أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأنعام

{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } أخبر بأنه سبحانه وتعالى حقيق بالحمد ، ونبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو يحمد ، ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون ، وجمع السماوات دون الأرض وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات ، وقدمها لشرفها وعلو مكانها وتقدم وجودها . { وجعل الظلمات والنور أنشأهما والفرق بين خلق وجعل الذي له مفعول واحد أن الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التضمن . ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية ، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها ، أو لأن المراد بالظلمة الضلال ، وبالنور الهدى والهدى واحد والضلال متعدد ، وتقديمها لتقدم الإعدام على الملكات . ومن زعم أن الظلمة عرض يضاد النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل . { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } عطف على قوله الحمد لله على معنى أن الله سبحانه وتعالى حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد ، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته ويكون بربهم تنبيها على أنه خلق هذه الأشياء أسبابا لتكونهم وتعيشهم ، فمن حقه أن يحمد عليها ولا يكفر ، أو على قوله خلق على معنى أنه سبحانه وتعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه . ومعنى ثم : استبعاد عدولهم بعد هذا البيان ، والباء على الأول متعلقة بكفروا وصلة يعدلون محذوفة أي يعدلون عنه ليقع الإنكار على نفس الفعل ، وعلى الثاني متعلقة ب{ يعدلون } والمعنى أن الكفار يعدلون بربهم الأوثان أي يسوونها به سبحانه وتعالى .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأنعام

كما أخرج أبو عبيد والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وروى ابن مردويه والطبراني عنه أنها نزلت بمكة ليلا جملة واحدة وروى خبر الجملة أبو الشيخ عن أبي بن كعب مرفوعا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واخرج النحاس في ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا ثلاث آيات منها فإنها نزلت بالمدينة { قل تعالوا أتل } إلى تمام الآيات الثلاث وأخرج ابن راهويه في مسنده وغيره عن شهر بن حوشب أنها مكية إلا آيتين { قل تعالوا أتل } والتي بعدها وأخرج أبو الشيخ أ أيضا عن الكلبي وسفيان قالا : نزلت سورة الأنعام كلها بمكة إلا آيتين نرلتا بالمدينة في رجل من اليهود وهو الذي قال : ما أنزل الله على بشر من شيء الآية وأخرج ابن المنذر عن أبي جحيفة نزلت سورة الأنعام كلها بمكة إلا ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة فانها مدنية وقال غير واحد : كلها مكية إلا ست آيات وما قدروا الله حق قدره إلى تمام ثلاث آيات { وقل تعالوا أتل } إلى آخر الثلاث وعدة آياتها عند الكوفيين مائة وخمسة وستون وعند البصريين والشاميين ست وستون وعند الحجازيين سبع وستون وقد كثرت الأخبار بفضلها فقد أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب والإسماعيلي في معجمه عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال عليه الصلاة والسلام : لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق وخبر تشييع الملائكة لها رواه جمع من المحدثين إلا أن منهم من روى أن المشيعين سبعون ألفا ومنهم من روى أنهم كانوا أقل ومنهم من روى أنهم كانوا أكثر وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى الفجر بجماعة وقعد في مصلاه وقرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام وكل الله به سبعين ملكا يسبحون الله تعالى ويستغفرون له إلى يوم القيامة وأخرج أبو الشيخ عن حبيب بن محمد العابد قال : من قرأ ثلاث آيات من أول الأنعام إلى قوله تعالى تكسبون بعث الله تعالى له سبعين ألف ملك يدعون له إلى يوم القيامة وله مثل أعمالهم فإذا كان يوم القيامة ادخله الجنة وسقاه من السلسبيل وغسله من الكوثر وقال : أنا ربك حقا وأنت عبدي إلى غي ذلك من الأخبار وغالبا في هذا المطلب ضعيف وبعضها موضوع كما لا يخفى على من نقر عنها ولعل الأخبار بنزول هذه السورة جملة أ أيضا كذلك وحكى الإمام اتفاق الناس على القول بنزولها جملة ثم استشكل ذلك بأنه كيف يمكن أن يقال حينئذ في كل مرة من آياتها إن سبب نزولها الأمر الفلاني مع أنهم يقولونه والقول بأن مراد القائل بذلك عدم تخلل نزول شيء من آيات سورة أخرى بين أوقات نزول آياتها مما لا تساعده الظواهر بل في الأخبار ما هو صريح فيما يأباه والقول بأنها نزلت مرتين دفعة وتدريجا خلاف الظاهر ولا دليل عليه ويؤيد ما أشرنا إليه من ضعف الأخبار بالنزول جملة ما قاله ابن الصلاح في فتاويه الحديث الوارد في أنها نزلت جملة ورويناه من طريق أبي بن كعب ولم نر له سندا صحيحا وقد روي ما يخالفه انتهى ومن هذا يعلم ما في دعوى الإمام اتفاق الناس على القول بنزولها جملة فتدبر ووجه مناسبتها لآخر المائدة على ما قال بعض الفضلاء أنها افتتحت بالحمد وتلك اختتمت بفصل القضاء وهما متلاما زمان كما قال سبحانه : { وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين } وقال الجلال السيوطي في وجه المناسبة : أنه تعالى لما ذكر في آخر المائدة { لله ملك السماوات والأرض وما فيهن } على سبيل الإجمال افتتح جل شأنه هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله فبدأ سبحانه بذكر خلق السماوات والأرض وضم تعالى إليه أنه جعل الظلمات والنور وهو بعض ما تضمنه ما فيهن ثم ذكر عز أسمه أنه خلق النوع الإنساني وقضى له أجلا وجعل له أجلا آخر للبعث وأنه جل جلاله منشيء القرون قرنا بعد قرن ثم قال تعالى : { قل لمن ما في السماوات } الخ فأثبت له ملك جميع المظروفات لظرف المكان ثم قال عز من قائل : { وله ما سكن في الليل والنهار } فأثبت أنه جل وعلا ملك جميع المظروفات لظرف الزمان ثم ذكر سبحانه خلق سائر الحيوان من الدواب والطير ثم خلق النوم واليقظة والموت ثم أكثر عز وجل في أثناء السورة من الإنشاء والخلق لما فيهن من النيرين والنجوم وفلق الإصباح وفلق الحب والنوى وانزال الماء و إخراج النبات والثمار بأنواعها وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات إلى غير ذلك مما فيه تفصيل ما فيهن وذكر عليه الرحمة وجها آخر في المناسبة أ أيضا وهو أنه سبحانه لما ذكر في سورة المائدة { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ما أحل الله لكم } الخ وذكر جل شأنه بعده { ما جعل الله من بحيرة } الخ فاخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء مما رزقهم الله تعالى افتراء على الله عز شأنه وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا من ذلك فيشابهوا الكفار في صنعهم وكان ذكر ذلك على سبيل الايجاز ساق جل جلاله هذه السورة لبيان حال الكفار في صنعهم فأتى به على الوجه الأبين والنمط الأكمل ثم جادلهم فيه واقام الدلائل على بطلانه وعارضهم وناقضهم إلى غير ذلك مما اشتملت عليه القصة فكانت هذه السورة شرحا لما تضمنته تلك السورة من ذلك على سبيل الإجمال وتفصيلا وبسطا وإتماما وإطنابا وافتتحت بذكر الخلق والملك لأن الخالق والمالك هو الذي له التصرف في ملكه ومخلوقاته اباحة ومنعا وتحريما وتحليلا فيجب أن لا يعترض عليه سبحانه بالتصرف في ملكه ولهذ السورة أ أيضا اعتلاق من جهة بالفاتحة لشرحها إجمال قوله تعالى : { رب العالمين } وبالبقرة لشرحها إجمال قوله سبحانه : الذي خلقكم والذين من قبلكم وقوله عز اسمه الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا وبآل عمران من جهة تفصيلا لقوله جل وعلا والأنعام والحرث وقوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت } الخ وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق والتقبيح لما حرموه على أزواجهم وقتل البنات وبالمائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها وقد يقال : إنه لما كان قطب هذه السورة دائرا على إثبات الصانع ودلائل التوحيد حتى قال أبو إسحاق الاسفرايني : إن في سورة الأنعام كل قواعد التوحيد ناسبت تلك السورة من حيث أن فيها ابطال ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام وتوبيخ الكفرة على اعتقادهم الفاسد وافترائهم الباطل هذا

{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ * السموات والارض } جملة خبرية أو إنشائية . وعين بعضهم الأول لما في حملها على الإنشاء من إخراج الكلام عن معناه الوضعي من غير ضرورة بل لما يلزم على كونها إنشائية من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود . وآخرون الثاني لأنه لو كانت جملة الحمد إخباراً يلزم أن لا يقال لقائل الحمد لله حامد إذ لا يصاغ للمخبر عن غيره لغة من متعلق إخباره اسم قطعاً فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم واللازم باطل فيبطل الملزوم . ولا يلزم هذا على تقدير كونها إنشائية فإن الإنشاء يشتق منه اسم فاعل صفة للمتكلم به فيقال لمن قال : بعت بائع .

واعترض بأنه لا يلزم من كل إنشاء في ذلك وإلا ليقيل لقائل : ضرب ضارب والله تعالى شأنه القائل { والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن } [ البقرة : 233 ] مرضع بل إنما يكون ذلك إذا كان إنشاء لحال من أحوال المتكلم كما في صيغ العقود ولا فرق حينئذ بينه وبين الخبر فيما ذكر ، والذي عليه المحققون جواز الاعتبارين في هذه الجملة . وأجابوا عما يلزم كلاً من المحذور . نعم رجح هنا اعتبار الخبرية لما أن السورة نزلت لبيان التوحيد وردع الكفرة والإعلام بمضمونها على وجه الخبرية يناسب المقام وجعلها لإنشاء الثناء لا يناسبه ، وقيل : إن اعتبار خبريتها هنا ليصح عطف ما بعد ثم الآتي عليها . ومن اعتبر الإنشائية ولم يجوز عطف الإنشاء على الإخبار جعل العطف على صلة الموصول أو على الجملة الإنشائية بجعل المعطوف لإنشاء الاستيعاد والتعجب . ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والخروج عن الظاهر وفي تعليق الحمد أولاً : باسم الذات ووصفه تعالى ثانياً : بما وصف به سبحانه تنبيه على تحقق الاستحقاقين تحقق استحقاقه عز وجل الحمد باعتبار ذاته جل شأنه وتحقق استحقاقه سبحانه وتعالى باعتبار الإنعام المؤذن به ما في حيز الموصول الواقع صفة . ومعنى استحقاقه سبحانه وتعالى الذاتي عند بعض استحقاقه جل وعلا الحمد بجميع أوصافه وأفعاله وهو معنى قولهم : إنه تعالى يستحق العبادة لذاته وأنكر هذا صحة توجه التعظيم والعبادة إلى الذات من حيث هي .

وقد صرح الإمام في «شرح الإشارة » عند ذكر مقامات العارفين أن الناس في العبادة ثلاث طبقات . فالأولى : في الكمال والشرف الذين يعبدونه سبحانه وتعالى لذاته لا لشيء آخر . والثانية : وهي التي تلي الأولى في الكمال الذين يعبدونه لصفة من صفاته وهي كونه تعالى مستحقاً للعبادة . والثالثة : وهي آخر درجات المحققين الذين يعبدونه لتكمل نفوسهم في الانتساب إليه . ولا يشكل تصور تعظيم الذات من حيث هي لأنه كما قال الشهاب لو وقع ذلك ابتداء قبل التعقل بوجوه الكمال كان مشكلاً أما بعد معرفة المحمود جل جلاله بسمات الجمال وتصوره بأقصى صفات الكمال فلا بدع أن يتوجه إلى تمجيده تعالى وتحميده عز شأنه مرة أخرى بقطع النظر عما سوى الذات بعد الصعود بدرجات المشاهدات .

ولذا قال أهل الظاهر

: صفاته لم تزد معرفة *** لكنها لذة ذكرناها

فما بالك بالعارفين الغارقين في بحار العرفان وهم القوم كل القوم . والذي حققه السالكوتي وجرينا عليه في الفاتحة أن الاستحقاق الذاتي ما لا يلاحظ معه خصوصية صفة حتى الجميع لا ما يكون الذات البحت مستحقاً له فإن استحقاق الحمد ليس إلا على الجميل . وسمي ذاتياً لملاحظة الذات فيه من غير اعتبار خصوصية صفة أو لدلالة اسم الذات عليه أو لأنه لما لم يكن مسنداً إلى صفة من الصفات المخصوصة كان مسنداً إلى الذات . وذكر بعض محققي المتأخرين كلاماً في هذا المقام رد به فيما عنده على كثير من العلماء الأعلام .

