، فإن التحقيق عندنا أن الشيء بمعنى المشيء العلم به والإخبار عنه وهو مفهوم كلي يصدق على الموجود والمعدوم الواجب والممكن وتخصيص إطلاقه ببعض أفراده عند قيام قرينة لا ينافي شموله لجميع أفراده حقيقة لغوية عند انتفاء قرينة مخصصة وإلا لكان شموله للمعدوم والموجود معاً في قوله تعالى : { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } [ الحجرات : 16 ] جمعاً بين الحقيقة والمجاز وهي مسألة خلافية ولا خلاف في الاستدلال على عموم تعلق علمه تعالى بالأشياء مطلقاً بهذه الآية فهو دليل على أن شموله للمعدوم والموجود معاً حقيقة لغوية ، وذكر بعض الأجلة بعد زعمه اختصاص الشيء بالموجود أنه في الأصل مصدر استعمل بمعنى شاء أو مشيء فإن كان بمعنى شاء صح إطلاقه عليه تعالى وإلا فلا وأنت تعلم أنه على ما ذكرنا من التحقيق لا مانع من إطلاق الشيء عليه تعالى من غير حاجة إلى هذا التفصيل لأنه بمعنى المشيء العلم به والإخبار عنه فيكون إطلاق الشيء بهذا المعنى عليه عز وجل كإطلاق المعلوم مثلاً ، ومعنى { أَكْبَرُ شهادة } أعظم وأصدق .
{ قُلِ الله } أمر له صلى الله عليه وسلم أن يتولى الجواب بنفسه هو عليه الصلاة والسلام لما مر قريباً . والاسم الجليل مبتدأ محذوف الخبر أي الله أكبر شهادة ، وجوز العكس . ومذهب سيبويه أنه إذا كانت النكرة اسم استفهام أو أفعل تفضيل تقع مبتدأ يخبر عنه بمعرفة ، وقوله سبحانه : { شَهِيدٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هو سبحانه شهيد { بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } فهو ابتداء كلام ، وجوز أن يكون خبر { الله } والمجموع على ما ذهب إليه الزمخشري هو الجواب لدلالته على أن الله عز وجل إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شيء شهادة شهيد له ، ونقل في «الكشف » أنه إن جعل تمام الجواب عند قوله سبحانه : { الله } فهو للتسلق من إثبات التوحيد إلى إثبات النبوة بأن هذا الشاهد الذي لا أصدق منه شهد لي بإيحاء هذا القرآن . وإن جعل الكلام بمجموعه الجواب فهو من الأسلوب الحكيم لأن الوهم لا يذهب إلى أن هذا الشاهد يحتمل أن يكون غيره تعالى بل الكلام في أنه يشهد لنبوته أولاً فليفهم .
{ وَأُوحِىَ إِلَىَّ } من قبله تعالى { هذا القرءان } العظيم الشاهد بصحة رسالتي { لاِنذِرَكُمْ بِهِ } بما فيه من الوعيد . واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة لأنه المناسب للمقام ، وقيل : إن الكلام مع الكفار وليس فيهم من يبشر . وفي «الدر المصون » أن الكلام على حد { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] { وَمَن بَلَغَ } عطف على ضمير المخاطبين أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه القرآن ووصل إليه من الأسود والأحمر أو من الثقلين أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن سيوجد إلى يوم القيامة . قال ابن جرير : من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم .
