{ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } إذ الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء ، فإن المشاكلة علة للألفة والتضام ، والمخافة سبب للنفرة والافتراق . وكان حق المقابلة أن يقال والزانية لا تنكح إلا من هو زان أو مشرك . لكن المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة فيهن . لأن الآية نزلت في ضعفة المهاجرين لما هموا أن يتزوجوا بغايا يكرين أنفسهن لينفقن لأن الآية عليهم من أكسابهن على عادة الجاهلية ولذلك قدم الزاني . { وحرم ذلك على المؤمنين } لأنه تشبه بالفساق وتعرض للتهمة وتسبب لسوء القالة والطعن في النسب وغير ذلك من المفاسد ، ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة . وقيل النفي بمعنى النهي ، وقد قرىء به والحرمة على ظاهرها والحكم مخصوص بالسبب الذي ورد فيه ، أو منسوخ بقوله تعالى : { وأنكحوا الأيامى منكم } فإنه يتناول المسافحات ، ويؤيده أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن ذلك فقال : " أوله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال " ، وقيل المراد بالنكاح الوطء فيؤول إلى نهي الزاني عن الزنا إلا بزانية ، والزانية أن يزني بها إلا زان وهو فاسد .
{ الزاني لا ينكح إلا زانية . . . } نزلت لزجر المؤمنين عن نكاح الزانيات بعد زجرهم عن الزنا . أي أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب غالبا في نكاح الصوالح من النساء اللاتي على خلاف صفته ، وإنما يرغب في نكاح فاسقة خبيثة مثله أو مشركة . والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك ، لا ترغب غالبا في نكاح الصلحاء من الرجال بل تنفر منهم . وإنما ترغب فيمن هو من شكلها من الفسقة والمشركين ؛ لأن المشاكلة علة الألفة ، والمخالفة سبب للنفرة . وهو كقولهم : لا يفعل الخير إلا تقي ؛ فإنه جار مجرى الغالب ، وقد يفعله من ليس بتقي . وحرم ذلك النكاح على المؤمنين تحريم تنزيه ؛ وعبر عنه بالتحريم مبالغة في الزجر . أو حرم عليهم باعتبار ما في ضمن عقده من المفاسد ، كالتعرض للتهمة والتسبب لسوء القالة ، والطعن في النسب وغير ذلك ؛ فلا تكون الحرمة راجعة إلى نفس العقد ليكون عقد نكاح الزواني والزانيات باطلا للإجماع على صحته . وأما نكاح المشرك والمشركة ، فإن كانت الآية نزلت قبل تحريمه – وقد حرم بعد الحديبية – فالأمر ظاهر ، وإن كانت نزلت بعده فتكون حرمته مستندة إلى أدلة أخرى .
واختار العلامة الآلوسي : أن الآية لتقبيح أمر الزاني أشد تقبيح ؛ ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق به من حيث الزنا أن ينكح العفيفة المؤمنة ، وإنما يليق به أن ينكح زانية مثله ، أو مشركة
هي أسوأ حالا وأقبح أفعالا منه . وكذلك الزانية بعد أن رضيت بالزنا والتقحب ، لا يليق أن ينكحها من حيث إنها زانية إلا من هو على شاكلتها وهو الزاني ، أو من هو أسوأ حالا منها وهو المشرك . ولا يشكل على هذا التفسير صحة نكاح الزاني المسلم الزانية المسلمة ، وكذلك العفيفة المسلمة ، وصحة نكاح الزانية المسلمة الزاني المسلم ، وكذلك العفيف المسلم . كما لا يشكل عليه بطلان نكاح المشركة والمشرك ؛ لأن ذلك ليس من اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا بل من حيثية أخرى بعلمها الشارع . وجعل المشار إليه في قوله : " وحرم ذلك على المؤمنين " – الزنا المفهوم مما تقدم ، " ويجوز أن يكون نكاح الزانية . ويراد بالتحريم المنع ، وبالمؤمنين : الكاملون في الإيمان . ومعنى منعهم من نكاح الزواني : جعل نفوسهم أبية عن الميل إليه ؛ فلا يليق ذلك بهم . والآية على التفسيرين خبر لا نهى ، والنكاح فيها بمعنى العقد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.