وحاصله أن اللام الجارة في «لله » لمطلق الاختصاص دون الاختصاص القصري على التعيين بدليل أنهم قالوا في مثل { له الحمد } [ سبأ : 1 ] إن التقديم للاختصاص القصري فلو أن اللام الجارة تفيده أيضاً لما بقي فرق بين الحمد لله وله الحمد غير كون الثاني أوكد من الأول في إفادة القصر والمصرح به التفرقة بإفادة أحدهما القصر دون الآخر وأن الاختصاصات على أنحاء وتعيين بعضها موكول إلى العلة التي يترتب عليها الحكم وتجعل محموداً عليه غالباً وغيرها من القرائن فإذا رأيت الحكم على أوصافه تعالى المختصة به سبحانه وتعالى وجب كون الحمد مقصوراً عليه تعالى فيحمل الحكم المعلل على القصر ليطابق المعلول علته ومع ذلك إذا كانت الأوصاف المختصة به عز وجل مما يدل على كونه عز شأنه منعماً على عباده وجب كون الحمد حقاً لله تعالى واجباً على عباده سبحانه فيحمل الحكم المعلل على الاستيجاب للتطابق أيضاً وإذا لم يعلل الحكم بشيء أو قطع النظر عن العلة التي رتب عليها الحكم فإنما يثبت في الحكم أدنى مراتب الاختصاص الذي هو كونه تعالى حقيقاً بالحمد مجرداً عن القصر والاستيجاب . ويعضد ما أشير إليه اختلاف عبارات العلامة البيضاوي في بيان مدلولات جمل الحمد وأن المراد من الاستيجاب الذي جعله بعض النحاة من معاني اللام ما هو بمنزلة مطلق الاختصاص الذي قرره لا المعنى الذي رمز إليه فعلى هذا يكون مفهوم جملة { الحمد للَّهِ } فيما نحن فيه أنه تعالى حقيق بالحمد ولا دلالة فيها من حيث هي هي مع قطع النظر عن المحمود عليه الذي هو علة الحكم على قصر الحقيقية بالحمد عليه سبحانه وتعالى ولا على بلوغها حد الاستيجاب ، نعم في ترتب الحكم على ما في حيز الصفة تنبيه على كون الحمد حقاً لله تعالى واجباً على عباده مختصاً به عز شأنه مقصوراً عليه سبحانه حيث إن ترتب الحكم كما قالوا على الوصف يشعر بمنطوقه بعلية الوصف للحكم وبمفهومه بانتفاء الحكم عمن ينتفي عنه الوصف .

ثم قال : وبالجملة إن جملة { الحمد * الله } مدعى ومدلول .

وقوله سبحانه وتعالى : { الذى خَلَقَ } الخ دليل وعلة وليس هناك إلا حمد واحد معلل بما في حيز الوصف لا حمد معلل بالذات المستجمع لجميع الصفات أو بالذات البحت أولاً على ما قيل وبالوصف ثانياً حتى يكون بمثابة حمدين باعتبار العلتين لأن لفظ الجلالة علم شخصي ولا دلالة له على الأوصاف بإحدى الدلالات الثلاث فكيف يكون محموداً عليه وعلة لاستحقاق الحمد ، ولذلك لا يكاد يقع الحكم باستحقاق الحمد إلا معللاً بالأمور الواضحة الدالة على صفاته سبحانه وتعالى الجليلة وأفعاله الجميلة ولا يكتفي باسم الذات اللهم إلا في تسبيحات المؤمنين وتحميداتهم لا في محاجة المنكرين التي نحن بصدد بيانها ، وأيضاً اقتضاء الذات البحت من حيث هو الذات ماذا يفيد في الاحتجاج على القوم الذين عامتهم لا يبصرون ولا يسمعون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل . وأما ما يقال : إنما قيل { الحمد للَّهِ } بذكر اسم الذات المستجمع لجميع الصفات ولم يقل للعالم أو للقادر إلى غير ذلك من الأسماء الدالة على الجلال أو الإكرام لئلا يتوهم اختصاص الحمد بوصف دون وصف فكلام مبني على ما ظهر لك فساده من كون الذات محموداً عليه .

وقد يقال : إن ذكر اسم الذات ليس إلا لأن المشركين المحجوبين الجهال لا يعرفونه تعالى ولا يذكرونه فيما بينهم ولا عند المحاجة إلا باسمه سبحانه العليم لا بالصفات كما يدل على ذلك أنه تحكى أجوبتهم بذكر ذلك الاسم الشريف في عامة السؤالات إلا ما قل حيث كان جوابهم فيه بغير اسم الذات كقوله تعالى : { لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم } [ الزخرف : 9 ] على أن البعض جعل هذا لازم مقولهم . وما يدل عليه إجمالاً أقيم مقامه فكأنهم قالوا : الله كما حكى عنهم في مواضع وحينئذ فكأنه قيل : الإله الذي يعرفونه ويذكرونه بهذا الاسم هو المستحق للحمد لكونه خالق السموات والأرض ولكونه كذا وكذا . وإذا عرفت أن الذات لا يلائم أن يكون محموداً عليه وإنما الحقيق لأن يكون محموداً عليه هو الصفات وأن ما يترتب عليه الحمد في كل موضع بعض الصفات بحسب اقتضاء المقام لا جميع الصفات عرفت أن من ادعى أن ترتيب الحمد على بعض الصفات دون بعض يوهم اختصاص استحقاق الحمد بوصف دون وصف يلزم عليه أن يقع في الورطة التي فر منها كما لا يخفى .

فالحق أن المحمود عليه هو الوصف الذي رتب عليه استحقاق الحمد وأن تخصيص بعض الأوصاف لأن يترتب عليه استحقاق الحمد في بعض المواقع إنما هو باقتضاء ذلك المقام إياه فإن قلت : فما الرأي في الحمد باعتبار الذات البحت أو باعتبار استجماعه جميع الصفات على ما قيل : هل له وجه أم لا ؟ قلت : أما كون الذات الصرف محموداً عليه ، وكذا كون الذات محموداً عليه باستجماعه جميع الصفات في أمثال هذه المواضع التي نحن فيها فلا وجه له .

/ وأما ما ذكروه في شرح خطب بعض الكتب من أن الحمد باعتبار الذات المستجمع لجميع الصفات فلعل منشأه هو أن الحمد لما اقتضى وصفاً جميلاً صالحاً لأن يترتب عليه الحكم باستحقاق الحمد ويكون محموداً عليه فحيث لم يذكر معه وصف كذلك ولم يدل عليه قرينة بل اكتفى بذكر الذات المتصف بجميع الصفات الجميلة ثبت اعتبار الوصف الجميل هناك اقتضاء ، ثم من أجل أن تعيين البعض بالاعتبار دون البعض الآخر لا يخلو عن لزوم الترجيح بلا مرجح يلزم اعتبار الصفات الجميلة برمتها فيكون الحمد باعتبار جميعها وحيث ذكر معه وصف جميل صالح لأن يكون محموداً عليه ودل عليه بعينه قرينة استغنى عن ذلك الاعتبار لأن المصير إليه كان عن ضرورة ولا ضرورة حينئذ كما لا يخفى ، ومن لم يهتد إلى الفرق بين ما وقع في القرآن المجيد لمقاصد وما وقع في خطب الكتب لمجرد التيمن ولا إلى الفرق بين ما ذكر فيه المحمود عليه صريحاً أو دلت عليه بعينه قرينة وبين ما لم يكن كذلك ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء فخلط مقتضيات بعض المقامات ببعض ولم يدر أن كلام الله تعالى على أي شرف وكلام غيره في أي واد .

وقصارى الكلام أن ترتب الحكم الذي تضمنته جملة { الحمد للَّهِ } هنا على الوصف المختص به سبحانه من خلق السموات والأرض وما عطف عليه يفيد الاختصاص القصري على الوجه الذي تقدم ، ويشير إلى ذلك كلام العلامة البيضاوي في تفسيره الآية لمن أمعن النظر إلا أن ما ذكره عليه الرحمة في أول سبأ من الفرق بين { الحمد للَّهِ الذى لَهُ مَا فِى * السموات وَمَا فِي الارض } [ سبأ : 1 ] وبين { وَلَهُ الحمد فِى الاخرة } [ سبأ : 1 ] مما محصله أن جملة { لَهُ الحمد } جيء بها بتقديم الصلة ليفيد القصر لكون الإنعام بنعم الآخرة مختصاً به تعالى بخلاف جملة { الحمد للَّهِ الذى لَهُ } الخ فإنها لم يجىء بها بتقديم الصلة حتى لا يفيد القصد لعدم كون الإنعام مختصاً به تعالى مطلقاً بحيث لا مدخل فيه للغير إذ يكون بتوسط الغير فيستحق ذلك لغير الحمد بنوع استحقاق بسبب وساطته آب عنه ، إذ حاصل ما ذكره في تلك السورة هو أنه لا قصر في جملة { الحمد للَّهِ الذى لَهُ } الخ بخلاف جملة { لَهُ الحمد } ، وحاصل ما أشار إليه في هذه وكذا في الفاتحة هو أن جملة { الحمد للَّهِ } إذا رتب على الأوصاف المختصة كالخلق والجعل المذكورين مفيد للقصر أيضاً غاية ما في البال أن طريق إفادة القصر في البابين متغاير ، ففي إحداهن تقديم الصلة وفي الآخرى مفهوم العلة فتدبر ذاك والله تعالى يتولى هداك .

وجمع سبحانه السموات وأفرد الأرض مع أنها على ما تقتضيه النصوص المتعددة متعددة أيضاً والمؤاخاة بين الألفاظ من محسنات الكلام فإذا جمع أحد المتقابلين أو نحوهما ينبغي أن يجمع الآخر عندهم . ولذا عيب على أبي نواس قوله

: ومالك فاعلمن فينا مقالا *** إذا استكملت آجالاً ورزقاً

حيث جمع وأفرد إذ جمع لنكتة سوغت العدول عن ذلك الأصل ، وهي الإشارة إلى تفاوتهما في الشرف فجمع الأشرف اعتناء بسائر أفراده وأفرد غير الأشرف . وأشرفية السماء لأنها محل الملائكة المقدسين على تفاوت مراتبهم وقبلة الدعاء ومعراج الأرواح الطاهرة ولعظمها وإحاطتها بالأرض على القول بكريتها الذاهب إليه بعض منا وعظم آيات الله فيها ولأنها لم يعص الله تعالى فيها أصلاً وفيها الجنة التي هي مقر الأحباب ولغير ذلك . والأرض وإن كانت دار تكليف ومحل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فليس ذلك إلا للتلبيغ وكسب ما يجعلهم متأهلين للإقامة في حضيرة القدس لأنها ليس بدار قرار ، وخلق أبدان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منها ودفنهم فيها مع كون أرواحهم التي هي منشأ الشرف ليست منها ولا تدفن فيها لا يدل على أكثر من شرفها ، وأما أنه يدل على أشرفيتها فلا يكاد يسلم لأحد ، وكذا كون الله تعالى وصف بقاعاً منها بالبركة لا يدل على أكثر مما ذكرنا ، ولهذا الشرف أيضاً قدمت على الأرض في الذكر ، وقيل : إن جمع السموات وإفراد الأرض لأن السماء جارية مجرى الفاعل والأرض جارية مجرى القابل فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر وهو يخل بمصالح هذا العالم ، وأما الأرض فهي قابلة والقابل الواحد كاف في القبول .

وحاصله إن اختلاف الآثار دل على تعدد السماء دلالة عقلية والأرض وإن كانت متعددة لكن لا دليل عليه من جهة العقل فلذلك جمعها دون الأرض .

واعترض بأنه على ما فيه ربما يقتضي العكس ، وقال بعضهم : إنه لا تعدد حقيقياً في الأرض ، ولهذا لم تجمع ، وأما التعدد الوارد في بعض الأخبار نحو قوله صلى الله عليه وسلم : «من غصب قيد شبر من أرض طوقه إلى سبع أرضين » فمحمول على التعدد باعتبار الأقاليم السبعة ، وكذا يحمل ما أخرجه أبو الشيخ والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : «هل تدرون ما هذه هذه أرض هل تدرون ما تحتها ؟ قالوا : الله تعالى ورسوله أعلم قال : أرض أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين خمسمائة عام »

والتحتية لا تأبى ذلك فإن الأرض كالسماء كروية ، وقد يقال للشيء إذا كان بعد آخر هو تحته ، والمراد من قوله صلى الله عليه وسلم : " بينهما خمسمائة عام أن القوس من إحدى السموات المسامت لأول إقليم وأول الآخر خمسمائة عام " ولا شك أن ذلك قد يزيد على هذا المقدار وكثيراً ما يقصد من العدد التكثير لا الكم المعين .

