{ قال ما منعك ألا تسجد } أي أن تسجد ولا صلة مثلها في لئلا يعلم ، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه ، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود . وقيل الممنوع عن الشيء مضطر إلى خلافة فكأنه قيل : ما اضطرك إلى ألا تسجد . { إذ أمرتك } دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور . { قال أنا خير منه } جواب من حيث المعنى استأنف به استبعادا لأن يكون مثله مأمورا بالسجود لمثله كأنه قال : المانع أني خير منه ، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول ، فكيف يحسن أن يؤمر به . فهو الذي سن التكبر وقال بالحسن والقبح العقليين أولا . { خلقتني من نار وخلقته من طين } تعليل لفضله عليه ، وقد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كله باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليها بقوله تعالى : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } أي بغير واسطة ، وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله : { ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } وباعتبار الغاية وهو ملاكه ولذلك أمر الملائكة بسجوده لما بين لهم أنه أعلم منهم ، وأن له خواص ليست لغيره ، والآية دليل الكون والفساد وأن الشياطين أجسام كائنة ، ولعل إضافة خلق الإنسان إلى الطين والشيطان إلى النار باعتبار الجزء الغالب .
{ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) }
قال تعالى منكرًا على إبليس تَرْكَ السجود : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ فقال إبليس : أنا أفضل منه خلقًا ؛ لأني مخلوق من نار ، وهو مخلوق من طين . فرأى أن النار أشرف من الطين .
قوله تعالى : { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ما استفهامية في موضع رفع مبتدأ .
والجملة الفعلية من { منعك } في محل رفع خبر المبتدأ . وألا ، في موضع نصب مفعول منعك . ولا زائدة . والتقدير : ما منعك أن تسجد . وإذ ، ظرف زمان{[1345]} وهذه الآية مما استدل به كثير من الأصوليين على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب على الفور ؛ لأن الله ذم إبليس على ترك المبادرة . ولو لم يكن الأمر للفور لما استحق إبليس الذم على التأخير ، ولكان له أن يقول : إنك لمن تأمرني بمبادرة السجود على الفور . وقد خاطب الله هذا المخلوق الشقي محتقرا إياه ، وتقدير ذلك أنه : أي شيء منعك من السجود لآدم إذ أمرتك بالسجود له ؟ وذلك أن إبليس كائن غريب يختلف اختلافا أساسيا عن سائر الكائنات الأخرى ، فغنه هو وجنوده من شياطين الجن ذوو جبلة مستعصية ، فطرت على الخبث والنزوع للشر والفسق .
ذلك هو إبليس وجنوده من شياطين الجن . إنهم لا أمل ف هدايتهم البتة ؛ لأنهم أولو طبائع خاوية شريرة ، محفلة بالعتو والجحود ، غاية في الالتواء والشذوذ .
وهم إنما يجنحون بطبيعتهم في كل آن للإفساد والتضليل والإغواء .
ومما يدل على هذه الحقيقة الراسخة ، ما أجاب به إبليس اللعين ؛ ربه إذا قال { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ومثل هذا الجواب لا يصدر إلا عن كائن لئيم مقبوح ، جبل على الشر والباطل . ومن يجترئ على مثل هذا الجواب اللئيم المتوقح العاتي لرب العالمين إلا كائن لعين أثيم كإبليس ينطق بهذه المقولة في وقاحة لا تبلغها وقاحة الأشرار والعتاة إلا في مثل إبليس الرجيم .
قوله : { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ذلك اجتراء فاضح من إبليس على ربه ، إذ يقول في اغترار جهول أحمق إنه أفضل من آدم ؛ لأنه مخلوق من نار لكن آدم خلق من طين . والنار أشرف من الطين وهو قياس فاسد وسخيف يتعلل به هذا الكائن الشقي أمام حضرة الإلهية . والله جل وعلا حقيق بامتثال لأمره دون تردد ، وخليق أن تخر له الجباه والنواصي وتخشع لجلاله وجبروته القلوب الأشر{[1346]} من إبليس بتفضيل النار على الطين مع أنهما كليهما مخلوق لله . بل إنهما معا من جملة المخاليق التي تسبح بحمد الله على الدوام فلا تفتر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.