الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} (12)

قوله : { ما منعك ألا{[23081]} تسجد إذ أمرتك }[ 12 ]الآية .

هذا السؤال من{[23082]} الله ( تعالى{[23083]} ) سؤال تقرير{[23084]} وتوبيخ ؛ لأنه تعالى قد علم ذلك منه{[23085]} .

و " لا " زائدة مؤكدة{[23086]} .

والمعنى : ما منعك أن تسجد{[23087]} .

وقيل : إن " لا " غير زائدة وإن الكلام حذفا{[23088]} . والمعنى : [ ما منعك ]{[23089]} من السجود وأحوجك ألا تسجد ؟ فحذف " أحوجك " لدلالة الكلام عليه . وهو اختيار الطبري{[23090]} .

وقيل المعنى : ( إن{[23091]} ) المنع هنا{[23092]} بمعنى " القول " و " لا " غير{[23093]} زائدة ، والتقدير : من قال لك ألا تسجد{[23094]} إذ أمرتك بالسجود : ودخلت " أن " كما تدخل في كلام هو{[23095]} بمعنى القول ، ولفظه مخالف للفظ القول كقولهم/ " ناديت أن لا تقم " {[23096]} ، و " حلفت ألا تجلس " فلما كان المنع بمعنى{[23097]} القول ، وليس من لفظه دخلت " أن " {[23098]} .

وقيل : إن المنع لما كان معناه الحول بين المرء وبين ما يريده ، فالممنوع مضطر إلى خف ما منع منه ، فلما كان معنى المنع هذا ، كان تقدير الكلام : ما{[23099]} اضطرك إلى أن لا تسجد{[23100]} .

وقوله : { قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين }[ 12 ] .

هذا خبر من الله ( عز وجل{[23101]} ) عما قال إبليس ، إذ قال له الله : { ما منعك ألا تسجد } ، فقال إبليس : أنا أفضل منه ؛ لأني من نار ، وهو من طين ، ففضل عليه كفضل النار على الطين . فجهل عدو الله الحق ، وأخطأ طريق النظر{[23102]} ، إذ كان معلوما أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب ، والارتفاع والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الملعون بعد{[23103]} الشقاء الذي سبق له من الله ( عز وجل{[23104]} ) على الاستكبار . وكان معلوما أن من جوهر الطين الرزانة والأناة ، وذلك الذي حمل ( آدم[ عليه السلام ]{[23105]}-{[23106]} ) بعدما سبق له عند ربه ( عز وجل ) على الندم على الذنب والتوبة منه . ولذلك كان الحسن{[23107]} وابن سيرين{[23108]} يقولان : " أول من قاس إبليس " {[23109]} ، يعنيان أنه أخطأ في قياسه في تفضيل النار على الطين ؛ وأنها أقوى من الطين{[23110]} .

وقول إبليس : { أنا خير منه } ليس بجواب في الظاهر{[23111]} لمن قال : " ما منعك أن تفعل ؟ " ؛ وإنما هذا جواب من قال : " أيكما خير ؟ " ؛ ولكنه جواب محمول على المعنى لا على ظاهر السؤال{[23112]} ؛ كأنه لما قيل له : { ما منعك ألا تسجد{[23113]} } ، قال : فضلي{[23114]} عليه أني من نار ؛ وأنه من طين{[23115]} فأخبر الملعون عن نفسه بخبر فيه معنى الجواب{[23116]} .


[23081]:في الأصل: {ما منعك ألا تسجد}، وهو سهو ناسخ، أثبت ما في سورة ص آية 74.
[23082]:في الأصل: أمر، وهو تحريف.
[23083]:ما بين الهلالين ساقط من ج.
[23084]:في المحرر الوجيز /378: "ما: استفهام، والمقصود به التوبيخ والتقريع"، وفي البحر المحيط 4/278: والمعنى أنه وبه وقرعه".
[23085]:في معاني القرآن للزجاج 2/322: "فمسألته (أي: سؤاله) عن هذا والله قد علم ما منعه، توبيخ له وليظهر أنه معاند".
[23086]:مشكل إعراب القرآن 1/284، ومعاني القرآن للزجاج 2/322، والبحر المحيط 4/273، والدر المصون 3/29.
[23087]:معاني القرآن للفراء 1/374، ومجاز القرآن 1/211، ومعاني القرآن للزجاج 2/322.
[23088]:في الأصل: حذف، وهو خطأ ناسخ.
[23089]:زيادة من ج، وجامع البيان 12/325.
[23090]:انظر: جامع البيان 12/325، 326.
[23091]:ما بين الهلالين ساقط من ج.
[23092]:في ج، وجاع البيان 12/325: ههنا.
[23093]:"غير" لحق في ج، رسم عليه رمز "صح".
[23094]:في جامع البيان 12/325: "من قال لك لا تسجد...".
[23095]:في ج: وهو.
[23096]:في الأصل، وج: "أن لا تقوم" وأثبت ما في جامع البيان 12/325.
[23097]:"بمعنى" كررت في الأصل.
[23098]:انظر: جامع البيان 12/325، فالفقرة جميعها مستخلصة منه.
[23099]:في ج: ما كان.
[23100]:انظر: جامع البيان 12/325، فالفقرة جميعها مستخلصة منه.
[23101]:ما بين الهلالين ساقط من ج.
[23102]:في الأصل: إذا، وهو تحريف.
[23103]:في الأصل: حمل الملعون على بعض الشقاء"، وهو تحريف، والتصويب من ج، وجامع البيان 12/327.
[23104]:ما بين الهلالين ساقط من ج.
[23105]:زيادة يقتضيها السياق.
[23106]:ما بين الهلالين ساقط من ج.
[23107]:هو: الحسن بن أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد. المفسر. ثقة، فقيه، وكان يرسل كثيرا ويدلس، أخرج له الجماعة. توفي سنة110هـ. انظر: المعارف 440، وتقريب التهذيب 99، وطبقات الداوودي 1/150.
[23108]:هو: محمد بن سيرين البصري، أبو بكر ابن أبي عمرة، ثقة ثبت. أخرج له الجماعة. توفي سنة 110هـ. انظر: غاية النهاية 2/151، 152، وتقريب التهذيب 418.
[23109]:في الأصل: أول من قال أنا إبليس، وهو تحريف، والتصويب من ج وتفسير الحسن البصري 1/371، جامع البيان 12/328، والمحرر الوجيز 2/379، وفيه: "ولا يتأول عليهما إنكار القياس، وإنما خرج كلامهما نهيا عما كان في زمنهما من مقاييس الخوارج وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجادة"، والبحر المحيط 4/274، وفيه: "واستدل نفاة القياس على إبطاله بقصة إبليس. ولا حجة فيها؛ لأنه قياس في مورد النص. فهو فاسد، فلا يدل على بطلان القياس حيث لا نص". وانظر: حجج القائلين بالقياس في تفسير القرطبي 7/111، 112، فهي قوية حسنة، وتفسير ابن كثير 2/203، وفيه: "إسناده صحيح". وعزي في تفسير البغوي 3/217، إلى ابن عباس.
[23110]:انظر: جامع البيان 12/326، 327، فالفقرة برمتها مستحصلة منه.
[23111]:في ج ليس بجوانب ظاهر لمن قال....
[23112]:في الأصل: المسؤال، وهو تحريف.
[23113]:في الأصل و: أن لا، بفك الإدغام.
[23114]:في الأصل: فضل، وهو تحريف.
[23115]:انظر: وجوه تفضيل الطين على النار، في تفسير القرطبي 7/111، فقد أوصلها إلى أربعة أوجه. ويمكن للمتدبر الحاذق أن يستخلص منها معاني تربوية نافعة. والله أعلم.
[23116]:الفقرة بمعناها في جامع البيان 12/329، ومعاني القرآن للزجاج 2/323، والمحرر الوجيز 2/379، وتفسير القرطبي 7/110، والبحر المحيط 4/273.