أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (62)

{ أمن يجيب المضطر إذا دعاه } المضطر الذي أحوجه شدة ما به إلى اللجوء إلى الله تعالى من الاضطرار ، وهو افتعال من الضرورة واللام فيه للجنس لا للاستغراق فلا يلزم منه إجابة كل مضطر . { ويكشف السوء } ويدفع عن الإنسان ما يسوءه . { ويجعلكم خلفاء الأرض } خلفاء فيها بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها ممن قبلكم . { أإله مع الله } الذي خصكم بهذه النعم العامة والخاصة . { قليلا ما تذكرون } أي تذكرون آلاءه تذكرا قليلا ، وما مزيدة والمراد بالقلة العدم أو الحقارة المزيحة للفائدة . وقرأ أبو عمرو وهشام وروح بالياء وحمزة والكسائي وحفص بالتاء وتخفيف الذال .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (62)

فَصَلَ بين الإجابة وبين كَشْفِ السوء ؛ فالإجابةُ بالقَولِ والكشفُ بالطَّوْلِ ، الإجابة بالكلام والكشفُ بالإنعام . ودعاءُ المضطر لا حجابَ له ، وكذلك دعاء المظلوم ولكن

{ لِكُلِّ أَجِلٍ كِتَابٌ } [ الرعد : 38 ] .

ويقال للجناية : سراية ؛ فَمَنْ كان في الجناية مختاراً فليس تسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جُرْمِه الذي سَلَفَ منه وهو مختارٌ فيه ، فأكثر الناس يتوهمون أنهم مضطرون ، وذلك الاضطرار سراية ما بَدَرَ منهم في حال اختيارهم .

وما دام العبدُ يتوهم من نفسه شيئاً من الحَوْلَ والحيلة ، ويرى لنفسه شيئاً من الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه - فليس بمضطرٍ ، فالمضطرُّ يرى نَفْسَه كالغريق في البحر ، أو الضَّالِّ في المتاهة ، وهو يرى عِنَانَه بيد سَيِّدِه ، وزِمَامه في قبضته ، فهو كالميت بين يدي غاسِله ، وهولا يرى لنفسه استحقاقاً للنجاة ؛ لاعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط ، ولا يقرأ اسمه إلا من ديوان الشقاوة .

ولا ينبغي للمضطر أن يستعين بأحدٍ في أن يدعوَ له ، لأنَّ اللَّهَ وَعَدَ الإجابة له . . . لا لمن يدعو له .

ثم كما وَعَدَ المضطرَّ الإجابةَ وكَشْفَ السوء وَعَدَه بقوله :-

{ وَيَجْعَلُكُمْ خلَفَآءَ الأَرْضِ أَءِلَه مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } .

فإنَّ مع العسر يسراً ، ولم يقل : العسر إزالة ، ولكن قال : مع العسرِ يُسْرٌ ؛ فنهارُ اليُسْرِ حاصلٌ بعد ظلام العُسْرِ .

ثم قال : { أَءِلَه مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } لأنَّ العبدَ إذا زَالَ عُسْرهُ ، وكُشِفَ عنه ضُرُّه نَسِيَ ما كان فيه ، وكما قال القائل :

كأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكتسى *** ولم يَكُ صعلوكاً إذا ما تَمَوَّلاَ