وقوله تعالى : { الله الذى خَلَقَ سَبْعَ * سموات *وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ } [ الطلاق : 12 ] محمول على المماثلة في السبعة الموجودة في الأقاليم لا على التعدد الحقيقي ، ولا يخفى أن هذا من التكلف الذي لم يدع إليه سوى اتهام قدرة الله تعالى وعجزه سبحانه عن أن يخلق سبع أرضين طبق ما نطق به ظاهر النص الوارد عن حضرة أفصح من نطق بالضاد وأزال بزلال كلامه الكريم أوام كل صاد ، وحمل المماثلة في الآية أيضاً على المماثلة التي زعمها صاحب القيل خلاف الظاهر . ولعل النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى تتمة الكلام في هذا المقام . وذكر بعض المحققين في وجه تقديم السموات على الأرض تقدم خلقها على خلق الأرض ولا يخفى أنه قول لبعضهم . وعن الشيخ الأكبر قدس سره أن خلق المحدد سابق على خلق الأرض وخلق باقي الأفلاك بعد خلق الأرض ، وقد تقدم بعض الكلام في هذا المقام . وتخصيص خلقهما بالذكر لاشتمالهما على جملة الآثار العلوية والسفلية وعامة الآلاء الجلية والخفية التي أجلها نعمة الوجود الكافية في إيجاب حمده تعالى على كل موجود فكيف بما يتفرع عليها من صنوف النعم الآفاقية والأنفسية المنوط بها مصالح العباد في المعاش والمعاد . والمراد بالخلق الإنشاء والإيجاد أي أوجد السموات والأرض وأنشأهما على ما هما عليه مما فيه آيات للمتفكرين .

{ وَجَعَلَ الظلمات والنور } عطف على { خُلِقَ * السموات } داخل معه في حكم الإشعار بعلة الحمد وإن كان مترتباً عليه لأن جعلهما مسبوق بخلق منشئهما ومحلهما كما قيل ، والجعل كما قال شيخ الإسلام الإنشاء والإبداع كالخلق خلا إن ذلك مختص بالإنشاء التكويني ، وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما في الآية وللتشريعي أيضاً كما في قوله سبحانه : { مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ } [ المائدة : 301 ] وأياً ما كان ففيه إنباء عن ملابسة مفعوله بشيء آخر بأن يكون فيه أو له أو منه أو نحو ذلك ملابسة مصححة لأن يتوسط بينهما شيء من الظروف لغواً كان أو مستقراً لكن لا على أن يكون عمدة في الكلام بل قيداً فيه ، وقيل : «الفرق بين الجعل والخلق أن الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التضمين » أي كونه محصلاً من آخر كأنه في ضمنه ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيهاً على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية .

واعترض بأن الثنوية يزعمون أن النور والظلمة جسمان قديمان سميعان بصيران أولهما خالق الخير والثاني خالق الشر فهما حينئذٍ ليسا بالمعنى الحقيقي المتعارف فمدعاهم الفاسد يبطل بمجرد هذا ، وأيضاً أن الرد يحصل لكونهما محدثين بقطع النظر عما اعتبر في مفهوم الجعل ولو أتى بالخلق بدله حصل المقصود منه ، وأيضاً أن الجعل المتعدي لواحد كما فيما نحن فيه لا يقتضي كونه غير قائم بنفسه ألا ترى إلى قوله سبحانه : { وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الانعام بُيُوتًا } [ النحل : 80 ] { وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } [ الفرقان : 53 ] إلى غير ذلك . وأجيب بما لا يخلو عن نظر .

وجمع الظلمات وأفرد النور ليحسن التقابل مع قوله سبحانه : { خلقَ * السموات والارض } أو لما قدمناه في البقرة . وقيل : لأن المراد بالظلمة الضلال وهو متعدد وبالنور الهدى وهو واحد ، ويدل على التعدد والوحدة قوله تعالى : { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [ الأنعام : 153 ] واختار غير واحد حمل الظلمة والنور هنا على الأمرين المحسوسين وإن جاء في الكتاب الكريم بمعنى الهدى والضلال وكان له هنا وجه أيضاً لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته وقد أمكن مع وجود ما يلائمه ويقتضيه اقتضاءً ظاهراً حيث قرنا بالسموات والأرض . وعن قتادة أن المراد بهما الجنة والنار ولا يخفى بعده .

وللعلماء في النور والظلمة كلام طويل وبحث عريض حتى أنهم ألفوا في ذلك الرسائل ولم يتركوا بعد مقالاً لقائل . وذكر الإمام أن النور كيفية هي كمال بذاتها للشفاف من حيث هو شفاف أو الكيفية التي لا يتوقف الإبصار بها على الإبصار بشيء آخر ، وأن من الناس من زعم أنه أجسام صغار تنفصل عن المضىء وتتصل بالمستضىء وهو باطل ، أما أولاً : فلأن كونها أنواراً إما أن يكون هو عين كونها أجساماً وإما أن يكون مغايراً لها والأول باطل لأن المفهوم من النورية مغاير للمفهوم من الجسمية ولذلك يعقل جسم مظلم ولا يعقل نور مظلم ، وأما إن قيل : إنها أجسام حاملة لتلك الكيفية تنفصل عن المضىء وتتصل بالمستضىء فهو أيضاً باطل لأن تلك الأجسام الموصوفة بتلك الكيفيات إما أن تكون محسوسة أو لا فإن كان الأول لم يكن الضوء محسوساً وإن كان الثاني كانت ساترة لما تحتها ويجب أنها كلما ازدادت اجتماعاً ازدادت ستراً لكن الأمر بالعكس ، وأما ثانياً : فلأن الشعاع لو كان جسماً لكانت حركته بالطبع إلى جهة واحدة لكن النور مما يقع على كل جسم في كل جهة ، وأما ثالثاً : فلأن النور إذا دخل من كوة ثم سددناها دفعة فتلك الأجزاء النورانية إما أن تبقى أو لا فإن بقيت فإما أن تبقى في البيت وإما أن تخرج فإن قيل : إنها خرجت عن الكوة قبل السد فهو محال وإن قيل : إنها عدمت فهو أيضاً باطل فكيف يمكن أن يحكم أن جسماً لما تخلل بين جسمين عدم أحدهما فإذن هي باقية في البيت ولا شك في زوال نوريتها عنها .

وهذا هو الذي نقول من أن مقابلة المستضىء سبب لحدوث تلك الكيفية وإذا ثبت ذلك في بعض الأجسام ثبت في الكل . وأما رابعاً : فلأن الشمس إذا طلعت من الأفق يستبين وجه الأرض كله دفعة ومن البعيد أن تنتقل تلك الأجزاء من الفلك الرابع إلى وجه الأرض في تلك اللحظة اللطيفة سيما والخرق على الفلك محال عندهم ، واحتج المخالف بأن الشعاع متحرك وكل متحرك جسم فالشعاع جسم ( بيان الصغرى بثلاثة أوجه ) ، الأول : أن الشعاع منحدر من ذيه والمنحدر متحرك بالبديهة . والثاني : أنه يتحرك وينتقل بحركة المضىء . والثالث : أنه قد ينعكس عما يلقاه إلى غيره والانعكاس حركة والجواب : أن قولهم : الشعاع منحدر فهو باطل وإلا لرأيناه في وسط المسافة بل الشعاع يحدث في المقابل القابل دفعة ولما كان حدوثه من شيء عال توهم أنه ينزل . وأما حديث الانتقال فيرد عليه أن الظل ينتقل مع أنه ليس بجسم فالحق أنه كيفية حادثة في المقابل ، وعند زوال المحاذاة عنه إلى قابل آخر يبطل النور عنه ويحدث في ذلك الآخر ، وكذلك القول في الانعكاس فإن المتوسط شرط لأن يحدث الشعاع من المضىء في ذلك الجسم .

ثم القائلون بأنه كيفية اختلفوا فمنهم من زعم أنه عبارة عن ظهور اللون فقط وزعموا أن الظهور المطلق هو الضوء ، والخفاء المطلق هو الظلمة ، والمتوسط بين الأمرين هو الظل وتختلف مراتبه بحسب مراتب القرب والبعد عن الطرفين وأطالوا الكلام في تقرير ذلك بما لا يجدي نفعاً ولا يأبى أن يكون الضوء كيفية وجودية زائدة على ذات اللون كما يدل عليه أمور . الأول : أن ظهور اللون إشارة إلى تجدد أمر فهو إما أن يكون اللون أو صفة غير نسبية أو صفة نسبية ، والأول : باطل لأنه لا يخلو إما أن يجعل النور عبارة عن تجدد اللون أو عن اللون المتجدد والأول يقتضي أن لا يكون الشيء مستنيراً إلا أن تجدده . والثاني : يوجب أن يكون الضوء نفس اللون فلا يبقى لقولهم الضوء ظهور اللون معنى ، وإن جعلوا الضوء كيفية ثبوتية زائدة على ذات اللون وسموه بالظهور عاد النزاع لفظياً . وإن زعموا أن ذلك الظهور تجدد حالة نسبية فذاك باطل لأن الضوء أمر غير نسبي فلا يمكن أن يفسر بالحالة النسبية . الثاني : أن البياض قد يكون مضيئاً ومشرقاً وكذلك السواد فإن الضوء ثابت لهما جميعاً فلو كان كون كل منهما مضيئاً نفس ذاته لزم أن يكون الضوء بعضه مضاداً للبعض وهو محال إذ الضوء لا يقابله إلا الظلمة .

الثالث : أن اللون يوجد من غير الضوء فإن السواد مثلاً قد لا يكون مضيئاً وكذلك الضوء قد يوجد بدون اللون مثل الماء والبلور إذا كانا في ظلمة ووقع الضوء عليه وحده فإنه حينئذٍ يرى ضوؤه فذلك ضوء وليس بلون فإذا وجد كل منهما دون الآخر فلا بد من التغاير . الرابع : أن المضىء للون تارة ينعكس منه الضوء وحده إلى غيره وتارة ينعكس منه الضوء واللون وذلك إذا كان قوياً فيهما جميعاً فلو كان الضوء ظهور اللون لاستحال أن يفيد غيره بريقاً ساذجاً ، وكون هذا البريق عبارة عن إظهار لون ذلك القابل يرد عليه أنه لماذا إذا اشتد لون الجسم المنعكس منه وضوؤه أخفى لون المنعكس إليه وأبطله وأعطاه لون نفسه إلى غير ذلك من الأدلة ، وفرق الإمام بين النور والضوء والشعاع والبريق بأن الأجسام إذا صارت ظاهرة بالفعل مستنيرة فإن ذلك الظهور كيفية ثابتة فيها منبسطة عليها من غير أن يقال : إنها سواد أو بياض أو حمرة أو صفرة ، والآخر اللمعان وهو الذي يترقرق على الأجسام ويستر لونها وكأنه شيء يفيض منها وكل واحد من القسمين إما أن يكون من ذاته أو من غيره فالظهور للشىء الذي من ذاته كما للشمس والنار يسمى ضوءاً والظهور الذي للشيء من غيره يسمى نوراً ، والترقرق الذي للشيء من ذاته كما للشمس يسمى شعاعاً . والذي يكون للشيء من غيره كما للمرآة يسمى بريقاً . وقد تقدم لك الكلام في الفرق بين النور والضوء في سورة البقرة أيضاً ، وكذا الكلام في الظلمة والنسبة بينها وبين النور ، والمشهور أن بينهما تقابل العدم والملكة ، ولهذا قدمت الظلمات على النور في الآية الكريمة فقد صرحوا بأن الإعدام مقدمة على الملكات .

وتحقيق ذلك على ما ذكره بعض المحققين أنه إذا تقابل شيئان أحدهما وجودي فقط فإن اعتبر التقابل بالنسبة إلى موضوع قابل للأمر الوجودي إما بحسب شخصه أو بحسب نوعه أو بحسب جنسه القريب أو البعيد فهما العدم والملكة الحقيقيان أو بحسب الوقت الذي يمكن حصوله فيه فهما العدم والملكة المشهوران ، وإن لم يعتبر فيهما ذلك فهما السلب والإيجاب ، فالعدم المشهوري في العمى والبصر هو ارتفاع الشيء الوجودي كالقدرة على الإبصار مع ما ينشأ من المادة المهيئة لقبوله في الوقت الذي من شأنها ذلك فيه كما حقق في «حكمة العين وشرحها » ، فإذا تحقق أن كل قابل لأمر وجودي في ابتداء قابليته واستعداده متصف بذلك العدم قبل وجود ذلك الأمر بالفعل تبين أن كل ملكة مسبوقة بعدمها لأن وجود تلك الصفة بالقوة وهو متقدم على وجودها بالفعل . وقال المولى ميرزاجان : لا بد في تقابل العدم والملكة أن يؤخذ في مفهوم العدمي كون المحل قابلاً للوجودي ، ولا يكفي نسبة المحل القابل للوجودي من غير أن يعتبر في مفهوم العدمي كون المحل قابلاً له ، ولذا صرحوا بأن تقابل العدم والوجود تقابل الإيجاب والسلب .

قال في «الشفاء » : العمى هو عدم البصر بالفعل مع وجوده بالقوة ، وهذا مما لا بد منه في معناه المشهور انتهى ، وبه يندفع بعض الشكوك التي عرضت لبعض الناظرين في هذا المقام ، وقيل في تقدم عدم الملكة على الوجود : إن عدم الملكة عدم مخصوص والعدم المطلق في ضمنه وهو متقدم على الوجود في سائر المخلوقات . ولذا قال الإمام : إنما قدم الظلمات على النور لأن عدم المحدثات متقدم على وجودها كما جاء في حديث رواه أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ، وفي أخرى ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه نوره اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك جف القلم بما هو كائن . وعليه الظلمة في الخبر بمعنى العدم والنور بمعنى الوجود ولا يلائمه سياق الحديث ، والظاهر ما قيل الظلمة عدم الهداية وظلمة الطبيعة والنور الهداية ، ومن المتكلمين من زعم أن الظلمة عرض يضاد النور واحتج لذلك بهذه الآية ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل ، وتحقيقه على ما قيل أن الجعل هنا ليس بمعنى الخلق والإيجاد بل تضمين شيء شيئاً وتصييره قائماً به قيام المظروف بالظروف أو الصفة بالموصوف والعدم من الثاني فصح تعلق الجعل به وإن لم يكن موجوداً عينياً ، وفي «الطوالع » أن العدم المتجدد يجوز أن يكون بفعل الفاعل كالوجود الحادث فافهم ذاك والله تعالى يتولى هداك .

{ ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } يحتمل أن يكون { يَعْدِلُونَ } فيه من العدل بمعنى العدول أو منه بمعنى التسوية ، والكفر يحتمل أن يكون بمعنى الشرك المقابل للإيمان أو بمعنى كفران النعمة ، والباء يحتمل أن تتعلق بكفروا وأن تتعلق بيعدلون ، وعلى التقادير فالجملة إما إنشائية لإنشاء الاستبعاد أو إخبارية واردة للإخبار عن شناعة ما هم عليه ، ثم هي إما معطوفة على جملة { الحمد للَّهِ } إنشاءً أو إخباراً أو على قوله سبحانه : { خُلِقَ } صلة { الذى } أو على { الظلمات } مفعول { جَعَلَ } فالاحتمالات ترتقي إلى أربعة وستين حاصلة من ضرب ستة عشر احتمالات المعطوف في أربعة أعني احتمالات المعطوف عليه وإذا لوحظ هناك أمور أخر مشهورة بلغت الاحتمالات أربعة آلاف وزيادة ولكن ليس لنا إلى هذه الملاحظة كبير داع ، والذي اختاره كثير من المحققين من تلك الاحتمالات أن تكون الجملة معطوفة على جملة الحمد والعدل بمعنى العدول أي الانصراف والجار متعلق بكفروا وهو من الكفر بمعنى الشرك أو كفران النعمة ويقدر مضاف بعد الجار ، والمعنى أن الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلق من النعم الجسام التي أنعم بها على الخاص والعام ثم الذين أشركوا به أو كفروا بنعمه يعدلون فيكفرون نعمه ، وأن تكون معطوفة على جملة الصلة والعدل بمعنى التسوية والجار متعلق به والكفر بأحد المعنيين .

والمعنى أنه سبحانه خلق هذه النعم الجسام والمخلوقات العظام التي دخل فيها كل ما سواه ، ثم إن هؤلاء الكفرة أو هؤلاء الجاحدين للنعم يسوون به غيره ممن لا يقدر عليها وهم في قبضة تصرفه ومهاد تربيته .

و { ثُمَّ } لاستبعاد ما وقع من الذين كفروا أو للتوبيخ عليه كما قال ابن عطية ، وجعلها أبو حيان لمجرد التراخي في الزمان وهو وإن صح هنا باعتبار أن كل ممتد يصح فيه التراخي باعتبار أوله والفور باعتبار آخره كما حققه النحاة إلا أن ما ذكر أوفق بالمقام ، ونكتة وضع الرب موضع ضميره تعالى على كل تقدير تأكيد أمر الاستبعاد ، ووجه جعل الباء متعلقة بيعدلون على أحد احتماليه وبكفروا على الاحتمال الآخر أنه إذا كان من العدل بمعنى التسوية يقتضي التوصل بالباء بخلاف ما إذا كان منه بمعنى العدول ، فالظاهر أنها حينئذٍ متعلقة بما قبلها ، وما قاله المحقق التفتازاني من أنه لا مخصص لكل من توجيهي { بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } بواحد من العطفين يمكن دفعه بأن وجه تخصيص كل بما خصص به اتساق نظم الآية حينئذٍ وظهور شدة المناسبة بين ما عطف بثم الاستبعادية وبين ما عطف عليه ، وذلك لأنه إذا قيل مثلاً في الصورة الأولى إن الله تعالى استحق جميع المحامد من العباد فهم أن العدول عنه تعالى والإعراض عن حمده سبحانه في غاية الاستبعاد فيناسب أن يقال : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون عنه فلا يحمدونه ولا يلتفتون لفتة ، ولا يناسب أن يقال : إنهم يسوون به غيره إذ لم يسبق صريحاً وبالقصد الأولي ما ينفي التسوية ، وإذا قيل مثلاً في الصورة الثانية : إنه جعل شأنه خلق هذه الأجسام العظام مما لا يقدر عليه أحد ناسب في الاستبعاد أن يقال : ثم الذين كفروا يسوون به ما لا يقدر على شيء لا أنهم لا يحمدونه ويعرضون عنه .

وقال بعض المحققين : إذا كان المعنى على الأول : الحمد والثناء مستحق للمنعم بهذه النعم الشاملة سائر الأمم فكيف يتأتى من الكفرة والمشركين المستغرقين في بحار إحسان العدول عنه ، وعلى الثاني : المعروف بالقدرة على إيجاد هذه المخلوقات العظام التي دخل فيها كل ما سواهه من الخاص والعام كيف يتسنى لهؤلاء الكفرة أو لهؤلاء الجاحدين للنعم أن يسووا به غيره وهم في قبضته ، فوجه التخصيص في الأول : أنه لا يخفى استبعاد انصراف العبد عن سيده وولى نعمته إلى سواه بخلاف التسوية فإن المنعم قد يساويه غيره ممن يحسن إلى غيره ، وفي الثاني : أن استبعاد التسوية عليه مما لا يكاد يتصور بخلاف العدول عنه فإنه قد يتصور لجهل العادل بحقه وما يليق بحقه فإن العدول لا ينافي عدم المعرفة بخلاف التسوية فإنه لا يسوي بين شيئين لا يعرفهما بوجه ما فتدبر .

واعترض غير واحد على العطف على الصلة بأنه لا وجه لضم ما لا دخل له في استحقاق الحمد إلى ماله ذلك ثم جعل المجموع صلة في مقام يقتضي كون الصلة محموداً عليه . وأجيب بأن في الكلام على ذلك التقدير إشارة إلى علو شأنه تعالى وعموم إحسانه للمستحق وغيره حيث ينعم بمثل تلك النعم الجليلة على من لا يحمده ويشرك به جل شأنه ، وفي ذلك تعظيم منبىء عن كمال الاستحقاق ، وقد يقال : وقوع هذا المعطوف موقع المحمود عليه باعتبار معنى التعظيم المستفاد من إنكار مضمونه فكأنه قيل الحمد لله جل جنابه عن أن يعدل به شيء لكن لا يخفى أن المحمود عليه يجب في المشهور أن يكون جميلاً اختيارياً ، وما ذكر ليس كذلك فعليه لا بد من التأويل .

وذكر شيخ الإسلام في الاعتراض على العطف المذكور «أن ما ينتظم في سلك الصلة المنبئة عن موجبات حمده تعالى حقه أن يكون له دخل في ذلك الإنباء ( ولو ) في الجملة ولا ريب في أن كفرهم بمعزل عنه ، وادعاء أن له دخلاً فيه لدلالته على كمال الجود كأنه قيل : الحمد لله الذي أنعم بمثل هذه النعم العظام على من لا يحمده تعسف لا يساعده النظام وتعكيس يأباه المقام كيف لا وسياق النظم الكريم كما تفصح عنه الآيات ( الآتية ) ( 1 ) لتوبيخ الكفرة ببيان غاية إساءتهم في حقه سبحانه وتعالى مع نهاية إحسانه تعالى إليهم لا بيان ( نهاية ) ( 1 ) إحسانه تعالى إليهم مع غاية إساءتهم في حقه عز وجل كما يقتضيه الادعاء المذكور ، وبهذا اتضح أنه لا سبيل إلى جعل المعطوف من روادف المعطوف عليه لما أن حق الصلة أن تكون غير مقصودة الإفادة فما ظنك بروادفها ؛ وقد عرفت أن المعطوف هو الذي سيق له الكلام » انتهى . ورد بأنه لا شك في أنه على هذا الوجه يراد الحمد لله الذي أنعم بهذه النعم الجسام على من لا يحمده ولا تعسف فيه لبلاغته ، وادعاء التعكيس ممنوع فإن المقام مقام الحمد كما تفيده الجملة المصدر بها وما بعده كلام آخر ولا يترك مقتضى مقام لأجل مقتضى مقام آخر إذ لكل مقام مقال .

واعترض أيضاً بأنه لا يصح من جهة العربية لأن الجملة خالية من رابط يربطها بالموصول اللهم إلا أن يخرج على نحو قولهم : أبو سعيد رويت عن الخدري حيث وضع الظاهر موضع الضمير وكأنه قيل : ثم الذين كفروا به يعدلون إلا أن هذا من الندور بحيث لا يقاس عليه فلا ينبغي حمل كتاب الله تعالى على مثله مع إمكان حمله على الوجه الصحيح الفصيح .

وأجيب بأنه لا يلزم من ضعف ذلك في ربط الصلة ابتداء ضعفه فيما عطف عليها فكثيراً ما يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره ، والجواب بأن هذا العطف لا يحتاج إلى الرابط عجيب لأنه لم يقل أحد من النحاة : إن المعطوف على الصلة بثم يجوز خلوه عن الرابط وغاية ما ذكروه أنه نكتة للربط بالاسم .

واعترض شيخ الإسلام على احتمال أن يراد بالعدل العدول مع اعتبار التشنيع عليهم بعدم الحمد «بأن كفرهم به تعالى لا سيما باعتبار ربوبيته أشد شناعة وأعظم جناية من عدولهم عن حمده سبحانه ( لتحققه مع إغفاله أيضاً ) فجعل أهون الشرين عمدة في الكلام مقصوداً بالإفادة وإخراج أعظمهما مخرج القيد المفروغ منه مما لا عهدة له في الكلام السديد فكيف بالنظم التنزيلي » ؛ وأجيب بأنه لما كان المقام مقام الحمد ناسب التشنيع عليهم بذلك فلا يرد اعتراض الشيخ وقد ذكر هو قدس سره توجيهاً للآية وادعى أنه الحقيق بجزالة التنزيل ، وحط عليه الشهاب فيه ولعل الأمر أهون من ذلك ، والذي تصدح به كلماتهم أن صلة { يَعْدِلُونَ } على تقدير أن يكون من العدل بمعنى العدول متروكة ليقع الإنكار على نفس الفعل ، وإنما قدروا له مفعولاً على تقدير أن يكون من العدل بمعنى التسوية فقالوا : غيره أو الأوثان لأنه لا يحسن إنكار العدل بخلاف إنكار العدول ، ونظر في ذلك بأن مجرد العدول بدون اعتبار متعلقه غير منكر ألا ترى أن العدول عن الباطل لا ينكر فالظاهر اعتبار المتعلق إلا أنه حذف لأجل الفاصلة كما أن تقديم { بِرَبّهِمْ } على احتمال تعلقه بما بعد لذلك ، ويجوز أن يكون للاهتمام .

وقال بعض المحققين : إن هذا وإن تراءى في بادىء النظر لكنه عند التحقيق ليس بوارد لأن العدول وإن كان له فردان أحدهما مذموم وهو العدول عن الحق إلى الباطل وممدوح وهو العدول عن الباطل إلى الحق لكن العدول الموصوف به الكفار لا يحتمل الثاني فلتعينه لا يحتاج إلى تقدير متعلق وتنزيله منزلة اللازم أبلغ عند التأمل بخلاف التسوية فإنها من النسب التي لا تتصور بدون المتعلق فلذا قدروه . ومن هذا يعلم أن تنزيل الفعل منزلة اللازم الشائع فيما بينهم إنما يكون أو يحسن فيما ليس من قبيل النسب . هذا وأخرج ابن الضريس في «فضائل القرآن » . وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن كعب قال : فتحت التوراة ب { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ * السموات والارض *وَجَعَلَ الظلمات والنور ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } وختمت ب { الحمد لِلَّهِ الذى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } إلى قوله سبحانه وتعالى { وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا } [ الإسراء : 111 ] .

( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض } أي سموات عالم الأرواح وأرض عالم الجسم ، ويقال : الروح سماء القلب لأن منها ينزل غيث الإلهام والقلب أرضها لأنه فيه ينبت زهر الحكمة ونور المعرفة { وَجَعَلَ الظلمات } أي وأنشأ في عالم الجسم ظلمات المراتب التي هي حجب ظلمانية للذات المقدس وأنشأ في عالم الأرواح نور العلم والإدراك ، ويقال : الظلمات الهواجس والخواطر الباطلة والنور الإلهام وقال بعضهم : الظلمات أعمال البدن والنور أحوال القلب . ثم بعد ظهور ذلك { الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } [ الأنعام : 1 ] غيره ويثبتون معه سبحانه وتعالى من يساويه في الوجود وهو الله الذي لا نظير له في سائر صفاته

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

المجلد الخامس

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .

وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة الأنعام ، حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وهدايات محكمة ، ووصايا جليلة ، وحجج باهرة تقذف حقها على باطل الملحدين فتدمغه فإذا هو زاهق ، وتقيم الأدلة الساطعة على وحدانية الله وعلى صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحة البعث والحساب ، والثواب والعقاب .

وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ في تفسير هذه السورة الكريمة ، أن أقدم بين يديها تعريفاً لها ، أتحدث فيه عن زمان ومكان نزولها ، وعن طبيعة الفترة التي نزلت فيها ، وعن سبب تسميتها بهذا الاسم ، وعن مناسبتها لما قبلها وعن المقاصد والأهداف التي اشتملت عليها ، وعن فضائل هذه السورة الكريمة ومزاياها . .

والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه ، ونافعاً لعباده ، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

د . محمد سيد طنطاوي .

تمهيد بين يدي السورة

1- متى نزلت سورة الأنعام ؟

سورة الأنعام عدد آياتها خمس وستون ومائة آية وهي أول سورة مكية من طوال المفصل بالنسبة لترتيب المصحف ، وتعتبر بالنسبة لهذا الترتيب السورة السادسة ، فقد سبقتها سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، وهي سور مدنية باستثناء سورة الفاتحة .

أما ترتيبها في النزول فقد قال العلماء : إنها السورة السادسة والخمسون ، وإن نزولها كان بعد نزول سورة " الحجر " .

ويغلب على الظن أن نزول سورة الأنعام كان في السنة الرابعة من البعثة النبوية الشريفة ، وذلك لأن سورة الحجر التي نزلت قبلها فيها آية تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجهر بدعوته وهي قوله –تعالى- [ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ]( {[1]} ) .

ومن المعروف تاريخيا أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث يدعو الناس سرا إلى عبادة الله زهاء ثلاث سنين ، ثم بدأت مرحلة الجهر بالدعوة في السنة الرابعة من البعثة بعد أن أمره الله بأن يصدع بما يؤمر به ، أي يجهر بما يكلف بتبليغه للناس ، مأخوذ من صدع بالحجة إذا جهر بها .

قال ابن إسحاق عند حديثه عن مرحلة الجهر بالدعوة الإسلامية : " ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به ، ثم إن الله –تعالى- أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه ، وأن يبادي الناس بأمره ، وأن يدعو إليه ، وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله –تعالى- بإظهار دينه ثلاث سنين –فيما بلغني- من مبعثه ، ثم قال الله –تعالى- له : [ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ] ( {[2]} ) .

2- طبيعة الفترة التي نزلت فيها سورة الأنعام :

قلنا إن سورة الأنعام نزلت –غالبا في السنة الرابعة من البعثة النبوية ، وهذه من تاريخ الدعوة الإسلامية كانت فترة نضال فكري عنيف بين الإسلام والشرك ، ففيها بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بدعوته ويصارح قريشا برسالته ، ويدعوهم بأعلى صوته إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ويبين لهم بجرأة ووضوح بطلان عقائدهم ، وسخافة تفكيرهم واعوجاجهم عن الطريق المستقيم .

وأخذ المشركون يدافعون عن معتقداتهم بكل وسيلة بعد أن رأوا الدعوة الإسلامية يزداد نورها يوما بعد يوم ، ورأوا أتباع النبي صلى الله عليه وسلم يزيدون ولا ينقصون ، ويجهرون بتعاليم دينهم بعد أن كانوا يخفونها ويتحملون في سبيل نشرها الكثير من ألوان التعذيب والترهيب .

وقد صور بعض العلماء طبيعة هذه الفترة التي كانت تجتازها الدعوة الإسلامية عند نزول سورة الأنعام فقال :

" وهذه الفترة من فترات الدعوة الإسلامية كانت فترة عنيفة أشد العنف ، مملوءة بالمقاومة من الجانبين كأعظم ما تكون المقاومة ، فالمشركون مأخوذون بهذا النجاح الذي صارت إليه الدعوة حتى استطاعت أن تستعلن بعد الخفاء ، وأن تتحدى في صوت عال ، ونداء جهير ، بعد ما كان المؤمنون بها يلجأون إلى الشعاب والأماكن البعيدة ليؤدوا صلاتهم ، والرسول صلى الله عليه وسلم ماض فيما أمره به ربه من الصدع بدعوة الحق ، يتلو عليهم ما أنزله الله عليه من كتابه ، وفيه إنذار لهم وتفنيد لمعتقداتهم ، وتسفيه لآرائهم ، وإنكار لآلهتهم ، وتهكم بأوثانهم وتقاليدهم البالية .

يومئذ واجهت دعوة الحق أعداءها مسفرة واضحة متحدية ، ووقف هؤلاء الأعداء مشدوهين مضطربين يشعرون في أعماق نفوسهم بصدقها وكذبهم ، ويترقبون يوما قريبا لانتصارها وانهزامهم ، ولا يجدون لهم حيلة إلا المكابرة والمعارضة المستميتة بما درجوا عليه من العقائد الباطلة ، بادعائهم كذب الرسول صلى الله عليه وسلم وبزعمهم أن إرسال الرسل من البشر أمر لم يقع من قبل ، وأن الله لو شاء إبلاغ عباده شيئا لأنزل إليهم ملائكة ، وإنكارهم البعث والدار الآخرة ، واستماتوا في الدفاع عن عقائدهم وآلهتهم ، ونسوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم عاش فيهم عمرا طويلا لم يقل فيه يوما قولة كاذبة ، ولم يخن فيه يوما أمانة أؤتمن عليها ، وأنهم لذلك كانوا يلقبونه بالصادق الأمين .

لم يذكروا شيئا من ذلك ولم يفكروا فيه ، ولكنهم فكروا فقط ف أن الدعوة الجديدة التي استعلنت بعد استخفاء ، وتحدت بعدما ظنوه بها من الاستخذاء ، يجب أن تموت في مهدها ويجب أن تكتم أنفاسها قبل أن تنبعث حرارة هذه الأنفاس إلى البلاد والقبائل والشعوب .

ورحبت الدعوة الإسلامية بهذا النضال ، وتحملت أعباءه وأثقاله ، وكان ذلك أول النصر ، لأن النور لا يظهر إلا بعد الاحتكاك .

وأخذت سور القرآن في هذه المرحلة تتلاحق ، وأخذت آياتها تتعاون وتتآزر ، وكانت أغراضها متشابهة إلى حد بعيد ، وكان أولها وأحفلها بما نزلت له من أغراض بعد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإعلان الدعوة والصدع بها ، هو سورة " الأنعام " ؛ فقد جمعت كل العقائد الصحيحة ، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين ، وتفنيد شبه الملحدين ، وإبطال العقائد الفاسدة ، وتركيز مبادئ الأخلاق الفاصلة( {[3]} ) .

وبذلك يتبين لنا أن ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد وأهداف وأحكام ومعتقدات يوافق كل الموافقة طبيعة المرحلة التي كانت تجتازها الدعوة الإسلامية في ذلك الوقت .

3- أين نزلت سورة الأنعام :

يرى جمهور العلماء أن سورة الأنعام كلها مكية ، ويرى فريق منهم أنها كلها نزلت بمكة ما عدا الآيات 20 ، 23 ، 91 ، 93 ، 104 ، 141 ، 151 ، 152 ، 153 .

ولعل الذي حمل أصحاب هذا الرأي على القول بأن هذه الآيات التسع مدنية ورود بعض الروايات بذلك ، وأنها آيات نزلت في بيان أحكام تتعلق بالحلال والحرام من التكاليف العملية ، وهي لهذا كانت أنسب بالمدينة .

والذي تطمئن إليه النفس وعليه المحققون من المفسرين أن سورة الأنعام قد نزلت كلها بمكة جملة واحدة ، ويشهد لما ذهبنا إليه ما يأتي :

( أ‌ ) كثرة الآثار التي صرحت بنزولها بمكة دفعة واحدة ، ومن هذه الآثار ما ورد عن ابن عباس أنه قال : لقد نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح .

وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد( {[4]} ) .

( ب‌ ) المحققون من المفسرين عندما بدأوا في تفسير سورة الأنعام صرحوا بأنها جميعها مكية وأنها قد نزلت جملة واحدة ، وتجاهلوا قول القائل إن فيها آيات مدنية .

فهذا –مثلا- الإمام ابن كثير ساق في مطلع تفسيره لهذه السورة الروايات التي تثبت أنها مكية ، ولم يذكر رواية واحدة تثبت أن فيها آية أو آيات قد نزلت بالمدينة .

وابن كثير –كما نعرف- من الحفاظ النقاد الذين يعرفون كيف يتخيرون الروايات ، وكيف يميزون بين صحيحها وضعيفها .

( ج ) الروايات التي اعتمد عليها القائلون بأن تلك الآيات التسع مدنية روايات فيها مقال ، ولم يعتمدها المحققون من العلماء ، فقد نقل السيوطي عن ابن الحصار قوله :

استثنى من سورة الأنعام تسع آيات –مدنية- ولا يصح به نقل ، خصوصا وأنه قد ورد أنها نزلت جملة( {[5]} ) .

( د ) الذي يقرأ سورة الأنعام بتدبر يجد فيها سمات القرآن المكي واضحة جلية ، فهي تتحدث باستفاضة عن وحدانية الله ، وعن مظاهر قدرته ، وعن صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته ، وعن الأدلة الدامغة التي تؤيد صحة البعث والثواب والعقاب يوم القيامة ، إلى غير ذلك من المقاصد التي كثر الحديث عنها في القرآن المكي .

ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية ذات شأن كبير في تركيز الدعوة الإسلامية ، تقرر حقائقها ، وتفند شبه المعارضين لها ، واقتضت لذلك الحكمة الإلهية أن تنزل –مع طولها وتنوع آياتها- جملة واحدة ، وأن تكون ذات امتياز خاص لا يعرف لسواها كما قرره جمهور العلماء .

ومن ذلك يتبين أنه لا مجال للقول بأن بعضها من قبيل المدني ، ولا بأن آية كذا نزلت في حادثة كذا ، فكلها جملة واحدة نزلت بمكة لغاية واحدة ، هو تركيز الدعوة بتقرير أصولها والدفاع عنها( {[6]} ) .

هذه بعض الأدلة التي تجعلنا نرجح أن سورة الأنعام كلها مكية ، وأنها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة .

4- لماذا سميت بسورة الأنعام ؟

الأنعام لغة تطلق على ذوات الخف والحافر من الحيوان ، وهي –الإبل والبقر والغنم- وقد سميت سورة الأنعام بهذا الاسم ، لأنها فصلت الحديث عن هذه الأنواع بطريقة متعددة الجوانب ، متنوعة الأهداف .

وقد تكرر لفظ الأنعام في تلك السورة ست مرات في أربع آيات .

أما الآية الأولى فقد حكى القرآن فيها ما كانوا يفعلونه من قسمتهم الحرث والأنعام إلى قسمين : قسم جعلوه لله يتقربون به إليه عن طريق إكرام الضيف ومساعدة المحتاج .

وقسم جعلوه لألهتهم فذبحوه على الأنصاب ، وأنفقوا منها على سدنتها وخدمتها ، ثم هم بعد ذلك العمل الباطل لا يعدلون في القسمة ، يجورون أحيانا على القسم الذي جعلوه لله ؛ بينما يتحرزون عن الجور على القسم الذي جعلوه لشركائهم .

قال تعالى : [ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ، فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ، فما كان لشركائنا فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ]( {[7]} ) .

وأما الآية الثانية فقد ورد فيها لفظ " الأنعام " ثلاث مرات ، وقد كشف القرآن فيها عن بعض أعمال المشركين المنكرة ، وهي أنهم جعلوا الأنعام ثلاثة أقسام :

قسما لا يأكل منه عند ذبحه إلا سدنة الأوثان والرجال دون النساء . وقسما يحرم ركوبه كالبحيرة والسائبة والحامي ، وقسما لا يذكرون اسم الله عليه عند الذبح وإنما يذكرون أسماء آلهتهم .

قال تعالى : [ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ، وأنعام حرمت ظهورها ، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه ، سيجزيهم بما كانوا يفترون ]( {[8]} ) .

وفي الآية الثالثة تحدث القرآن عن لون من ألوان ظلمهم وجهلهم ، فقد كانوا يجعلون بعض ما في بطون أنعامهم إذا نزل حياً كان خاصاً بالرجال دون النساء ، وإذا نزل ميتاً فالرجال والنساء فيه شركاء .

قال تعالى : [ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ، سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ]( {[9]} ) .

أما الآية الرابعة ، فقد بين القرآن فيها جانباً من نعم الله على عباده ، إذ جعل لهم من الأنعام أنواعا تذبح لينتفعوا بلحومها وشحومها وجلودها وأنواعا تحمل أثقالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس .

قال تعالى : [ ومن الأنعام حمولة وفرشاً ، كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ]( {[10]} ) .

وهناك آيات أخرى سوى هذه الآيات السابقة تناول الحديث فيها أحكاماً أخرى تتعلق بالأنعام ، وسنفصل القول فيها عند تفسيرنا لها – بعون الله-تعالى- .