وأخرج أبو نعيم وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلغه القرآن فكأنما شافهته " واستدل بالآية على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله ومن سيوجد بعد إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها . واختلف في ذلك هو بطريق العبارة في الكل أو بالإجماع في غير الموجودين وفي غير المكلفين . فذهب الحنابلة إلى الأول والحنفية إلى الثاني وتحقيقه في الأصول . وعلى أن من لم يبلغه القرآن غير مؤاخذ بترك الأحكام الشرعية ، ويؤيده ما أخرجه أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال : " أُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم : هل دعيتم إلى الإسلام ؟ فقالوا : لا فخلى سبيلهم ثم قرأ { وَأُوحِىَ إلى } الآية "
وهو مبني على القول بالمفهوم كما ذهب إليه الشافعية ، واعترض بأنه لا دلالة للآية على ذلك بوجه من الوجوه لأن مفهومها انتفاء الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه وذلك ليس عين انتفاء المؤاخذة وهو ظاهر ولا مستلزماً له خصوصاً عند القائلين بالحسن والقبح العقليين إلا أن يلاحظ قوله تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ] وفيه أن عدم استلزام انتفاء الإنذار بالقرآن لانتفاء المؤاخذة ممنوع ، والحسن والقبح العقليان قد طوي بساط ردهما ، وجوز أن يكون { مِنْ } عطفاً على الفاعل المستتر في ( أنذركم ) للفصل بالمفعول أي لأنذركم أنا بالقرآن وينذركم به من بلغه القرآن أيضاً ، وروى الطبرسي ما يقتضيه عن العياشي عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما ولايخفى أنه خلاف المنساق إلى الذهن .
{ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله ءالِهَةً أخرى } جملة مستأنفة أو مندرجة في القول ، والاستفهام للتقرير أو للإنكار ، وقيل : لهما ، وفيه جمع بين المعاني المجازية و { أخرى } صفة لآلهة . وصفة جمع ما لا يعقل كما قال أبو حيان كصفة الواحدة المؤنثة نحو { مَأَرِبُ أخرى } [ طه : 18 ] { وَللَّهِ الاسماء الحسنى } [ الأعراف : 180 ] ولما كانت الآلهة حجارة وخشباً مثلاً أجريت هذا المجرى تحقيراً لها { قُلْ } لهم { لاَّ أَشْهَدُ } بذلك وإن شهدتم به فإنه باطل صرف . { قُلْ } تكرير للأمر للتأكيد { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } أي بل إنما أشهد أنه تعالى لا إله إلا هو . و ( ما ) كافة . وجوز أبو البقاء وزعم أنه الأليق بما قبله كونها موصولة ويبعده كونها موصولة وعليه يكون { واحد } خبراً وهو خلاف الظاهر . { وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } من الأصنام أو من إشراككم .
( ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 19 ] بإظهار المعجزات ، وأعظم من ذلك عند العارفين ظهور أنوار الله تعالى في مرآة وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم
ثم أمر الله : نبيه صلى الله عليه وسلم : فى بيان رائع حكيم ، أن يسأل المشركين عن أى شىء فى هذا الكون أعظم وأزكى شهادة بحيث تقبل شهادته ولا ترد فقال - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } .
روى بعض المفسرين أن أهل مكة قالوا : يا محمد ، أرنا من يشهد أنك رسول الله ، فإنا لا نرى أحدا نصدقه ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ، فأنزل الله - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } .
أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يخاصمونك فيما تدعو إليه : أى شىء فى هذا الوجود شهادته أكبر شهادة وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم وإذعان ؟ ثم أمره أن يجيبهم على هذا السؤال بالحقيقة التى لا يمارى فيها عاقل وهى أن شهادة الله هى أكبر شهادة وأقواها وأزكاها ، لأنها شهادة من يستحيل عليه الكذب أو الخطأ ، وقد شهد - سبحانه - : بصدقى فيما أبلغه عنه فلماذا تعرضون عن دعوتى ، وتتنكبون الطريق المستقيم ؟
وصدرت الآية الكريمة بقل وبصيغة الاستفهام تنبيهاً إلى جلال الشاهد ، وإلى سلامة دعوى النبى صلى الله عليه وسلم لكى يدركوا ما فيها من حق وما هم فيه من ضلال .
وأوثرت كلمة " شىء " فى قوله - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً } لأنها تفيد الشمول والإحاطة والاستقصاء .
قال صاحب الكشاف : ما ملخصه قوله - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أراد : أى شهيد أكبر شهادة ، فوضع شيئاً مقام شهيد ليبالغ فى التعميم ، ويحتمل أن يكون تمام الجواب عنه قوله : { قُلِ الله } بمعنى : الله أكبر شهادة ، ثم ابتدأ . { شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أى : هو شهيد بينى وبينكم . وأن يكون { الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } هو الجواب ، لدلالته على أن الله - تعالى - : { إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شىء شهادة من هو شهيد له ) .
والمراد بشهادة الله ما جاء فى آياته القرآنية من أنه - سبحانه - : قد أرسل رسوله محمدا { بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ } ثم بين - سبحانه - : أن القرآن هو المعجزة الخالدة للنبى صلى الله عليه وسلم فقال : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ } .
أى : أن الله - تعالى - : قد أنزل هذا القرآن عن طريق وحيه الصادق ، لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به - أيضاً - جميع من بلغه هذا الكتاب الكريم ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم فى كل زمان ومكان إلى يوم القيامة .
فهذه الجملة تدل على عموم بعثة النبى صلى الله عليه وسلم كما تدل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ، وتعم - أيضاً - الذين وجدوا بعد نزوله وبلغتهم دعوته . ولم يروا النبى صلى الله عليه وسلم ففى الحديث الشريف :
" بلغوا عن الله - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله " .
وعن محمد بن كعب قال : " من بلغه القرآن فكأنما رأى النبى صلى اله عليه وسلم وذلك لأن القرآن الكريم لما كان متواترا بلفظه ومعناه ، كان من بلغه فعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم : كأنما سمعه منه وإن كثرت الوسائط ، لأنه هو الذى بلغه بلا زيادة ولا نقصان ، أما من لم تبلغه دعوة القرآن فلا يصدق عليه أنه بلغته الدعوة ، وحينئذ لا يكون مخاطبا بتعاليم هذا الدين ، وإثمه يكون فى أعناق الذين قصروا فى تبليغ دعوة الإسلام إليه .
ثم أمره - سبحانه - أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر وإلحاد ، وأن يعلن براءته منهم ومن معبوداتهم فقال - تعالى - : { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله آلِهَةً أخرى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } .
أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : إذا كنتم قد ألغيتم عقولكم . وترديتم فى مهاوى الشرك والضلال ، وشهدتم بأن مع الله آلهة أخرى ، فإنى برىء منكم ومن أعمالكم القبيحة ، ومحال أن أشهد بما شهدتم به ، وإنما الذى أشهد به وأعتقده ، أن الله - تعالى - واحد لا شريك له ، وإننى بعيد كل البعد عن ضلالكم وجحودكم .
والاستفهام فى قوله { أَئِنَّكُمْ } إنكارى ، جىء به لاستقباح ما وقع منهم من شرك ، وأكد قوله { لَتَشْهَدُونَ } للإشارة إلى تغلغل الضلال فى نفوسهم ، واستيلاء الجحود على قلوبهم .
وعبر عن أوثانهم بأنها { آلِهَةً أخرى } مجاراة لهم فى زعمهم الباطل ومبالغة فى توبيخهم والتهكم بهم .
وفى أمره - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصارحهم بأنه لا يشهد بشهادتهم " قل : لا أشهد " توبيخ لهم على جهالتهم ، وتوجيه لأتباعه إلى الافتداء به فى شجاعته أمام الباطل ، وفى ثباته على مبدئه .
وقد تضمن قوله - تعالى - : { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } اعتراف كامل بوحدانية الله ، وقصرها عليه - سبحانه - ، وتصريح بالبراءة التامة من الأوثان وعابديها ، وتنديد شديد بهذا العمل الباطل .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد تضمنت شهادة من الله - تعالى - بأن رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم صادق فى رسالته ، وشهادة من هذا الرسول الكريم بأن الله واحد لا شريك له ، وأنه برىء من إلحاد الملحدين وكفر الكافرين .