{ قال هي عصاي } وقرئ " عصي " على لغة هذيل . { أتوكأ عليها } أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع . { وأهش بها على غنمي } وأخبط الورق بها على رؤوس غنمي ، وقرئ { أهش } وكلاهما من هش الخبز يهش إذا انكسر لهشاشته ، وقرئ بالسين من الهس وهو زجر الغنم أي أنحي عليها زاجرا لها . { ولي فيها مآرب أخرى } حاجات أخر مثل أنه كان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته ، وعرض الزندين على شعبيتها وألقى عليها الكساء واستظل به ، وإذا قصر الرشاء وصله بها ، وإذا تعرضت السباع لغنمه قاتل بها ، وكأنه صلى الله عليه وسلم فهم أن المقصود من السؤال أن يذكر حقيقتها وما يرى من منافعها ، حتى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة ووجد منها خصائص أخرى خارقة للعادة مثل أن تشتعل شعبتاه بالليل كالشمع ، وتصيران دلوا عند الاستقاء ، وتطول بطول البئر وتحارب عنه إذا ظهر عدو ، وينبع الماء بركزها ، وينضب بنزعها وتورق وتثمر إذا اشتهى ثمرة فركزها ، على أن ذلك آيات باهرة ومعجزات قاهرة أحدثها الله فيها لأجله وليست من خواصها ، فذكر حقيقتها ومنافعها مفصلا ومجملا على معنى أنها من جنس العصي تنفع منافع أمثالها ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه .
قال هي عصاي ، وأخذ يُعدِّد ما له فيها من وجوه الانتفاع فقال له : { قَالَ أَلْقِهَا يا مُوسَى } .
فإنَّك بنعت التوحيد ، واقفٌ على بساط التفريد ، ومتى يصحُّ ذلك ، ومتى يَسْلَمُ لك أن يكون لَكَ معتمدٌ تتوكأ عليه ، ومستند عليه تستعين ، وبه تنتفع ؟
ثم قال : { وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى } : أَوَّلُ قَدَمٍ في الطريق تَرْكُ كلِّ سَبَبٍ ، والتَّنَقِّي عن كل طَلَبٍ ؛ فكيف كان يَسْلَمُ له أن يقول : أَفْعَلُ بها ، وأمتنع ، ولي فيها مآرب أخرى .
ويقال ما ازداد موسى - عليه السلام - تفصيلاً في انتفاعه بعصاه إلا كان أقوى وأَوْلَى بأن يؤمن بإلقائها ، والتنقي عن الانتفاع بها على موجب التفرُّد لله .
ويقال التوحيد التجريد ، وعلامةُ صحته سقوط الإضافات بأْسْرِها ؛ فَلا جَرَمَ لما ذكر موسى - عليه السلام - ذلك أُمِرَ بإلقائها فجعلها اللَّهُ حَيَّةً تسعى ، وولَّى موسى هارباً ولم يُعَقِّب . وقيل له يا موسى هذه صفة العلاقة ؛ إذا كوشِفَ صاحبُها بِِسِرِّها يهرب منها .
ويقال لمَّا باسطه الحقُّ بسماع كلامه أخذته أريحية سماع الخطاب ، فأجاب عما يُسْأَل وعمَّا لم يُسْأَل فقال : { وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى } : وذَكَرَ وجوها من الانتفاع ؛ منها أنه قال تؤنسني في حال وحدتي ، وتضيءُ لي الليلَ إذا أظلم ، وتحملني إذ عَييتُ في الطريق فأركبُها ، وأَهُشُّ به على غنمي ، وتدفع عني عَدَوِّي . وأعظم مأربٍ لي فيها أَنَّكَ قُلْتَ : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ؟ } وأيةُ نعمةٍ أو مأربٍ أو منفعةٍ تكون أعظمَ مِنْ أَنْ تقولَ لي : وما تلك ؟ ويقال قال الحقُّ - بعد ما عدَّد موسى وجوَه الآياتِ وصنوفَ انتفاعِه بها - ولَكَ يا موسى فيها أشياءٌ أخرى أنت غافلٌ عنها وهي انقلابُها حيةً ، وفي ذلك لك معجزةٌ وبرهانُ صِدْقٍ .
ويقال جميعُ ما عَدَّدَ من المنافع في العصا كان من قِبَلِ الله . . . . فكيف له أن ينسبها ويضيفها إلى نفسه ، ولهذا قالوا :
يا جنَّة الخُلْدِ ، والهدايا إذا *** تُهدَى إليك فما مِنْكِ يُهْدَى
ويقال قال موسى لها رآها حيةً تهتز : لقد عَلِمْتُ كلَّ وصفٍ بهذه العصا ، أَمَّا هذه الواحدة فلم أعرفها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.