أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (38)

{ قلنا اهبطوا منها جميعا } كرر للتأكيد ، أو لاختلاف المقصود فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون ، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف ، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك ، والتنبيه على أن مخافة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين وحدها كافية للحازم أن تعوقه عن مخالفة حكم الله سبحانه وتعالى ، فكيف بالمقترن بهما ، ولكنه نسي ولم نجد له عزما ، وأن كل واحد منهما كفى به نكالا لمن أراد أن يذكر . وقيل الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والثاني منها إلى الأرض وهو كما ترى . و{ جميعا } حال في اللفظ تأكيد في المعنى كأنه قيل : اهبطوا أنتم أجمعون ، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمان واحد كقولك : جاؤوا جميعا { فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } الشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول ، وما مزيدة أكدت به إن ولذلك حسن تأكيد الفعل بالنون وإن لم يكن فيه معنى الطلب ، والمعنى : إن يأتينكم مني هدى بإنزال أو إرسال ، فمن تبعه منكم نجا وفاز ، وإنما جيء بحرف الشك ، وإتيان الهدى كائن لا محالة لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلا ، وكرر لفظ الهدى ولم يضمر لأنه أراد بالثاني أعم من الأول ، وهو ما أتى به الرسل واقتضاه العقل ، أي : فمن تبع ما أتاه مراعيا فيه ما يشهد به العقل فلا خوف عليهم فضلا عن أن يحل بهم مكروه ، ولا هم يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه ، فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع نفى عنهم العقاب وأثبت لهم الثواب على آكد وجه وأبلغه . وقرئ هدى على لغة هذيل ولا خوف بالفتح .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (38)

أي : آدم وحوّاء وإبليس ، فقد انتهى طور النعيم الخالص الذي كنتم فيه ، وادخلوا في طور لكم فيه طريقان : هدًى وإيمان ، وضلال وخسران .

{ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى } عن طريق رسولٍ مرشد ، وكتاب مبين ، فإن لكم الخيار . فمن تبع هداي الذي أشرعه ، وسلَكَ صراطي المستقيم الذي أوضحه ، { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من وسوسة الشيطان ، وما يعقبها من الشقاء والعذاب بعد يوم الحساب والعرض على الملك الديّان ، { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على فوت مطلوب ، أو فقد محبوب ، لأنهم يعلمون بهذه الهداية أن الصبر والتسليم ، مما يرضى الله ويوجب مثوبته ، فيكون لهم من ذلك خير عوض عما فاتهم ، وأفضل تعزية عما فقدوه .

والهبوط في «اهبطوا » أصله : الانحدار على سبيل القهر ، ويجوز أن يُقصد به هنا مجرد الانتقال ، كما في قوله تعالى : «اهبطوا مصراً » أي : ارتحِلوا إليها .

وقد أمر الله تعالى آدم وحواء وإبليس بالهبوط مرّتين :

الأولى : للإشارة إلى أنهم يهبطون من الجنة إلى دار بلاء وشقاء ، ودار استقرار في الأرض ، للتمتع بخيراتها إلى حين .

والثانية : لبيان حالهم من حيث الطاعة والمعصية ، وأنهم ينقسمون فريقين : فريق يهتدي بهدى الله الذي أنزله وبلّغه للناس على لسان رسُله ، وفريق سار في الضلال وكذّب بالآيات ، فحق جزاؤهم في جهنم خالدين فيها أبدا . وهم المشار إليهم بقوله تعالى : { والذين كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآياتنَآ أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .