{ ومنهم الذين يُؤذون النبيّ ويقولون هو أُذُنٌ } يسمع كل ما يقال له ويصدقه ، سمي بالجارحة للمبالغة كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة السماع كما سمي الجاسوس عينا لذلك ، أو اشتق له فعل من أذن أذناً إذا استمع كأنف وشلل . روي أنهم قالوا محمد أذن سامعه نقول ما شئنا ثم تأتيه فيصدقنا بما نقول . { قل أُذنٌ خير لكم } تصديق لهم بأنه أذن ولكن لا على الوجه الذي ذموا به بل من حيث أنه يسمع الخير ويقبله ، ثم فسر ذلك بقوله : { يؤمن بالله } يصدق به لما قام عنده من الأدلة . { ويؤمن للمؤمنين } ويصدقهم لما علم من خلوصهم ، واللام مزيدة للتفرقة بين إيمان التصديق فإنه بمعنى التسليم وإيمان الأمان . { ورحمة } أي وهو رحمة . { للذين آمنوا منكم } لمن أظهر الإيمان حيث يقبله ولا يكشف سره ، وفيه تنبيه عل أنه ليس يقبل قولكم جهلا بحالكم بل رفقا بكم وترحما عليكم . وقرأ حمزة { ورحمة } بالجر عطفا على { خير } . وقرئ بالنصب على أنها علة فعل دل عليه { أُذنَ خير } أي يأذن لكم رحمة . وقرأ نافع { أذن } بالتخفيف فيهما . وقرئ { أذن خير } على أن { خير } صفة له أو خبر ثان { والذين يُؤذون رسول الله لهم عذاب أليم } بإيذائه .
أذن : يسمع كل ما يقال ويصدقه . أذن خير : يسمع الصدق ولا يخدع بالباطل .
يؤمن للمؤمنين : يصدقهم لما يعلم فيهم من الإخلاص والإيمان الصادق .
لا يزال الحديث في المنافقين ومداوراتهم ، وما كانوا يفعلون من توجيه الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم . وقد وردت عدة روايات في هذا الموضوع عن ابن إسحاق وابن المنذر وغيرهم . من ذلك أن رجلا من المنافقين اسمُه : نبتل بن الحارث ، كان يأتي الرسول الكريم فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين . وهو الذي قال لهم : إنما محمد أذُنٌ ، مَنْ حدّثَه شيئا صَدّقه .
وكذلك روي أن جماعة من المنافقين منهم : جلاس بن سويد بن الصامت ، ومخشي بن حِمْير ، ووديعة بن ثابت ، اجتمعوا فأرادوا أن يقعوا في النبي الكريم . فنهى بعضهم بعضا ، وقالوا : نخاف أن يبلغ محمدا فيقع بكم . فقال بعضهم : إنما محمد أُذُنٌ نَحْلِفُ له فيصدّقنا . . . فنزلت الآية
ومن المنافقين جماعة يتعمّدون إيذاء النبيّ ، فيتّهمونه بأنه يسمعُ من كّلِ أحدٍ ما يقوله ويصدِّقه ، وأنه يُخْدع بما يَسْمَع ، فقل لهم أيها الرسول : إن من تتناولونه بهذه التُّهمة ليس كما زعمتم ، بل هو أُذُن خير لكم لا يَسْمع إلا الصِدق ، ولا يُخدع بالباطل ، ويصدِّق بالله وبما يوحي إليه ، ويصدِّق المؤمنين ، لأنه يعمل أن إيمانهم يمنعُهم من الكذب . وهو رحمةٌ للذين آمنوا منكم إيمانا صحيحا ، أما الذين يؤذون الرسول بالقولِ أو بالفعل فجزاؤهم العذاب الشديد .
وقد صار هذا القول عن بعض المنافقين لأن النبي الكريم كان لا يواجهُهم بسوء ، ويعاملهم بكل سماحة ، ويهَشّ لهم ويستقبلهم ، فظنّوا أنه ينخدِع بهم ، وتنطلي عليه حيلُهم ونفاقهم .
قرأ نافع : «أذن » بإسكان الذال ، والباقون «أُذن » بضم الذال ، وقرأ حمزة : «ورحمة » بالجر عطفا على «خير » والباقون : «رحمة » بالضم .
قوله تعالى : { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن } ، نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقولون ما لا ينبغي ، فقال بعضهم : لا تفعلوا ، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا . فقال الجلاس بن سويد منهم : بل نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فننكر ما قلنا ، ونحلف فيصدقنا بما نقول ، فإنما محمد أذن ، أي : أذن سامعه ، يقال : فلان أذن وأذنة على وزن فعله إذا كان يسمع كل ما قيل له ويقبله ، وأصله من أذن يأذن أذنا أي : استمع . وقيل : هو أذن أي : ذو أذن سامعة . وقال محمد بن إسحاق بن يسار : نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث ، وكان رجلا أزنم ، ثائر شعر الرأس ، أحمر العينين ، أسفع الخدين ، مشوه الخلقة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث " . وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين ، فقيل له : لا تفعل ، فقال : إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه ، فتقول ما شئنا ، ثم نأتيه ونحلف بالله فيصدقنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . قوله تعالى : { قل أذن خير لكم } ، قرأه العامة بالإضافة ، أي : مستمع خير وصلاح لكم ، لا مستمع شر وفساد . وقرأ الأعمش و البرجمي عن أبي بكر : " أذن خير لكم " ، مرفوعين منونين ، يعني : أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم ، ثم كذبهم فقال : { يؤمن بالله } ، أي : لا ، بل يؤمن بالله ، { ويؤمن للمؤمنين } ، أي : يصدق المؤمنين ويقبل منهم لا من المنافقين . يقال : أمنته وأمنت له بمعنى صدقته . { ورحمة } ، قرأ حمزة : { ورحمة } بالخفض على معنى أذن خير لكم ، وأذن رحمة ، وقرأ الآخرون : { ورحمة } بالرفع ، أي : هو أذن خير ، وهو رحمة { للذين آمنوا منكم } ، لأنه كان سبب إيمان المؤمنين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.