{ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } أي من أهل زمان ، والقرن مدة أغلب أعمار الناس وهي سبعون سنة . وقيل ثمانون . وقيل القرن أهل عصر فيه نبي أو فائق في العلم . قلت المدة أو كثرت واشتقاقه من قرنت . { مكناهم في الأرض } جعلنا لهم فيها مكانا وقررناهم فيها وأعطيناهم من القوى والآلات ما تمكنوا بها من أنواع التصرف فيها . { ما لم نمكن لكم } ما لم نجعل لكم من السعة وطول المقام يا أهل مكة ما لم نعطكم من القوة والسعة في المال والاستظهار في العدد والأسباب . { وأرسلنا السماء عليهم } أي المطر أو السحاب ، أو المظلة إن مبدأ المطر منها . { مدرارا } أي مغزارا . { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } فعاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار . { فأهلكناهم بذنوبهم } أي لم يغن ذلك عنهم شيئا . { وأنشأنا } وأحدثنا . { من بعدهم قرنا آخرين } بدلا منهم ، والمعنى أنه سبحانه وتعالى كما قدر على أن يهلك من قبلكم كعاد وثمود وينشئ مكانهم يعمر به بلاده يقدر أن يفعل ذلك بكم .
{ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } استئناف مسوق لتعيين ما هو المراد بما تقدم ، وقيل : شروع في توبيخهم ببذل النصح لهم والأول أظهر . والرؤية عرفانية ، وقيل : بصرية ، والمراد في أسفارهم وليس بشيء . وهي على التقديرين تستدعي مفعولاً واحداً . و { كَمْ } استفهامية كانت أو خبرية معلقة لها عن العمل مفيدة للتكثير سادة مع ما في حيزها مسد مفعولها ، وهي منصوبة بأهلكنا على المفعولية ، وهي عبارة عن الأشخاص ، وقيل : إن الرؤية علمية تستدعي مفعولين والجملة سادة مسدهما . و { مّن قَرْنٍ } مميز لكم على أنه عبارة عن أهل عصر من الأعصار سموا بذلك لاقترانهم مدة من الزمان فهو من قرنت . واختلف في مقدار تلك المدة فقيل : مائة وعشرون سنة ، وقيل : مائة ، وقيل : ثمانون ، وقيل : سبعون ، وقيل : ستون ، وقيل : ثلاثون ، وقيل : عشرون ، وقيل : مقدار الأوسط في أعمار أهل كل زمان . ولما كان هذا لا ضابط له يضبط قال الزجاج : إنه عبارة عن أهل عصر فيهم نبي أو فائق في العلم على ما جرت به عادة الله تعالى . ويحتمل أن يعتبر ذلك مائة سنة لما ورد أن الله تعالى قيض لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها . وقيل : هو عبارة عن مدة من الزمان اختلف فيها على طرز ما تقدم . واختار بعضهم أنه حقيقة في الزمان المعين وفي أهله . والمراد به هنا الأهل من غير تجشم تقدير مضاف أو ارتكاب تجوز . وجوز بعضهم انتصاب { كَمْ } على المصدرية بأهلكنا بمعنى إهلاك أو على الظرفية بمعنى أزمنة وهو تكلف . و ( من ) الأولى ابتدائية متعلقة بأهلكنا . وهمزة الإنكار لتقرير الرؤية . والمعنى ألم يعرف هؤلاء المكذبون المستهزئون بمعاينة الآثار وتواتر الأخبار كم أمة أهلكنا من قبل خلقهم أو من قبل زمانهم كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأضرابهم فالكلام على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه .
وقوله تعالى : { مكناهم فِى الارض } استئناف بياني كأنه قيل ما كان حالهم ؟ ، وقال أبو البقاء : إنه في موضع جر صفة { قَرْنٍ } لأن الجمل بعد النكرات صفات لاحتياجها إلى التخصيص . وجمع الضمير باعتبار معناه . وتعقبه مولانا شيخ الإسلام «بأن تنوينه التفخيمي مغن له عن استدعاء الصفة ، على أن ذلك مع اقتضائه أن يكون مضمونه ومضمون ما عطف عليه من الجمل الأربع ( أمراً ) مفروغاً عنه غير مقصود لسياق النظم مؤد إلى اختلاف النظم الكريم ، كيف لا والمعنى حينئذ : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن موصوفين بكذا وكذا وبإهلاكنا لهم بذنوبهم وأنه بين الفساد » انتهى . ولا يخفى أن التنوين التفخيمي لا يأبى الوصف . وما ورد فيه ذلك من النكرات أكثر من أن يحصى ، وأما ما ذكره بعد فقد قال الشهاب : إنه غفلة منه أو تغافل عن تفسيرهم { فأهلكناهم } الخ الآتي بقولهم لم يغن ذلك عنهم شيئاً .
