{ وعلى الثلاثة } وتاب على الثلاثة كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع . { الذين خُلّفوا } تخلفوا عن الغزو أو خلف أمرهم فإنهم المرجئون . { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } أي برحبها لإعراض الناس عنهم بالكلية وهو مثل لشدة الحرية . { وضاقت عليهم أنفسهم } قلوبهم من فرط الوحشة والغم بحيث لا يسعها أنس ولا سرور . { وظنوا } وعلموا . { أن لا ملجأ من الله } من سخطه . { إلا إليه } إلا إلى استغفاره . { ثم تاب عليهم } بالتوفيق للتوبة . { ليتوبوا } أو أنزل قبول توبتهم ليعدوا من جملة التائبين ، أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم . { إن الله هو التواب } لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة . { الرحيم } المتفضل عليهم بالنعم .
بما رحبت : بما وسعت على اتساعها .
لقد تفضلّ الله تعالى بالعفو عن الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج للجهاد في غزوة تبوك ولم يكن تخلّفهم عن نفاق . وهو يعلم أنهم مؤمنون صادقون . لذا كانت توبتهم خالصة ، وندمهم شديدا حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على سَعَتها ، وضاقت عليهم نفوسُهم همّاً وحزنا . لقد علموا أنه لا ملجأ من غضب الله إلا بالرجوع إليه ، وحينئذ هداهم إلى التوبة ، وعفا عنهم ، فهو التواب الرحيم .
والثلاثة الذين خلفوا هم : كعب بن مالك وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وجميعهم من الأنصار . وكان كعب بن مالك من أكابر الشعراء ومن الصحابة الصادقين وأحد المنافحين عن النبي الكريم بشِعره . وقد روى البخاري ومسلم قصته بالتفصيل . قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله في غزوةٍ غزاها إلا في بدرٍ وتبوك ، والرسول لم يعاتب أحدا تخلف عن غزوة بدر .
وكنت وقتَ غزوة تبوك في حالة جيدة من المال والصحة ، عندي راحلتان . وقد بقيت أغدو وأروح لأتجهّز فلم أوفَّق ، وظللت أتعلل بأني قادر وسوف أتبعُهم . ولما رجع رسول الله عن الغزوة وجلس للناس جاءه المخلّفون فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم عذرهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله . فجئته أنا ، فلما سلَمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضَب ، ثم قال لي : ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابْتَعتَ ظهرك ؟ فقلت : بلى ، إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا ، لرأيتُ أن سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أُعطيتُ جدلا ، ولكني والله قد علمت لئن حدّثتُك اليوم حديثَ كذب ترضى به عني ، ليوشكنّ اللهُ أن يُسخِطَك علي ، ولئن حدثتك حديثَ صدق تجد عليَّ فيه ، إني لأرجو فيه عفو الله . لا والله ما كان لي من عذر . . فقال رسول الله : أما هذا فقد صَدق ، فقم حتى يقضي الله فيك ، فقمت .
وكذلك فعل صاحباه فصدَقا رسول الله . وكان الثلاثة من الصحابة المرموقين فآثروا الصدق وفاء لدِينهم ، وخوفا من أن يفضح الله كذبهم . وسمع النبي منهم وأعلن أنهم قد صدقوه ، ولم يعفُ عنهم مع ذلك ، بل ترك أمرهم إلى الله . وأمرَ المؤمنين أن لا يكلّموهم .
وينظر هؤلاء الثلاثة فإذا هم في عزلة بغيضة إلى نفوسهم ، السجنُ أهون منها .
يقول كعب : فبينما أنا أمشي بسوق المدينة ، إذا نبطيُّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلّ على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له ، حتى إذا جاءني ، رفع إليَّ كتاباً من ملك غسَان ، فإذا فيه : أما بعد ، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدارٍ هوان ولا مَضْيَعة ، فالحقْ بنا نُواسِك ، فقلت لما قرأتها : وهذا أيضاً من البلاء ، فأحرقت الكتاب .
وبعد أن مضت أربعون ليلة أرسل إليهم النبي أن يعتزلوا نساءهم . وبعد أن مضت عليهم خمسون ليلة في هذه العزلة ، كان الندم قد أخذ من قلوبهم أقوى مأخذ ، فأنزل الله توبته عليهم في هاتين الآيتين الكريمتين ، وقد ابتهج المؤمنون كلهم لذلك ، فكانوا يهنئونهم بذلك .
يقول كعب : لما بلَغني النبأ انطلقتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد حوله المسلمون . فقام إليَّ طلحةُ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وقال : لِتَهْنِكَ توبة الله ، فلن أنساها لطلحة . وقال رسول الله وهو يستنير استنارة القمر : أبشِر يا كعب بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتْك أُمك . ثم تلا علينا الآية . . .
وفي هذه القصة عبرة للمؤمنين تخشع لها قلوبهم ، وتفيض عبراتهم .
{ و } كذلك لقد تاب الله { عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } عن الخروج مع المسلمين ، في تلك الغزوة ، وهم : " كعب بن مالك " وصاحباه ، وقصتهم مشهورة معروفة ، في الصحاح والسنن .
{ حَتَّى إِذَا } حزنوا حزنا عظيما ، و { ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } أي : على سعتها ورحبها { وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ } التي هي أحب إليهم من كل شيء ، فضاق عليهم الفضاء الواسع ، والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منه ، وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج ، بلغ من الشدة والمشقة ما لا يمكن التعبير عنه ، وذلك لأنهم قدموا رضا اللّه ورضا رسوله على كل شيء .
{ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ } أي : تيقنوا وعرفوا بحالهم ، أنه لا ينجي من الشدائد ، ويلجأ إليه ، إلا اللّه وحده لا شريك له ، فانقطع تعلقهم بالمخلوقين ، وتعلقوا باللّه ربهم ، وفروا منه إليه ، فمكثوا بهذه الشدة نحو خمسين ليلة .
{ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } أي : أذن في توبتهم ووفقهم لها { لِيَتُوبُوا } أي : لتقع منهم ، فيتوب اللّه عليهم ، { إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ } أي : كثير التوبة والعفو ، والغفران عن الزلات والعصيان ، { الرَّحِيمِ } وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين ، في جميع اللحظات ، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية .
وفي هذه الآيات دليل على أن توبة اللّه على العبد أجل الغايات ، وأعلى النهايات ، فإن اللّه جعلها نهاية خواص عباده ، وامتن عليهم بها ، حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها .
ومنها : لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة .
ومنها : أن العبادة الشاقة على النفس ، لها فضل ومزية ليست لغيرها ، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر .
ومنها : أن توبة اللّه على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد ، وأن من لا يبالي بالذنب ولا يحرج إذا فعله ، فإن توبته مدخولة ، وإن زعم أنها مقبولة .
ومنها : أن علامة الخير وزوال الشدة ، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقا تاما ، وانقطع عن المخلوقين .
ومنها : أن من لطف اللّه بالثلاثة ، أن وسمهم بوسم ، ليس بعار عليهم فقال : { خُلِّفُوا } إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم ، [ أو خلفوا عن من بُتّ في قبول عذرهم ، أو في رده ]{[387]} وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير ، ولهذا لم يقل : " تخلفوا " .
ومنها : أن اللّه تعالى من عليهم بالصدق ، ولهذا أمر بالاقتداء بهم فقال :