5- مناسبتها لما قبلها :

وقد جرت عادة بعض المفسرين أن يعقدوا مناسبة بين السورة وبين سابقتها ، ولعل أكثرهم توسعاً في ذلك الإمام الآلوسي فقد قال : " ووجه مناسبتها لآخر المائدة أنها افتتحت بالحمد والمائدة اختتمت بفصل القضاء وهما متلازمان ، كما قال –سبحانه- [ وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ]( {[11]} ) .

وقال الجلال السيوطي في وجه المناسبة : " إنه –تعالى- لما ذكر في آخر المائدة [ لله ملك السموات والأرض وما فيهن ] على سبيل الإجمال ، افتتح –جل شأنه- هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله ، فبدأ –سبحانه- بذكر خلق السموات والأرض ، وضم –تعالى- إليه أنه جعل الظلمات والنور ، وهو بعض ما تضمنه ما فيهن ، ثم ذكر أنه خلق النوع الإنساني وقضى له أجلا وجعل له أجلا آخر للبعث ، وأنه –جل جلاله- منشئ القرون قرنا بعد قرن ، ثم قال –تعالى- [ قل لمن ما في السموات والأرض ] الخ . فأثبت له ملك جميع المظروفات لظرف المكان . ثم قال [ وله ما سكن في الليل والنهار ] فأثبت أنه ملك جميع المظروفات لظرف الزمان ، ثم ذكر –سبحانه- خلق سائر الحيوان من الدواب والطير ، ثم خلق النوم واليقظة والموت ، ثم أكثر في أثناء السورة من ذكر الإنشاء والخلق لما فيهن من النيرين والنجوم وفلق الإصباح وفلق الحب والنوى ، وإنزال الماء وإخراج النبات والثمار بأنواعها ، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات إلى غير ذلك مما فيه تفصيل ما فيهن " .

هذا ، وقد عقد فضيلة الشيخ محمود شلتوت –رحمه الله- مقارنة لسورة الأنعام- وهي سور : البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة ، فهي بحكم مدنيتها تشترك كلها في هدف واحد وهو تنظيم شئون المسلمين بالتشريع لهم باعتبارهم أمة مستقلة ، وبإرشادهم إلى مناقشة أهل جوارهم فيما يتصل بالعقيدة والأحكام ، وإلى الأساس الذي يرجعون إليه ويحكمونه في التعامل معهم في حالتي السلم والحرب ، وقلما تعرض هذه السور المدنية إلى شيء من شئون الشرك ومناقشة المشركين .

وهذه السور مع اشتراكها في أصل الهدف العام ، تختلف قلة وكثرة فيما تتناوله من التشريع الداخل الخاص بالمسلمين ، والتشريع الخارجي الذي يرتبط بهم مع من يخالفهم في الدين .

إن سورة البقرة قد نزلت في أوائل الهجرة ، وقد صار للمسلمين بالهجرة كيان خاص وجوار خاص ، وبذلك كان أمامها هدفان :

الأول : نظم يأخذ بها المسلمون أنفسهم في عباداتهم ومعاملاتهم : شخصية ومدنية وجنائية .

والهدف الآخر : إرشاد إلى طريق المناقشة فيما كان مجاوروهم يثيرونه حول الدين والدعوة من شبه وتشكيكات ، وقد تجلى هذان الهدفان بصورة واضحة في سورة البقرة ، برز أحد الهدفين في نصفها الأول ، وبرز الهدف الثاني في نصفها الأخير ، واقرأ في الأول على وجه عام من قوله –تعالى- [ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون ] ( الآية 40 ) إلى قوله –تعالى- : [ ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق . وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ] ( الآية 176 ) .

واقرأ في الهدف الثاني قوله –تعالى- : [ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ] ( الآية 177 ) إلى نهاية الآية 283 : [ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ] .

وقد عرضت في هذا السبح الطويل بعد أن أجملت أوصاف الصادقين في إيمانهم المتقين في أعمالهم لجملة من الأحكام التي تسوس الأمة فيما بينها .

عرضت القصاص ، والوصية ، والصيام ، والقتال ، وبعض أحكام الحج . الخ .

ثم تجيء سورة آل عمران ، فتصرف عناية خاصة إلى مناقشة النصارى في قضية الألوهية ، وإلى كشف بعض صور التزييف التي كان يصطنعها أهل الكتاب إخفاء لحق الإسلام ودعوته .

ثم ترشد المسلمين إلى ما يحفظ عليهم شخصيتهم ، ويقيهم شر الوقوع في مخالب الأعداء وترسم لهم في ذلك الطرق الحكيمة التي تجعل منهم قوة الجهاد في تأييد الحق وهزيمة الباطل .

وعلى أساس من مشاركة سورة النساء لزميلاتها المدنيات في أصل الهدف تناولت الأمرين : تنظيم جماعة المسلمين ، ومناقشة أهل الكتاب في موضوع الألوهية والرسالة ، غير أن عنايتها بجانب التنظيم كانت أشد من عنايتها بجانب المناقشة .

ثم تجيء سورة المائدة فتأخذ سبيل أخواتها أيضاً ، فتشرع للمسلمين في خاصة أنفسهم ، وفي معاملة من يخالطون من أهل الكتاب ، مع الإرشاد إلى طرق محاجتهم والتنبيه على أخطائهم وتحريفهم للكلم عن مواضعه . وتذكيرهم بسيئاتهم مع أنبيائهم . وقد استغرق ذلك معظم السورة .

أما سورة الأنعام فإنها لم تعرض لهدف من الأهداف الأصلية التي تميزت بها السور الأربع المدنية قبلها .

فهي أولا : لم تعرض لشيء من الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين ، كالصوم والحج في العبادات ، والعقوبات في الجنايات ، والمداينة والربا في الأموال ، وأحكام الأسرة في الأحوال الشخصية .

وهي ثانياً : لم تذكر في قليل ولا كثير شيئاً يتعلق بالقتال ومحاربة الخارجين عن دعوة الإسلام .

وهي ثالثاً : لم تتحدث في شيء ما عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى وكذلك لم تتحدث عن طوائف المنافقين ولا عن أخلاقهم السيئة ومسالكهم المظلمة .

وهي رابعاً : لا نجد فيها مع ذلك كله نداء واحدا للمؤمنين باعتبارهم جماعة تنتظمها وحدة الإيمان ، لا نجد فيها شيئاً من هذا كله كما وجدناه جميعاً في السور الأربع السابقة ، وإنما نجد الحديث فيها يدور بشدة وقوة حول العناصر الأولى للدعوة ، ونجد سلاحها في ذلك ، الحجة المتكررة ، والآيات المصرفة ، والتنويع العجيب في طرق الإلزام والإقناع : تذكر توحيد الله في الخلق وفي الإيجاد ، وفي العبادة والتشريع ، وتذكر موقف المكذبين وتقص عليهم ما حاق بأمثالهم السابقين ، وتذكر شبههم في الرسالة ، وتذكر يوم البعث والجزاء .

ولعلنا بعد هذا نلمس الفرق الجلي الواضح بين منهج سورة الأنعام ، ومنهج السور الأربع المدنية قبلها " ( {[12]} ) .

6- عرض عام لسورة الأنعام :

عندما نفتح كتاب الله لنتدبر ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد حكيمة ، وتوجيهات نافعة ، نراها في مطلعها قد ابتدأت بحمد الله والثناء عليه وبيان استحقاقه لذلك ، لأنه –سبحانه- هو الخالق للسماوات والأرض وما بينهما ، وهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .

قال تعالى : [ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون* هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا ، وأجل مسمى عنده ، ثم أنتم تمترون* وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ] .

ثم تحدثت السورة الكريمة عن طبائع المعاندين ، وأنذرتهم بسوء المصير إذا ما استمروا في عتوهم وجحودهم ، وساقت لهم –ليعتبروا ، ما حل بالمكذبين الذين سبقوهم والذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعاً ، فعليهم أن يفيئوا إلى رشدهم حتى لا يصيبهم ما أصاب المكذبين من قبلهم .

استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البليغ المؤثر ، فيقول تعالى : [ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين* فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون* ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ، ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ] .

ثم تأخذ السورة بعد ذلك في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فترسم صورة عجيبة لمكابرة المشركين وأنهم قد غدوا – لانطماس بصيرتهم واستيلاء الجحود على قلوبهم – لا يجدي معهم توجيه أو دليل ، حتى أنهم لو نزل عليهم كتاب من السماء فلمسوه بأيديهم ، وقرأوه بأعينهم ، وعرفوا منه صدق نبوتك يا محمد ، لقالوا بعد كل ذلك [ إن هذا إلا سحر مبين ] .

قال تعالى : [ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين* وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون* ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون* ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ] .

فإذا ما وصلنا إلى الربع الثاني من سورة الأنعام ، ألفيناها تسوق حشودا من البراهين الدالة على وحدانية الله وقدرته بطريقة تحمل الترغيب تارة والترهيب أخرى ، وبأسلوب يسكب في القلوب السكينة والطمأنينة ، ويقنع العقول السليمة بأن المستحق للعبادة والخضوع إنما هو الله وحده .

[ قل لمن ما في السموات والأرض ، قل لله ، كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون* وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم* قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض وهو يُطعِم ولا يُطعَم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين* قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم* من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين* وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو* وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير* وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير* قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى . قل لا أشهد . قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ] .

ثم ذكرت السورة بعد ذلك حال المكذبين بيوم القيامة . فوضحت أنهم في هذا اليوم الهائل الشديد ينكرون أنهم كانوا مشركين ولكن هذا الإنكار لن ينفعهم شيئا لأن الذي يخاطبهم هو العليم الخبير .

[ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون* ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين* انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ] .

ثم تمضي الآيات في الحديث عن مشاهد يوم القيامة ، فتصور حسرتهم وندمهم عندما يقفون على النار التي كانوا يكذبون بها في الدنيا ، وعندما يقفون أمام ربهم الذي كانوا يشركون معه آلهة أخرى فتقول :

[ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين* بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون* وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين* ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ، قال : أليس هذا بالحق ؟ قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ] .

ثم بعد هذا التصوير المؤثر لأحوال المشركين يوم القيامة ، يتركهم القرآن مؤقتاً ليوجه خطابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسليا له ، ومثبتا لقلبه ، وداعيا إياه إلى الصبر على تحمل الرسالة بدون كلل أو ملل ، وإلى التأسي بمن سبقوه من أولي العزم من الرسل .

قال تعالى : [ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ، فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون* ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ، ولقد جاءك من نبإ المرسلين . وإن كان كبر عليك إعراضهم ، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ] .

أما الربع الثالث من السورة الكريمة فقد افتتح ببيان أن الذين يستجيبون لدعوة الحق إنما هم الدين يسمعون ويتعظون وهم الأحياء حقا ، أما من ماتت قلوبهم فصارت لا تنفتح للحق ، ولا تتقبل الهداية فإن مصيرهم إلى الله ، فهو –سبحانه وتعالى- سيجازيهم بسبب جحودهم وعنادهم ومطالبتهم لنبيهم بالمطالب المتعنتة التي لا فائدة من ورائها .

قال تعالى : [ إنما يستجيب الذين يسمعون ، والموتى يبعثهم الله ، ثم إليه يرجعون* وقالوا : لولا نزل عليه آية من ربه . قل : إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ] .

ثم تدعوهم السورة بعد ذلك بأسلوب تلقيني إنذاري إلى التفكر والتدبر في مظاهر قدرة الله وتبين لهم بطريقة منطقية مقنعة أن الله وحده هو القادر على سلب أسماعهم وأبصارهم ، وهو القادر على إنزال العذاب بهم أو رفعه عنهم . استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعاني بأسلوبه الفريد فيقول :

[ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ، أغير الله تدعون إن كنتم صادقين* بل إياه تدعون ، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ] .

ثم يقول : [ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به . انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون* قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ] .

ثم وضحت السورة أن وظيفة الرسل إنما هي التبشير للمتقين والإنذار للمكذبين وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم إني أملك خزائن الأرض ، أو إني أعلم الغيب ، أو إني ملك من الملائكة . وإنما قال لهم : إني بشر مثلكم أتبع ما يوحى إلي من ربي ، والناس مختلفون بعد ذلك في تلقي نور الوحي ، وجزاؤهم على حسب حالهم وعملهم ، فلا يستوي المحسن والمسيء كما لا يستوي الأعمى والبصير :

قال تعالى : [ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ، إن أتبع إلا ما يوحى إلي ، قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ] .

ثم تمضي السورة في سرد توجيهاتها وحكمها فتسوق البشارة للمؤمنين الذين اقترفوا بعض السيئات ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، كما تسوق الإنذار الحاسم للمشركين الذين لم يتبعوا الطريق القويم فتقول :

[ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ، كتب ربكم على نفسه الرحمة ، أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم* وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ] .

