أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ} (70)

{ وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } أي بنوا أمر دينهم على التشهي وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلا وآجلا ، كعبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب ، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوهم لعبا ولهوا حيث سخروا به ، أو جعلوا عيدهم الذي جعل ميقات عبادتهم زمان لهو ولعب . والمعنى أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم ، ويجوز أن يكون تهديدا لهم كقوله تعالى : { وغرتهم الحياة الدنيا } حتى أنكروا البعث . { وذكر به } أي بالقرآن . { أن تبسل نفس بما كسبت } مخافة أن تسلم إلى الهلاك وترهن بسوء عملها . وأصل الأبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه ، والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي حرام . { ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع } يدفع عنها العذاب . { وإن تعدل كل عدل } وإن تفد كل فداء والعدل الفدية لأنها تعادل المفدي وها هنا الفداء وكل نصب على المصدرية . { لا يؤخذ منها } الفعل مسند إلى منها لا إلى ضميره بخلاف قوله : { ولا يؤخذ منها عدل } فإنه المفدى به . { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } أي سلموا إلى العذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة . { لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } تأكيد وتفصيل لذلك ، والمعنى هم بين ماء مغلي يتجرجر في بطونهم ونار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ} (70)

أن تبسل نفس : أن تحبس بما كسبت وتمنع . البسل : حبس الشيء ومنعه بالقهر ، ومنه شجاع باسل أي مانع غيره .

تَعْدِل : تَفْد كل فداء .

الحميم : الشديد الحرارة . ألِيم : شديد الألَم .

واترك يا محمد ، أنت ومن اتبعك من المؤمنين ، جميعَ الذين اتخذوا دينهم لعبا ، فلقد خدعتهم الحياة الدنيا عن الآخرة ، فآثروها واشتغلوا بلذائذها الفانية .

وبعد أن أمرهم بترك المستهزئين بدينهم أمر بالتذكير بالقرآن فقال : ذكّر يا محمد دائما بالقرآن ، وحذرهم هول يوم القيامة ، يوم تُحبس فيه كل نفس بعملها . { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } . لا ناصر يومذاك ولا معين غير الله .

ثم أرشد إلى أنه لا ينفع في الآخرة إلا صالح الأعمال ، فلا شفيع ولا وسيط ، وكلُّ فِدية للنجاة من العذاب مرفوضة ولا ينفع النفسَ أي فدية تقدمها في ذلك اليوم .

ثم يبين الله أن هذا الإبسال كان بسوء صنِيعهِم ، حيث اتخذوا دينهم هزواً ولعباً فحُرموا الثواب ، وحُبسوا عن دار السعادة . لقد أحاطت بهم خطاياهم ، فاستحقّوا أن يكون { لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } ، أي شراب من ماء شديد الحرارة ، وعذاب شديد الألم بنار تشتعل في أبدانهم .

وفي ذلك عبرة لمن ينفعه القرآن ، ولا يَغتَرُّ بلقب الإسلام فقط ، ويعلم أن المسلم من اتخذ القرآن إمامه ، وسنَّةَ رسوله طريقه ، لا من اغتّر بالأماني وركن إلى شفاعة الشافعين .

وفي ذلك عبرة لمن ينفعه القرآن ، ولا يَغتَرُّ بلقب الإسلام فقط ، ويعلم أن المسلم من اتخذ القرآن إمامه ، وسنَّةَ رسوله طريقه ، من اغتّر بالأماني وركن إلى شفاعة الشافعين .