وتمكين الشيء في الأرض على ما قيل جعله قاراً فيها . ولما لزم ذلك جعلها مقراً له ورد الاستعمال بكل منهما فقيل تارة مكنه في الأرض ومنه قوله تعالى : { وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ } [ الأحقاق : 26 ] وأخرى مكن له في الأرض ومنه قوله تعالى : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الارض } [ الكهف : 84 ] حتى أجرى كل منهما مجرى الآخر ومنه قوله تعالى : { مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } بعدما تقدم كأنه قيل في الأول : مكنا لهم وفي الثاني : ما لم نمكنكم .
وفي «التاج » أن مكنته ومكنت له مثل نصحته ونصحت له . وقال أبو علي : اللام زائدة مثل { رَدِفَ لَكُم } [ النمل : 72 ] . وكلام الراغب في مفرداته يؤيده . وذكر بعض المحققين أن مكنه أبلغ من مكن له ، ولذلك خص المتقدم بالمتقدمين والمتأخر بالمتأخرين و { مَا } إما موصولة صفة لمحذوف تقديره التمكين الذي لم نمكنه لكم أو نكرة موصوفة أي تمكيناً لم نمكنه . وعليهما فهي مفعول مطلق والعائد إليها من الصلة أو الصفة محذوف ، وقيل : إنها مفعول به لأن المراد من التمكين الإعطاء كما يشير إليه ما روي عن قتادة أي أعطيناهم ما تمكنوا به من أنواع التصرف ما لم نعطكم . وقيل : إنها مصدرية ظرفية أي مدة عدم تمكينكم ولا يخفى بعده والخطاب للكفرة . وقيل : لجميع الناس . وقيل : للمؤمنين . والظاهر الأول والالتفات لما في مواجهتهم بضعف حالهم من التبكيت ما لا يخفى . وقيل : ليتضح مرجع الضميرين ولا يشتبه من أول الأمر ، وهي نكتة في الالتفات لم يعرج عليها أهل المعاني .
{ وَأَرْسَلْنَا السماء } أي المطر كما روي عن هارون التيمي ، ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً . وقيل : السحاب واستعمالها في ذلك مجاز مرسل . وقيل : هي على حقيقتها بمعنى المظلة والمجاز في إسناد الإرسال إليها لأن المرسل ماء المطر وهي مبدأ له ، وفيه من المبالغة ما لا يخفى . «والإرسال والإنزال كما في «البحر » متقاربان في المعنى لأن اشتقاقه من رسل اللبن وهو ما ينزل من الضرع متتابعاً » { عَلَيْهِم مَّدْرَاراً } أي غزيراً كثير الصب ، وهو صيغة مبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وهو حال من السماء والظرف متعلق بأرسلنا { وَجَعَلْنَا الانهار } أي صيرناها { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ } أي من تحت مساكنهم . والمراد أنهم عاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار . والجملة في موضع المفعول الثاني لجعلنا . ولم يقل سبحانه : أجرينا الأنهار كما قال عز شأنه : { أَرْسَلْنَا * السماء } للإيذان بكونها مسخرة مستمرة الجريان لا لأن النهر لا يكون إلا جارياً فلا يفيد الكلام لأن النظم حينئذ ناظر إلى كونها من تحتهم فالفائدة ظاهرة ، ولو كان ما ذكر صحيحاً لما ورد في النظم الكريم كقوله تعالى :
{ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } [ المائدة : 119 ] واستظهر كون الجعل بمعنى الإنشاء والإيجاد وهو مخصوص به تعالى فلذا غير الأسلوب ، وعليه فالجملة في موضع الحال من المفعول . وليس المراد على ما قيل بتعداد هاتيك النعم العظام الفائضة عليهم بعد ذكر تمكينهم بيان عظم جنايتهم في كفرانها واستحقاقهم بذلك لأعظم العقوبات بل بيان حيازتهم لجميع أسباب نيل المآرب ومبادىء الأمن من المكاره والمعاطب وعدم إغناء ذلك عنهم شيئاً . وينبىء عن عدم الإغناء عند جمهور المفسرين .
قوله تعالى : { فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ } والفاء للتعقيب وقيل : فصيحة والمراد فكفروا فأهلكناهم ورجح الأول ، والباء للسببية أي أهلكنا كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب كتكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام { وَأَنشَأْنَا } أي أوجدنا { مّن بَعْدِهِمْ } أي بعد إهلاكهم بسبب ذلك { قَرْناً ءاخَرِينَ } بدلاً من الهالكين . وهذا بيان لأنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرناً ويخلي بلاده منهم فإنه جل جلاله قادر على أن ينشيء مكانهم آخرين يعمر بهم البلاد فهو كالتتميم لما قبله نحو قوله تعالى : { وَلاَ يَخَافُ عقباها } [ الشمس : 51 ] وفيه إشارة إلى أنهم قلعوا من أصلهم ولم يبق أحد من نسلهم لجعلهم آخرين وكونهم من بعدهم .
{ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ } .
قال القرطبى : " القرن الأمة من الناس والجمع القرون . قال الشاعر :
إذا ذهب القرن الذى كنت فيهم . . . وخلفت فى قرن فأنت غريب
فالقرن كل عالم فى عصره ، مأخوذ من الاقتران ، أى عالم مقترن بعضهم إلى بعض ، وفى الحديث الشريف : " خير الناس قرنى - يعنى أصحابى - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " فالقرن على هذا مدة من الزمان ، قيل : ستون عاما ، وقيل : سبعون ، وقيل ، ثمانون ، وقيل مائة - وعليه أكثر أصحاب الحديث - أن القرن مائة سنة ، واحتجوا بأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله ابن بشر : " تعيش قرنا " فعاش مائة .
والاستفهام الذى صدرت به الآية الكريمة لتوبيخ الكفار وتبكيتهم ، وإنكار ما وقع منهم من إعراض واستهزاءن وهو داخل على فعل محذوف دل عليه سابق الكلام ولاحقه .
والتقدير : أعموا عن الحق وأعرضوا عن دلالئله ، ولم يروا بتدبر وتفكر كم أهلكنا من قبلهم من أقوام كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا .
وجملة { أَهْلَكْنَا } سدت فسد مفعول رأى إن كانت بصرية ، وسدت مسد مفعوليها إن كانت علمية ، و { كَمْ } مفعول مقدم لأهلكنا ، و { مِن قَبْلِهِم } على حذف المضاف ، أى : من قبل زمنهم ووجودهم .
قال صاحب المنار : وكان الظاهر أن يقال : مكناهم فى الأرض - أى القرون - ما لم نمكنهم ، أى الكفار المحكى عنهم المستفهم عن حالهم ، فعدل عن ذلك بالالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، لما فى إيراد الفعلين بضميرى الغيبة من إيهام اتحاد مرجعهما ، وكون المثبت عين المفنى ، فقيل ما لم نمكن لكم .
و { مَا } في قوله { مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ } يحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذى ، وهى حينئذ صفة لمصدر محذوف . والتقدير : مكناهم فى الأرض التمكين الذى لم نمكن لكم ، والعائد محذوف : أى الذى لم نمكنه لكم . ويحتمل أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها والعائد محذوف .
أى : مكناهم فى الأرض شيئاً لم نمكنه لكم .
وفى تعدية الأول وهو { مَّكَّنَّاهُمْ } بنفسه والثانى هو { نُمَكِّن لَّكُمْ } باللام إشارة إلى أن السابقين قد مكنوا بالفعل من وسائل العيش الرغيد ما لم يتيسر مثله لهؤلاء المنكرين لدعوة الإسلام ، وهذا أعظم فى باب القدرة على إهلاك هؤلاء الذين هم أعجز من سابقيهم .
هذا ، وقد وصف الله أولئك المهلكين بسبب اجتراحهم للسيئات بصفات ثلاث لم تتوفر للمشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم .
وصفهم - أولا - بأنهم كانوا أوسع سلطانا ، وأكثر عمرانا ، وأعظم استقراراً ، كما يفيده قوله تعالى { مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ } .
قال صاحب الكشاف : " والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا قوم عاد وثمود وغيرهم من البسطة فى الأجسام ، والسعة فى الأموال ، والاستظهار بأسباب الدنيا " .
ووصفهم - ثانيا - بأنهم كانوا أرغد عيشا ، وأسعد حالا ، وأهنأ بالا ، يدل على ذلك قوله تعالى :
{ وَأَرْسَلْنَا السمآء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً } أى : أنزلنا عليهم المطر النافع بغزارة وكثرة ، وعبر عنه بالسماء لأنه ينزل منها .
ووصفهم - ثالثا - بأنهم كانوا منعمين بالمياه الكثيرة التى يسيرون مجاريها كما يشاءون ، فيبنون مساكنهم على ضفافها . ويتمتعون بالنظر إلى مناظرها الجميلة ، كما يرشد إليه قوله - تعالى - : { وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ } أى : صيرنا الأنهار تجرى من تحت مساكنهم .
ولكن ماذا كانت عاقبة هؤلاء المنعمين بتلك النعم الوفيرة التى لم تتيسر لأهل مكة ؛ كانت عاقبتهم - كما أخبر القرآن عنهم - { فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ } أى : فكفروا بنعمة الله وجحدوا فأهلكناهم بسبب ذلك ، إذ الذنوب سبب الانتقام وزوال النعم .
والإهلاك بسبب الذنوب له مظهران :
أحدهما : أن الذنوب ذاتها تهلك الأمم ، إذ تشيع فيها الترف والغرور والفساد فى الأرض ، وبذلك تنحل وتضمحل وتذبه قوتها .
والمظهر الثانى : إهلاك الله - تعالى - لها عقابا على أوزارها .
وقوله - تعالى - فى ختام الآية { وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ } يدل على كمال قدرة الله ، ونفاذ إرادته ، وأن إهلالكه لتلك الأمم بسبب ذنوبها لم ينقص من ملكه شيئا ، لأنه - سبحانه - كلما أهلك أمة أنشأ من بعدها أخرى .
قال - تعالى - { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم } ثم بين القرآن توغلهم فى الجحود والعناد ، وانصرافهم عن الحق مهما قويت أدلته ،