أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{۞أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (44)

{ أتأمرون الناس بالبر } تقرير مع توبيخ وتعجيب . والبر : التوسع في الخير ، من البر وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير ، ولذلك قيل ثلاثة : بر في عبادة الله تعالى ، وبر في مراعاة الأقارب . وبر في معاملة الأجانب .

{ وتنسون أنفسكم } وتتركونها من البر كالمنسييات ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في أحبار المدينة ، كانوا يأمرون سرا من نصحوه باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه .

وقيل : كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون { وأنتم تتلون الكتاب } تبكيت كقوله : { وأنتم تعلمون } أي تتلون التوراة ، وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل .

{ أفلا تعقلون } قبح صنيعكم فيصدكم عنه ، أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته . والعقل في الأصل الحبس ، سمي به الإدراك الإنساني لأنه يحبسه عما يقبح ، ويعقله على ما يحسن ، ثم القوة التي بها النفس تدرك هذا الإدراك . والآية ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه سوء صنيعه وخبث نفسه ، وأن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل ، فإن الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته ، والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لتقوم فيقيم غيره ، لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (44)

لا يزال الكلام موجَّهاً إلى بني إسرائيل ، وأحبارهم على الخصوص . لقد وبخهم الله على اعوجاج سيرتهم ، وفساد أعمالهم ، فقد كانوا يتلون التوراة ولا يعملون بما فيها ، كانوا يأخذون ما يوافقهم ويتركون ما يعارض شهواتهم وأهواءَهم . وقد جاء في عدة مواضع من التوراة نبأ البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فحرّفوا هذه البشارة ، وأولوها بما يوافق هواهم ، حتى إن بعض أحبارهم كان ينصح سراً بالإيمان بمحمد لمن يحب ، ولا يعمل بذلك .

{ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يعني : ألا يوجد فيكم عقل يردكم عن هذا السفه ؟

ومع أن الخطاب لليهود ، وهذا حالهم ، فإنه عامٌ وعبرة لغيرهم .