ثم يمضي السياق مع المكذبين المستعجلين بالعذاب فيطلعهم ويطلع غيرهم في الربع الرابع من السورة على صورة شاملة لعلم الله الواسع ، وقدرته النافذة ، وحكمته الحكيمة ، ويطوف بهم في مجاهل الغيب الذي لا يعلمه إلا هو ، وفي عالم البر والبحر الذي لا يخرج منه شيء عن إرادته ، وفي ظلمات الأرض المخبوءة التي لا يحيط بها إلا علمه ، ثم يريهم كيف أنهم محكومون بإرادته . وأن حركاتهم وسكناتهم مردها إليه ، وأنهم في ساعة الشدة والكرب لا يلوذون إلا بحماه .

تدبر كتاب الله وهو يحكي كل ذلك بطريقته المقنعة للعقل والعاطفة فيقول :

[ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ، ويعلم ما في البر والبحر ، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين* وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى ، ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون* وهو القاهر فوق عباده ، ويرسل عليكم حفظة ، حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون* ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين* قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية ، لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين* قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون* قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أويلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ، انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ] .

وبعد هذا البيان الذي تعددت مظاهر عظاته وعبره ، وتنوعت ألوان هداياته وإرشاداته اتجه القرآن بالخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقول له مسلياً ومثبتاً : إن قومك قد كذبوك مع أن ما معك هو الحق المبين قل لهم :

[ لست عليكم بوكيل* لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ] .

ثم يأمره ويأمر كل من يتأتى له الخطاب بالإعراض عن الجاهلين الذين يخوضون في آيات الله بغير علم فيقول :

[ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين* وما على الذين يتقون من حسابهم من كل شيء ولكن ذكري لعلهم يتقون ] .

ثم تبدأ السورة في الربع الخامس منها جولة جديدة لتثبيت العقيدة السليمة فتسلك طريق القصة ، وتتخذ من إبراهيم أبي الأنبياء نموذجا لاستقامة الفطرة ، وسلامة التفكير وحسن الإدراك ويقظة العقل ، فقد رأى إبراهيم –عليه السلام- بفطرته النقية أن الأصنام لا يعقل أن تكون آلهة . وخاطب أباه وقومه بذلك ، واعتبرهم بهذا الإشراك في ضلال مبين ، ثم اتجه إلى التعرف على الإله الحق فتخيله في كوكب ، ولكنه حين أفل وزال قال : [ لا أحب الآفلين ] لأن الإله الحق لا يغيب ولا يزول . ثم ظن الألوهية في ذلك القمر الذي ينسكب نوره في الوجود فيضيء الليل البهيم ، ولكنه رأى القمر –أيضاً- يأفل ويغيب فأعرض عن اتخاذه إلها والتمس من الإله الحق أن يهديه إلى الصراط المستقيم .

فلما أصبح الصباح ورأى الشمس وقد أشرقت وعم ضوؤها الآفاق قال : [ هذا ربي ] لأنها أكبر مصادر الضوء ، فلما غابت الشمس أدرك بفطرته السليمة أن الإله لا يغيب ولا يكون شيئا محسوسا ، فقرر البراءة من الشرك ، واتجه إلى الخالق الحق الذي تدل آثاره على وجوده وعلى مخالفته لمخلوقاته فقال : [ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ] . ثم أخذ بعد ذلك يجادل قومه ويرشدهم إلى الصراط المستقيم ، ويقيم لهم الأدلة على بطلان معتداتهم .

تأمل معي –أيها القارئ الكريم- تلك الآيات الكريمة التي تحكي كل هذه المعاني بأسلوبها البديع فتقول :

[ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة ، إني أراك وقومك في ضلال مبين* وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين* فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب الآفلين* فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي ، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين* فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون* إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ] .

ثم مضت السورة الكريمة في الحديث عن رسل الله الذين آتاهم الله الحجة على أقوامهم ، وختمت الحديث عنهم بالثناء عليهم ووجوب الاقتداء بهم في هديهم وسلوكهم .

[ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ، فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين* أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين ] .

وبعد هذا القصص المذكر ، والتوجيه المنبه ، والتدليل الواضح على وحدانية الله وقدرته ساقت لنا السورة في الربع السادس منها حشوداً متنوعة من مظاهر قدرة الله ومن نعمه التي لا تحصى على عباده . إنها هنا توقفنا أمام هذا الكون الرائع البديع لتقول لنا : انظروا ماذا في السموات والأرض ، ثم اتجهوا بالعبادة والخضوع إلى الله رب العالمين ، فهو الذي فلق الحب فكان من النبات ، وفلق النوى فكان منه الشجر ، وهو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ، وهو الذي يأتيكم بالضياء بعد الليل المظلم لكي تبتغوا من فضله ، ويأتيكم بالليل بعد النهار لكي تسكنوا فيه بعد طول الكدح والعناء ، وهو الذي يسير الشمس والقمر بتقدير دقيق وحساب لا يختلف ، وهو الذي زين السماء بالنجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ، وهو الذي أوجدكم جميعا من نفس واحدة لها مستقر في أصلاب الرجال ومستودع في أرحام النساء ، وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرج به نبات كل شيء . لأن الماء قوام الحياة .

استمع إلى القرآن وهو يحكي كل هذه النعم الدالة على قدرة الله وفضله فيقول :

[ إن الله فالق الحب والنوى ، يخرج الحي من الميت ، ومخرج الميت من الحي ، ذلكم الله فأنى تؤفكون* فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ، ذلك تقدير العزيز العليم* وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون* وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون* وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه ، انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ، إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ] .

وبعد أن ساق القرآن كل هذه النعم التي أسبغها الله على الناس ، والتي من شأنها أن تجعلهم يخصونه بالعبادة والاستعانة ، بعد كل ذلك صرح بأنه –مع كل هذه النعم- أضحى الكثيرون من خلقه يشركون معه آلهة أخرى ، ويزعمون أن له بنين وبنات .

ولقد رد القرآن على هؤلاء الجاحدين بالحجة البالغة التي تدمغ باطلهم وتخرس ألسنتهم ، وتنزه الخالق – عز وجل- عما قالوه وافتروه بغير علم فقال :

[ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ، سبحانه وتعالى عما يصفون* بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم . ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل . لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ] .

ثم تتابع في الربع السادس منها حديثها عن المكابرين الذين لم يكتفوا بالقرآن معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ، بل طلبوا منه –على سبيل التعنت- معجزات أخرى حسية ، فتحكي السورة أقوالهم وترد عليهم بما يفضح أكاذيبهم ، لأنهم لعنادهم وجحودهم لو أن الله –تعالى- أجاب لهم مطالبهم ما كانوا ليؤمنوا ، إذ هم لا تنقصهم الآيات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وإنما الذي ينقصهم هو القلب المنفتح للحق ، والنفس المتقبلة للهداية .

قال تعالى : [ وأقسموا بالله جهاد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، قل إنما الآيات عند الله ، وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون* ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون . ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ] .

ثم تستطرد السورة الكريمة فتحكي بعض رذائل المشركين في مآكلهم وذبائحهم ، وتنهى المؤمنين عن الأكل من الذبائح التي لم يذكر اسم الله عليها إلا في حالة الاضطرار ، ثم تغرس فيهم خلق الحياء من الله فتأمرهم أن يتركوا الفواحش ما ظهر وما بطن ، ثم تبين لهم أن المشركين سيثيرون الشكوك والشبهات حول عقيدتهم فعليهم أن يهملوا مجادلاتهم وأن يتركوهم في طغيانهم يعمهون :

قال تعالى : [ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين* وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ، وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم ، إن ربك هو أعلم بالمعتدين* وذروا ظاهر الإثم وباطنه ، إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون* ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ، وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون ] .

ثم تضرب السورة الأمثال للكفر والإيمان ، فتشبه الكفر بالموت وتشبه الإيمان بالحياة ، فكما أنه لا يتساوى الميت مع الحي ، فكذلك لا يتساوى الضال الذي هو كالميت مع المؤمن الذي يحيا حياة طيبة وله نور يمشي به في الناس ، ثم تبين أنه من دأب الجاحدين والحاقدين محاربة الحق ، وأنه ليس بغريب أن يحارب زعماء قريش الدعوة الإسلامية لأنهم يحسدون صاحبها على ما آتاه الله من فضله ، ويطلبون أن تكون النبوة فيهم مع أن النبوة هبة من الله يهبها لمن يشاء من عباده ، وأنهم بسبب هذا الحقد سيصيبهم عذاب شديد من الله –عز وجل- .

قال تعالى : [ أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون* وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون* وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله* الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند وعذاب شديد بما كانوا يمكرون* فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء ، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون* وهذا صراط ربك مستقيماً قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون ] .

فإذا ما وصلنا إلى الربع الثامن من سورة الأنعام ، رأيناها تعرض مشهدا من مشاهد يوم القيامة ، تعرض مشهد الحشر للجن والإنس وهم يتناقشون ويتلاومون ويتحسرون ، ولكن ذلك لن يفيدهم لأنهم قد وسوس بعضهم إلى بعض زخارف من الأباطيل والأكاذيب . تعرض مشهدهم عندما يقفون أمام ربهم فيسألهم : [ ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ] ؟ وهنا لا يملكون ، إلا الشهادة على أنفسهم بأن الرسل الكرام قد بشروهم وأنذروهم ، ولكن الشيطان هو الذي استحوذ عليهم فجعلهم يستحبون العمى على الهدى .

استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور هذا المشهد بأسلوبه الرائع فيقول :

[ ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ، وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ، إن ربك حكيم عليم* وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون* يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ] .

ومع أن السورة الكريمة قد تعرضت –فيما سبق منها- بصورة موجزة للأباطيل التي كان يتبعها المشركون في ذبائحهم ومآكلهم ومشاربهم ، إلا أنها هنا –في أواخر الربع الثامن وفي معظم الربع التاسع- قد أفاضت القول في استعراض رذائل المشركين التي تتعلق بنذورهم ومطاعمهم وذبائحهم وما أحلوه وما حرموه ، وذلك لأن السورة الكريمة تريد أن تنقي العقيدة الإسلامية من كل ما كان سائدا في الجاهلية من معتقدات باطلة ، وأفعال قبيحة ، وتقاليد وثنية موروثة ، وعادات جاهلية مرذولة ، فتحدثت عن أوهامهم التي منها أنهم جعلوا لله مما خلق نصيباً وجعلوا لآلهتهم نصيباً آخر ، ثم هم بعد ذلك لا يعدلون في قسمتهم مع بطلانها ، بل تارة يأخذون من نصيب الله الذي هو للفقراء فيجعلونه لسدنة أصنامهم وخدامها . ومنها أن يعضهم كانوا يقتلون أولادهم سفها بغير علم لأن الشياطين زينت لهم ذلك . ومنها أنهم شرعوا لأنفسهم أحكاما ما أنزل الله بها من سلطان .

ولقد حكى القرآن بعض هذه الرذائل التي كانت متفشية فيهم ، ووبخهم عليها ونهى المؤمنين عن سلوك مسلكهم فقال :

[ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون* وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ، ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون ] .

ثم قال : [ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ] .

ثم انتقلت السورة بعد ذلك –في الربع التاسع منها- إلى الحديث عن الطيبات التي أحلها الله لعباده في مأكلهم ومشربهم ، فذكرت ألوانا من النعم التي خلقها الله وأنشأها لعباده ، فقد أنشأ –سبحانه- الجنات المعروشات أي المرفوعات على ما يحملها كالأعناب وما يشبهها ، وأنشأ الجنات غير المعروشات كالبرتقال وغيره ، كما أنشأ الزروع والأشجار المختلفة الأنواع والثمار . وذلك كله لكي يقبل الناس على عبادة خالقهم ، ويشكروه على نعمه التي لا تحصى .

قال تعالى : [ وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه ، كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ] .

ثم أخذت السورة تناقش المشركين فيما أحلوه وحرموه من الأنعام بأسلوب منطقي رصين ، يقيم عليهم الحجة ، ويكشف عن سخافة تفكيرهم وتفاهة عقولهم ، واتباعهم خطوات الشيطان في تحريم بعضها وتحليل البعض الآخر ، فهذه الأنعام ثمانية أزواج ، من الضأن اثنان ، ومن المعز اثنان ، ومن الإبل اثنان ، ومن البقر اثنان ، فلماذا حرم المشركون على أنفسهم بعضها دون بعض ؟ إن كان التحريم للأنوثة فعليهم أن يحرموا جميع الإناث ، وإن كان للذكورة فعليهم أن يحرموها ، إذاً فتحريمهم لبعض الذكور دون بعض يدل على ضلال في التفكير ، وجهالة في الأحكام ، وافتراء على الله بغير علم .

استمع إلى القرآن وهو يحكي أوهامهم ثم يرد عليها بما يدمغها فيقول :

[ ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ، قل الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، نبئوني بعلم إن كنتم صادقين* ومن الإبل اثنين ، ومن البقر اثنين قل الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين ] .

ثم صرحت السورة الكريمة أن ما حرمه الله على اليهود من المطاعم كان بسبب بغيهم ، وقساوة قلوبهم ، وأنهم وأمثالهم –الذين يتنصلون من تبعة الضلال ويحيلونها على مشيئة الله- كاذبون فيما يزعمون ، وأنهم يهرفون بما لا يعرفون ، وإلا فأين دليلهم على هذا التنصل ؟ وأين حجتهم على أن الله قد حرم هذا وأحل هذا ؟

لقد حكى القرآن مزاعمهم ثم فندها بالبراهين الدامغة ، والحجة البالغة فقال :

[ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون* فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين* سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركوا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ، كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ، إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون* قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين . قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ، فإن شهدوا فلا تشهد معهم ، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ] .

