{ إلا تنصروه فقد نصره الله } أي إن لم تنصروه فسينصره الله كما نصره . { إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين } ولم يكن معه إلا رجل واحد ، فحذف الجزاء وأقيم ما هو كالدليل عليه مقامه ، أو إن لم تنصروه فقد أوجب الله له النصر حتى نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في غيره ، وإسناد الإخراج إلى الكفرة لأن همهم بإخراجه أو قتله تسبب لإذن الله له بالخروج . وقرئ { ثاني اثنين } بالسكون على لغة من يجري المنقوص مجرى المقصور في الإعراب ونصبه على الحال . { إذ هما في الغار } بدل من إذ أخرجه بدل البعض إذ المراد به زمان متسع ، والغار نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة مكثا فيه ثلاثا . { إذ يقول } بدل ثان أو ظرف لثاني . { لصاحبه } وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه { لا تحزن إن الله معنا } بالعصمة والمعونة . روي ( أن المشركين طلعوا فوق الغار فأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " ، فأعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه ) . وقيل لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه . { فأنزل الله سكينته } أمنته التي تسكن عندها القلوب . { عليه } على النبي صلى الله عليه وسلم ، أو على صاحبه وهو الأظهر لأنه كان منزعجا . { وأيّده بجنود لم تروها } يعني الملائكة أنزلهم ليحرسوه في الغار أو ليعينوه على العدو يوم بدر والأحزاب وحنين ، فتكون الجملة معطوفة على قوله { نصره الله } . { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } يعني الشرك أو دعوة الكفر . { وكلمة الله هي العليا } يعني التوحيد أو دعوة الإسلام ، والمعنى وجعل ذلك بتخليص الرسول صلى الله عليه وسلم عن أيدي الكفار إلى المدينة فإنه المبدأ له ، بتأييده إياه بالملائكة في هذه المواطن أو بحفظه ونصره له حيث حضر . وقرأ يعقوب { وكلمة الله } بالنصب عطفا على كلمة { الذين } ، والرفع أبلغ لما فيه من الإشعار بأن { كلمة الله } عالية في نفسها وإن فاق غيرها فلا ثبات لتفوقه ولا اعتبار ولذلك وسط الفصل . { والله عزيز حكيم } في أمره وتدبيره .
مِنْ عزيزِ تلك النصرة أنه لم يستأنِسْ بثانية الذي كان معه بل رد الصِّدِّيقَ إلى الله ، ونهاه عن مساكنته إياه ، فقالَ : " ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما ؟ " .
قال تعالى : { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } .
ويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه في كشوفاته في تلك الحالة ، ولولا نصرتُه لتلاشى تحت سطواتِ كَشْفِه .
ويقال كان - عليه السلام - أمانَ أهل الأرض على الحقيقة ، قال تعالى :
{ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِم }[ الأنفال : 33 ] ، وجعله - في الظاهر - في أمان العنكبوت حين نَسَجَ خَيْطَه على باب الغار فَخَلَّصَه من كيدهم .
ويقال لو دخل هذا الغار لا تشقَّ نسيج العنكبوت . . . فيا عجباً كيف سَتَرَ قصةَ حبيبه - صلوات الله عليه وعلى آله وسلم ؟ ! .
ويقال صحيحٌ ما قالوا : للبقاع دول ، فما خَطَرَ ببالِ أحدٍ أنَّ تلك الغار تصير مأوى ذلك السيِّد - صلى الله عليه وسلم ! ولكنه يختص بقسمته ما يشاء{ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ }[ البقرة : 105 ] .
ويقال ليست الغِيران كلها مأوى الحيَّاتِ ، فمنها ما هو مأوى الأحباب . ويقال علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه ، وهو تعالى يقول :
{ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } فهو سبحانه - وإن تقدَّس عن كل مكان - ولكن في هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد ، وأنشدوا :
يا طالبَ الله في العرشِ الرفيعِ به *** لا تطلب العرشَ إن المجد في الغار
وفي الآية دليل على تحقيق صحبة الصدِّيق - رضي الله عنه - حيث سمَّاه الله سبحانه صاحبَه ، وعَدَّه ثانِيه ، في الإيمان ثانية ، وفي الغار ثانيه ثم في القبر ضجيعه ، وفي الجنة يكون رفيقه .
قوله جلّ ذكره : { فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } .
الكناية في الهاء من " عليه " تعود إلى الرسول عليه السلام ، ويحتمل أن تكون عائدةٌ إلى الصديق رضي الله عنه ، فإن حُمِلَتْ على الصديق تكون خصوصية له من بين المؤمنين على الانفراد ، فقد قال عز وجلّ لجميع المؤمنين :{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين }[ الفتح : 4 ] .
وقال للصدِّيق - على التخصيص - فأنزل الله سكينته عليه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله يتجلّى للناس عامة ويتجلَّى لأبي بكر خاصة " .
وإنما كان حزنُ الصديقِ ذلك اليوم لأجل الرسول - صلى الله عليه وسلم- إشفاقاً عليه . . لا لأجل نَفْسِه . ثم إنه - عليه السلام - نفى حزنه وسلاّه بأن قال : { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } ، وحُزْنٌ لا يذهب لِمَعِيَّة الحقِّ لا يكون إلاَّ " لحقِّ الحق " .
قوله جلّ ذكره : { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِىَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .
يريد به النبي صلى الله عليه وسلم . وتلك الجنودُ وفودُ زوائد اليقين على أسراره بتجلِّي الكشوفات .
{ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى } بإظهار حُجج دينه ، وتمهيد سُبُل حقِّه ويقينه ؛ فراياتُ الحقِّ إلى الأبدِ عالية ، وتمويهات الباطل واهية ، وحِزْبُ الحقِّ منصورون ، ووفد الباطل مقهورون .
ويقال لما خلا الصديق بالرسول عليه السلام في الغار ، وأشرقت على سِرِّه أنوار صحبة الرسول عليه السلام ، ووقع عليه شعاعُ أنواره ، واشتاق إلى الله تعالى لفَقْدِ قراره - أزال عنه لواعِجه بما أخبره مِنْ قُرْبه - سبحانه - فاستبدل بالقلق سكوناً ، وبالشوق أُنساً ، وأنزل عليه من السكينة ما كاشفه به من شهود الهيبة .
ويقال كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثاني اثنين في الظاهر بشبه ولكن كان مُسْتَهْلَكَ الشاهد في الواحِد بِسِرِّه .
في الغار : الغار هنا هو غار ثور الذي لجأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه يوم الهجرة .
سكينته : سكون النفس وطمأنينتها .
ثم بعد ذلك رغّبهم في الجهاد وبيَّن لهم أنه تعالى هو الذي ينصر نبيّه على أعداء دينه ، سواء أعانوه أم لم يفعلوا ، وهو سبحانه قد فعل ذلك والرسول في قلّة من العدد ، والعُدوُّ في كثرة ، فكيف وأصحابه الآن كثيرون ، والعدوُّ قليل ! ! .
إن لم تنصروا رسولَ الله فإن الله كفيلٌ بذلك . فلقد أيَده ونَصره حين أجمعَ كفّار قريش على قتله ، واضطروه إلى الخروج من مكة مهاجراً ، وليس معه إلا أبو بكر ثاني اثنين في الغار . والغارُ هو غار ثَوْر على ساعةٍ من مكة إلى جهة اليَمَن . وقد مكثا فيه ثلاث ليالٍ ، وبينما هما في الغار اقتفى أثرهما نفر من المشركين ، فخاف أبو بكر على حياة الرسول ، فقال له رسول الله : لا تحزن إن الله معنا ، ولن يصلوا إلينا .
روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أنَس قال : «حدثني أبو بكر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، فنظرتُ إلى أقوامِ المشركين ، وهم على رؤوسنا فقلت : يا رسولَ الله ، لو أن أحدَهم نَظَر إلى قدميه لأَبصرَنا تحت قدميه . فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثُهما ؟
عند ذلك أنزل الله الطمأنينة على رسوله ، وأيّده بجنود عنده لا يعلمهم إلا هو سبحانه ، انتهى الأمرُ بأن جعَلَ كلمةَ الشِرك وشوكتَهم هي السفلى ، وكلمةُ الله وهي دينه ، هي العليا بظهور نور الإسلام .
والله متّصفٌ بالعِزة لا يُقهر ، حكيم إذ يضع الأمورَ في مواضعِها . وقد اقتضت حكمتُه أن ينصر نبيه بعزّته ، ويُظهر دينه على جميع الأديان .