أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (37)

{ قال لا يأتيكما طعام تُرزقانه إلا نبّأتكما بتأويله } أي بتأويل ما قصصتما علي ، أو بتأويل الطعام يعني بيان ماهيته وكيفيته فإنه يشبه تفسير المشكل ، كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد ويرشدهما إلى الطريق القويم قبل أن يسعف إلى ما سألاه منه كما هو طريقة الأنبياء والنازلين منازلهم من العلماء في الهداية والإرشاد ، فقدم ما يكون معجزة له من الإخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير . { قبل أن يأتيكما ذلكما } أي ذلك التأويل . { مما علّمني ربي } بالإلهام والوحي وليس من قبيل التكهن أو التنجيم . { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون } تعليل لما قبله أي علمني ذلك لأني تركت ملة أولئك .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (37)

قوله تعالى : { قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ 37 وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } هذا إخبار من يوسف عليه السلام للفتيين السائلين اللذين استعبراه الرؤيا ؛ إذ اخبرهما أنهما لا يأتيهما في منامهما طعام يرزقانه في النوم غلا نبأهما بتفسيره في اليقظة . وبين لهما أن هذا الذي أذكره لكما من تعبير الرؤيا إنما هو مم علمني إياه ربي فعلمته من فضل الله علي ؛ فقد اجتنبت ملة الكافرين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ، فلا يقرون بمعاد ولا بعث ولا جزاء ، واتبعت ملة آبائي من المرسلين الصادقين إبراهيم وإسحق ويعقوب ؛ فقد سلكوا سبيل الحق وهم على الصراط المستقيم ، وأنا على ملتهم ملة التوحيد والإقرار لله وحده دون غيره من الشركاء بالعبودية { مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ } أي ما صح لنا معشر الأنبياء ولا استقام أن نجعل لله شريكا في عبادته وطاعته ؛ بل الذي علينا أن نفرد الله وحده بالألوهية والعبادة دون غيره من الأنداد والآلهة { ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ } الإشارة عائدة على عبادتنا لله وإقرارنا له وحده بالواحدنية وأننا على دينه القويم وصراطه اللاحب{[2241]} المستقيم دون زيغ أو انحرف . لا جرم إن ذلك كله من فضل الله علينا ؛ إذ وفقنا له وهدانا إليه وأوحي لنا به . وهو كذلك من فضله على الناس ؛ إذ أرسل إليهم من يهديهم سبيل الرشاد وينقذهم من الضلال والخسران{[2242]} .

قوله : { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } أكثر الناس يجحدون نعمة الله عليهم فلا يشكونه ، ولا يذكرون أن ما بهم من خير ونعمة فمن الله ، وذلك كتمام الصحة والعافية وانسجام الخلق وحسن الصورة ، وما سخر لهم من متاع الدنيا ونعيمها مما يحقق لهم الراحة والاستمتاع والتلذذ ، فضلا عن هدايتهم إلى الحق وإلى ملة التوحيد التي حملها غليهم المرسلون . كل أولئك من فضل الله على الناس ، ولكن أكثرهم مع ذلك كله لا يشكون ولا يذكرون بل يكفرون ويتكبرون ويتجبرون ويلجون في الأرض بغاة مفسدين ، يشيعون الأذى واشر والمنكر بن العباد .


[2241]:اللاحب: لطريق الواضح. انظر المعجم الوسيط جـ 2 ص 817.
[2242]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 478 وتفسير النسفي جـ 2 ص 222 وفتح القدير جـ 2 ص 25 وتفسير البيضاوي ص 314.