فإذا ما انتهينا إلى الربع العاشر –والأخير- من سورة الأنعام رأيناها تخاطب أولئك الذين أحلوا لأنفسهم ما حرمه الله وحرموا عليها ما لم يأذن به فتقول لهم ولغيرهم " تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " ثم تسوق عشر وصايا رسمت للإنسان طريق علاقته بربه ، ووضعت الأساس المكين الذي يبنى عليه صرح الأسرة الفاضلة التي منها تتكون الأمة القوية الناجحة في الحياة ، وأوصدت منافذ الشرور والآثام التي تصيب المسلم في نفسه أو ماله أو عرضه ثم ذكرت أهم المبادئ التي تسمو بالمحافظة عليها الحياة الاجتماعية الكريمة ، وختمت هذه الوصايا ببيان أنها هي الصراط المستقيم الذي يجب على كل إنسان أن يتبع هداه حتى لا يزل أو يضل .

استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه الوصايا الحكيمة فيقول :

[ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون* ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ، لا نكلف نفساً إلا وسعها ، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ، وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون* وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ] .

وبعد أن ساقت السورة الكريمة هذه الوصايا الحكيمة اتجهت في ختامها إلى دعوة الناس للعمل بكتاب الله الذي أنزله ليكون هداية ورحمة لهم ، وأنذرت الذين يعرضون عن هديه الحكيم بسوء العذاب ، وحثت كل عاقل على المبادرة إلى الإيمان بالله من قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الإيمان ، ولا تنفع فيه الأعمال ، لأنه يوم جزاء وحساب ، وأمرت في ختامها كل مسلم بأن يخلص عمله لله ، وأن يحمده على هدايته إياه إلى طريق الحق والرشاد ، وبينت منزلة الإنسان في هذا الوجود وحضته على أن يكون بقوله وعمله أهلا لهذه المنزلة السامية حتى ينال رضا الله .

وقد ساقت السورة في ختامها كل هذه المعاني بأسلوب ساحر يخلب الألباب ، ويرفق القلوب ، ويصفي النفوس ، ويشيع في وجدان المؤمن الأنس والبهجة والخوف والرجاء .

قال تعالى : [ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون* قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم* ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين* قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين* قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون* وهو الذي جعلكم خلاف الأرض و?

افتتحت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين ، وهى أن المستحق للحمد المطلق ، والثناء الكامل هو رب العالمين .

والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها .

وأل فى { الحمد } للاستغراق ، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ولكافة ألوان الثناء هو الله تعالى ، وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله ، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه ، إذ هو الخالق لكل شىء ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، فهو فى الحقيقة حمد لله ، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك ، وأعانهم عليه .

وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله تعالى : { الحمد للَّهِ } كما بين الفرق بين المدح والحمد والشكر فقال : " اعلم أن المدح أعم من الحمد ، والحمد أعم من الشكر ، أما بيان أن المدح أعم من الحمد ، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل ، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فاضائله فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله ، وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام والإحسان فثبت أن المدح أعم من الحمد ، وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلا إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد وهو أعم من الشكر . إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل المدح لله لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره . أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار ، فكان قوله الحمد لله تصريحا بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة . وإنما لم يقل الشكر لله ، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك ، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة ، فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة فأما إذا قال بالحمد لله فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - تعالى - أوصل النعمة إليه ، فيكون الإخلاص أكمل ، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم ، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت " .

هذا وفى القرآن الكريم خمس سور مكية اشتركت فى الافتتاح بتقرير أن الحمد لله وحده ، ولكن كان لكل سورة منهج خاص فى بيان أسباب ذلك الحمد .

أما السورة الأولى فهى سورة الفاتحة التى تقول فى مطلعها { الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } أى : أن الحمد لله وحده ، الذى ربى هذا العالم تربية خلقية أساسها الإيجاد والتصوير ، ورباه تربية عقلية أساسها منح قوة التفكير والإدراك ، كما أنه رباه تربية تشريعية قوامها الأحكام التى أوحى بها إلى رسله فتربط استحقاق الحمد لله بربوبيته للعالمين ، والربوبية المطلقة تنتظم التربية الخلقية جسمية وعقلية ، عن طريق الإيجاد والتصوير ، كما تنتظم التربية التشريعية التى أساسها الأحكام التى أوحها الله إلى أنبيائه ورسله .

وتجىء بعد سورة الفاتحة فى الترتيب المصحفى سورة الأنعام فأثبتت أيضاً استحقاق الحمد لله وحده ، لأنه " خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، فهى تهتم بالحديث عن نوع خاص من التربية ، وهو التربية الخلقية التى أساسها الخلق والإيجاد والتسوية والتصوير الحقيقى .

ثم تجىء بعدهما سورة " الكهف " فتثبت أن الحمد لله ، لأنه { أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } فتراها تهتم بإبراز التربية التشريعية التى تهذب الروح ، وتهدى الفكر .

والسورة الرابعة التى افتتحت بإثبات أن { الحمد للَّهِ } هى سورة سبأ ، لأنه - سبحانه - { الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَلَهُ الحمد فِي الآخرة وَهُوَ الحكيم الخبير } ثم تراها بعد ذلك زاخرة بالحديث عن أنواع التربية المطلقة التى تتجلى فى ارساء مظاهر علم الله الشامل ، وملكه المطلق ، وتدبيره المحكم وقدرته النافذة التى تجعله أهلا لكل حمد وثناء .

أما السورة الخامسة فهى سورة فاطر ، فقد أثبتت فى مطلعها أن الحمد لله ، لأنه { فَاطِرِ السماوات والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآءُ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } والذى يقرا هذه السورة الكريمة بتدبير يراها تهتم بإبراز إثبات أن الحمد لله وحده عن طريق الجمع بين التربيتين الخلقية والتشريعية فهى تذكر خلق السموات والأرض والجبال وتصريف الليل والنهار والشمس والقمر . كما تذكر أنواع الناس فى الانتفاع بوحى الله ، وبهدى أنبيائه ورسله .

وهكذا نجد أن السور الخمس قد اشتركت فى أنها افتتحت بجملة { الحمد للَّهِ } وفى قصر الحمد والثناء عليه وحده . إلا أن كل واحدة منها قد سلكت منهجا خاصا فى تقرير هذه الحقيقة ، وفى إقامة الأدلة على صدقها .

وقد أحسن القرطبى عندما قال : " فإن قيل : قد افتتح غيرها - أى سورة الأنعام - بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره فيقال : لأن لكل واحدة منه معنى فى موضعه ، لا يؤدى عن غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة ، وأيضاً فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون " .

ثم بين القرآن بعد ذلك الأسباب التى تحمل العقلاء على أن يجعلوا حمدهم كله لله - تعالى - فقال :

{ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور } .

والمعنى : الحمد كله لله الذى أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية ، وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة ، وظاهرة وخافية ، وأحدث ما يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات . فالجملة الكريمة قد اشتملت على صفتين من صفات الله - تعالى - تثبتان وجوب استحقاق الحمد الكامل لله - عز وجل - وهما خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور .

وعبر - سبحانه - فى جانب السموات والأرض بخلق ، وفى جانب الظلمات والنور بجعل ، لأن الخلق معناه هنا الإنشاء والإيجاد الابتدائي من العدم ، أما الجعل فيتضمن معنى تكوين شىء من شىء أو من أشياء ، فالظلمات تتولد من اختفاء الشمس عن الأرض ، والنور يتكون من بزوغ الشمس على الأرض ، وهذه التقلبات الكونية هى بتقدير الله العزيز العليم .

قال صاحب الكشاف : " والفرق بين الخلق والجعل . أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفى الجعل معنى التضمين ، كإنشاء شىء من شىء ، أو تصيير شىء شيئاً ، أو نقله من مكان إلى مكان ، ومن ذلك { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } { وَجَعَلَ الظلمات والنور } ، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة ، والنور من النار " .

وقال الفخر الرازى : " وإنما حسن لفظ الجعل هنا ، لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من الآخر " .

وقال أبو السعود : " والجعل هنا هو الإنشاء والإبداع كالخلق ، خلا أن ذلك - أى الخلق - مختص بالإنشاء التكوينيى وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما فى الآية الكريمة والتشريعى أيضاً كما فى قوله - تعالى - { مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ } وقد وردت نصوص تصرح بأن الأرض سبع طبقات كالسموات . إلا أنها فى كثير من المواضع القرآنية تفرد - أى الأرض - وتجمع السماء كما هنا ، لعظم السماء . ولإحاطتها بالأرض ، ولأنه لم يعرف أن الله - تعالى - قد عصى فيها ، ولأن طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض ، بخلاف طبقات الأرض فإنها متصلة .

والمراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية ، كما أن المراد بالنور النور الحسى لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولأنهما إذا جعلا مقرونين بذكر السموات والأرض فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان ، ولأن القرآن يستشهد عليهم بمقتضى ما يعلمونه من تفرده بالخلق وهم يعلمون تفرده - سبحانه - بخلق هذه الأشياء .

ويرى بعض المفسرين أن المراد بالظلمات ، ظلمات الشرك والكفر والنفاق ، وأن المراد بالنور ، نور الإيمان والإسلام واليقين ، وعلى هذا الرأى يكون المراد بهما معنويا لا حسيا .

قال صاحب المنار : قال الواحدى : والأولى حمل اللفظين عليهما ، واستشكله الرازى لأنه مبنى على القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز ، والمختار عندنا جوازه ، وجواز استعمال المشترك فى معنييه أو معانيه إذا احتمل المقام ذلك بلا التباس كما هنا ، والتعبير بالجعل دون الخلق يلائم هذا فإن الجعل يشمل الخلق والأمر - أى الشرع - كما تقدم ، فيفسر جعل كل نور بما يليق به .

وعبر القرآن فى جانب الظلمات بصيغة الجمع ، وفى جانب النور بالإفراد لأن النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور ، وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته . أما الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها ، فهناك ظلمة الليل ، وهناك ظلمة السجون ، وهناك ظلمة القبور ، وهناك ظلمة الغمام ، وهى تتغير حقائها بتغير أسبابها . ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوى وهى أن ظلمة الإدراك تتعد حقائقها ، فهناك ظلمة الانحراف ، وظلمة الأهواء ، والشهوات وطمس القلوب .

والنور واحد { وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } فالنور فى هذا واحد .

ثم بين - سبحانه - الموقف الجحودى الذى وقفه المشركون من قضية الألوهية فقال { ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } .

العدل : المراد به هنا التسوية ، فقال : عدل الشىء بالشىء إذا سواه به والمعنى : أن الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض ، وهو الذى جعل الظلمات والنور ، فهو لذلك من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده وأن يخصوه بالحمد والثناء ، ولكن المشركين مع كل هذه الدلائل الدالة على وحدانية الله وقدرته يساوون به غيره فى العبادة ، ويشركون معه آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر .

وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة { الحمد للَّهِ } على معنى أن الله - تعالى - حقيق بالحمد على ما خلق من نعم ، وأوجد من كائنات ثم الذين كفروا يجحدون كل ذلك فيشركون معه آلهة أخرى .

ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة " خلق السموات والأرض " على معنى أن الله - تعالى - قد خلق الأشياء العظيمة التى لا يقدر عليها أحد سواه ، ثم إن المشركين بعد ذلك يعدلون به جماداً لا يقدر على شىء أصلا .

وجاء العطف " بثم " لإفادة استبعاد واستقباح ما فعله الكافرون . فإنهم رغم البراهين الواضحة والدالة على وحدانية الله وقدرته ، قد نزلوا بمداركهم إلى الحضيض فسووا فى العبادة بين الخالق والمخلوق .

قال القرطبى : قال ابن عطية : فثم دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى أن خلق السموات والأرض قد تقرر ، وآياته قد سطعت ، وإنعامه بذلك قد تبين ، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم ، فهذا كما تقول : يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمنى ! ولو وقع العطف بالواو فى هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم " .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.
[3]:- سورة المائدة: الآيتان 15، 16.
[4]:- سورة الجن: الآيتان 1، 2.
[5]:- سورة البقرة: الآيتان 23، 24.
[6]:- الأترجة: ثمرة حلوة الطعم، طيبة الرائحة، جميلة اللون، تشبه التفاحة.
[7]:- تفسير القرطبي: ج1 ص4 وما بعدها.
[8]:- سورة الحجر. الآية 9.
[9]:- تفسير القرطبي ج1 ص26.
[10]:- تفسير ابن كثير ج1 ص4 وما بعدها –بتصرف وتلخيص-.
[11]:- عرض الشيء: أظهره وأبرزه. المعجم ج2 ص593.
[12]:- سورة إبراهيم: الآية 1.