{ تسبّح له السماوات السّبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبّح بحمده } ينزهه عما هو من لوازم الإمكان توابع الحدوث بلسان الحال حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم الواجب لذاته . { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أيها المشركون لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم تسبيحهم ، ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه اللفظ والى ما لا يتصور منه وعليهما عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه . وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو بكر " يسبح " بالياء . { إنه كان حليما } حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم . { غفورا } لمن تاب منكم .
قوله تعالى : { تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن } ، قرأ أبو عمرو ، و حمزة ، والكسائي ، حفص ، و يعقوب : تسبح بالتاء وقرأ الآخرون بالياء للحائل بين الفعل والتأنيث . { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } ، روي عن ابن عباس أنه قال : وإن من شيء حي إلا يسبح بحمده . وقال قتادة : يعني الحيوانات والناميات . وقال عكرمة : الشجرة تسبح ، والأسطوانة لا تسبح . وعن المقدام بن معد يكرب قال : إن التراب يسبح ما لم يبتل ، فإذا ابتل ترك التسبيح ، وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها ، فإذا رفعت تركت التسبيح ، وإن الورقة لتسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح ، وإن الثوب ليسبح ما دام جديداً فإذا وسخ ترك التسبيح ، وإن الماء يسبح مادام جارياً فإذا ركد ترك التسبيح ، وإن الوحش والطير تسبح إذا صاحت فإذا سكنت تركت التسبيح . وقال إبراهيم النخعي : وإن من شيء جماد وحي إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف . وقال مجاهد : كل الأشياء تسبح ، حياً كان أو ميتاً أو جماداً ، وتسبيحها سبحان الله وبحمده .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن المثنى ، أنبأنا أبو أحمد الزبير ، أنبأنا إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : " كنا نعد الآيات بركة ، وأنتم تعدونها تخويفاً ، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال : اطلبوا فضلة من ماء ، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل ، فأدخل يده في الإناء ثم قال : حي على الطهور المبارك ، والبركة من الله ، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل " . وقال بعض أهل المعاني : تسبح السماوات والأرض والجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء ما دلت بلطيف تركيبها وعجيب هيئتها على خالقها ، فيصير ذلك بمنزلة التسبيح منها . والأول هو المنقول عن السلف . واعلم أن الله تعالى علماً في الجمادات لا يقف عليه غيره ، فينبغي أن يوكل علمه إليه . { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أي لا تعلمون تسبيح ما عدا من يسبح بلغاتكم وألسنتكم ، { إنه كان حليماً غفوراً } .
ثم بين - سبحانه - أن جميع الكائنات تسبح بحمده فقال - تعالى - : { تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } .
والتسبيح : مأخوذ من السبح ، وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء ، فالمسبح مسرع فى تنزيه الله وتبرئته من السوء ، ومن كل ما لا يليق به - سبحانه - .
أى تنزه الله - تعالى - وتمجده السموات السبع ، والأرض ، ومن فيهن من الإِنس والجن والملائكة وغير ذلك ، وما من شئ من مخلوقاته التى لا تحصى إلا ويسبح بحمد خالقه - تعالى - ، ولكن أنتم يا بنى آدم { ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } لأن تسبيحهم بخلاف لغتكم ، وفوق مستوى فهمكم ، وإنما الذى يعلم تسبيحهم هو خالقهم عز وجل ، وصدق - سبحانه - إذ يقول : { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير } والمتدبر فى هذه الآية الكريمة ، يراها تبعث فى النفوس الخشية والرهبة من الخالق - عز وجل - ، لأنها تصرح تصريحا بليغا بأن كل جماد ، وكل حيوان ، وكل طير ، وكل حشرة . . بل كل كائن فى هذا الوجود يسبح بحمده - تعالى - .
وهذا التصريح يحمل كل إنسان عاقل على طاعة الله ، وإخلاص العبادة له ، ومداومة ذكره . . حتى لا يكون - وهو الذى كرمه ربه وفضله - أقل من غيره طاعة لله - تعالى - .
وقوله : { إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } تذييل قصد به بيان فضل الله - تعالى - ورحمته بعباده مع تقصيرهم فى تسبيحه وذكره .
أى : { إِنَّهُ كَانَ حَلِيماًً } لا يعاجل المقصر بالعقوبة ، بل يمهله لعله يرعوى وينزجر عن تقصيره ومعصيته ، { غفورا } لمن تاب وآمن وعمل صالحا واهتدى إلى صراطه المستقيم .
هذا ، ومن العلماء من يرى أن تسبيح هذه الكائنات بلسان الحال .
قال بعض العلماء تسبيح هذه الكائنات لله - تعالى - هو دلالتها - بإمكانها وحدوثها ، وتغير شئونها ، وبديع صنعها - على وجود مبدعها ، ووحدته وقدرته ، وتنزهه عن لوازم الإِمكان والحدوث ، كما يدل الأثر على المؤثر .
قوله تعالى : { تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا } ذلك بين من الله جل جلاله على أن السماوات السبع على سعتهن وعظمتهن التي تفوق تصور البشر وخيالهم ، وكذا الأرض ، ( ومن فيهن ) ، من الملائكة والإنس والجن من المؤمنين ؛ كل أولئك ينزهون الله عما وصفه به المشركون إجلالا له وتعظيما . ثم انتقل من التخصيص إلى التعميم فقال : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) أي وما من شيء من المخلوقات في السماوات أو في الأرض إلا يسبح بحمد الله فيقول : سبحان الله وبحمده ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) ؛ لأن تسبيح هذه الأشياء غير معلوم لنا ؛ فهي تسبح بخلاف لغات البشر . وإنما تسبح بلغتها التي لا يعلمها إلا هو سبحانه . روى الإمام أحمد عن أنس ( رضي الله عنه ) عن رسول الله ( ص ) أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم رواحل فقال لهم : " اركبوها سالمة ، ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق ؛ فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكرا لله منه " .
وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو قال : نهى رسول الله ( ص ) عن قتل الضفدع وقال : " نقيقها تسبيح " .
واختلفوا في تخصيص العموم في قوله : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) فقيل : ليس مخصوصا . والمراد به تسبيح الدلالة ؛ أي أن كل محدث يشهد على نفسه بأن الله هو الخالق القادر . وقيل : هذا التسبيح على حقيقته . فما من شيء في الكون إلا ويسبح الله تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهونه . وقيل : المراد به الخصوص في كل حي ؛ فالشجرة حال إثمارها واخضرارها ، تسبح بحمد الله . وإذا أصبحت خوانا ، فإنها لا تسبح . والخوان ، بكسر الخاء ؛ أي الذي يؤكل عليه . وهو معرب{[2690]} .
والمراد بالخوان ، المائدة من الخشب . ويستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس أن رسول الله ( ص ) مرّ بقبرين فقال : " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ؛ أما أحدهما : فكان لا يستنزه من البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة ثم قال : " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " .
ويستفاد من ذلك أيضا أن قراءة القرآن تخفف من عذاب أهل القبور . قال القرطبي في ذلك : وإذا خُفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن .
والذي أجده أصوب القول بالعموم . فما من شيء ، حيا كان أو جمادا ، أخضر أو يابسا ، إلا يسبح بحمد الله ؛ إذ يقول : سبحان الله وبحمده . ويدل على ذلك من الأخبار ما رواه ابن ماجه في سننه ومالك في الموطأ عن أبي سعيد الخدري ( رضي الله عنه ) أن النبي قال : " لايسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر ولا شيء ؛ إلا شهد له يوم القيامة " .