أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} (12)

{ قال ما منعك ألا تسجد } أي أن تسجد ولا صلة مثلها في لئلا يعلم ، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه ، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود . وقيل الممنوع عن الشيء مضطر إلى خلافة فكأنه قيل : ما اضطرك إلى ألا تسجد . { إذ أمرتك } دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور . { قال أنا خير منه } جواب من حيث المعنى استأنف به استبعادا لأن يكون مثله مأمورا بالسجود لمثله كأنه قال : المانع أني خير منه ، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول ، فكيف يحسن أن يؤمر به . فهو الذي سن التكبر وقال بالحسن والقبح العقليين أولا . { خلقتني من نار وخلقته من طين } تعليل لفضله عليه ، وقد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كله باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليها بقوله تعالى : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } أي بغير واسطة ، وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله : { ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } وباعتبار الغاية وهو ملاكه ولذلك أمر الملائكة بسجوده لما بين لهم أنه أعلم منهم ، وأن له خواص ليست لغيره ، والآية دليل الكون والفساد وأن الشياطين أجسام كائنة ، ولعل إضافة خلق الإنسان إلى الطين والشيطان إلى النار باعتبار الجزء الغالب .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} (12)

أي لولا قهر الربوبية جرى عليك وإلا فما مُوجِبُ امتناعك عن السجودِ لآدم لو كُنْتَ تُعَظِّم أمري ؟ فيتحقق الموحدون أن موجِبَ امتناعه عن السجود الخذلانُ الحاصلُ ، ولو ساعده التوفيق لم يبرح بعد من السجود .

قال : { أنا خير منه } ادَّعى الخيرية ، وكان الواجب عليه - لولا الشقوة - أَنْ يؤثِرَ التذلَّلَ على التكبُّر ، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحقِّ .

ثم إنه وإنْ سَلَكَ طريق القياس فلا وجه له مع النَّفس لأنه بِحَظٍّ ، فلم يزِدْه قياسُه إلا في استحقاق نفيه إذ ادَّعى الخيرية بجوهره ، ولم يعلم أن الخيرية بحكمه - سبحانه - وقسمته .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} (12)

المفردات :

ما منعك ألا تسجد : ما ألزمك واضطرك إلى ألا تسجد ، فالمنع مجاز عن الإلجاء والاضطرار ، والاستفهام للتوبيخ والتقريع .

التفسير :

قال ما منعك ألا تسجد . . . الآية .

أي : قال الله تعالى لإبليس : ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد ؟ !

والسؤال لإقامة الحجة ، وللتقريع والتوبيخ ، وإلا فهو سبحانه عالم بذلك .

قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين . أي : قال إبليس أنا خير من آدم ؛ لأني مخلوق من عنصر النار الذي هو أشرف من عنصر الطين والأشراف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه ، والأعلى لا يليق به السجود للأدنى .

ولقد أورد المفسرون هنا كلاما لطيفا يفيد أن عدو الله قد أخطأ في زعمه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين .

فإن الطين من شأنه الرزانة والأناة والتثبت ، وهو محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح ، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة .

ولهذا خان إبليس عنصره ، ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله .

جاء في تفسير أبي السعود :

ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر ، وزل عنه ما من جهة الفاعل كما أنبأ عنه قوله تعالى : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي . أي : بغير واسطة على وجه الاعتناء به .

وما من جهة الصورة كما نبه عليه بقوله تعالى : ونفخت فيه من روحي .

وما من جهة الغاية وهو ملاك الأمر فهو مؤهل للخلافة في الأرض ، وله خواص ليست لغيره ( 31 ) .

وجاء في تفسير ابن كثير :

وقول إبليس : أنا خير منه . . . إلخ من العذر الذي هو أكبر من الذنب ؛ إذ بين بأنه خير من آدم ؛ لأنه خلق من النار وآدم خلق من الطين فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم ، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه .

وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص ، وهو قوله تعالى : فقعوا له ساجدين .

فشذ من بين الملائكة ؛ لترك السجود فأبعده الله عن رحمته .

وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت :

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم )( 32 ) .