{ واستفزز } واستخفف . { من استطعت منهم } أن تستفزه والفز الخفيف { بصوتك } بدعائك إلى الفساد . { وأجلب عليهم } وصح عليهم من الجلبة وهي الصياح . { بخيلك ورجلك } بأعوانك من راكب وراجل ، والخيل الخيالة ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " يا خيل الله اركبي " والرجل اسم جمع للراجل كالصحب والركب ، ويجوز أن يكون تمثيلا لتسلطه على من يغويه بمغوار صوت على قوم فاستفزهم من أماكنهم واجلب عليهم بجنده حتى استأصلهم . وقرأ حفص { ورجلك } بالكسر وغيره بالضم وهما لغتان كندس وندس ومعناه : وجمعك الرجل . وقرئ و " رجالك " و " رجالك " . { وشاركهم في الأموال } بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام والتصرف فيها على ما لا ينبغي { والأولاد } بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب المحرم ، والإشراك فيه بتسميته عبد العزى ، والتضليل بالحمل على الأديان الزائغة والحرف الذميمة والأفعال القبيحة . { وعدهم } المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة والاتكال على كرامة الآباء وتأخير التوبة لطول الأمل . { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } اعتراض لبيان مواعيده الباطلة ، والغرور تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب .
بصوتك : بدعائك إلى معصية الله .
وأجلب عليهم : أي : صح عليهم من الجبلة وهي الصياح ، يقال : أجلب على العدو إجلابا ؛ إذا جمع عليه الخيول .
بخيلك ورجلك : أي : بأعوانك من راكب وراجل .
الغرور : تزيين الباطل بما يظن أنه حق .
64- { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك . . . }
وهو تجسيم لوسائل الغواية والإحاطة والاستيلاء على القلوب والمشاعر والعقول ، فهي المعركة الصاخبة ، يستخدم فيها الصوت فيزعج الخصوم ، ويخرجهم من مراكزهم الحصينة ، أو يستدرجهم للفخ المنصوب والمكيدة المدبرة ، فإذا استدرجوا أخذتهم الخيل وأحاطت بهم الرجال .
قال النيسابوري : ( عن ابن عباس : كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل لإبليس وجنوده . وقيل يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل ){[428]} والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلا فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك .
قال المراغي : ليس للشيطان خيل ولا رجالة ، وإنما يراد بهما : الأتباع والأعوان من غير ملاحظة ؛ لكون بعضهم ماشيا وبعضهم راكبا{[429]} .
وقال الزمخشري في الكشاف : مثلت حاله في تسلطه على من يغويه ، بمغوار أوقع على قوم ، فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ، ويقلقهم عن مراكزهم ، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة .
{ وشاركهم في الأموال } ؛ بحثهم على كسبها من غير السبل المشروعة وإنفاقها في غير الطرق التي أباحها الدين ، ويشمل ذلك الربا والغضب والسرقة ، وسائر المعاملات الفاسدة .
وقال الحسن : مرهم أن يكسبوها من خبيث ، وينفقوها في حرام .
{ والأولاد } أي : بالتفاخر والتكاثر بهم ، وتضليلهم بصبغهم بغير صبغة الدين ، أو تربيتهم لا كما ينبغي ؛ حتى ينشئوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق{[430]} .
وإجمال القول فيه ، إن كل مولود ولدته أنثى عصى الله فيه ، بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه ، أو بالزنا بأمه ، أو بوأده ، أو بقتله ، أو غير ذلك ؛ فقد شارك إبليس فيه :
{ وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } . كالوعد بالإفلات من العقوبة والقصاص . والوعد بالغنى من الأسباب الحرام والوعد بالغلبة والفوز بالوسائل الملتوية والأساليب الخسيسة .
ولعل أشد الوعود إغراء : الوعد بالعفو ، والمغفرة بعد الذنب والخطيئة ، وهي الثغرة التي يدخل منها الشيطان على كثير من القلوب ، التي يعز عليه غزوها من ناحية المجاهرة بالمعصية والمكابرة ، فيتلطف حينئذ إلى تلك النفوس المتحرجة ، ويزين لها الخطيئة ، وهو يلوح لها بسعة الرحمة الإلهية ، وشمول العفو والمغفرة .
وذهب القاشاني إلى : أن الآية تشير إلى انقسام الناس مع الشيطان إلى أصناف فقال : تمكن الشيطان من إغواء العباد على أقسام ؛ لأن الاستعدادات متفاوتة ، فمن كان ضعيف الاستعداد استفزه . أي : استخفه بصوته ، يكفيه وسوسة وهمس بل هاجس ولمة ، ومن كان قوي الاستعداد ، فإن أخلص استعداده عن شوائب الصفات الإنسانية ، أو أخلصه لله تعالى عن شوائب الغيرية ، فليس إلى إغوائه سبيل كما قال سبحانه : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ، وإلا فإن كان منغمسا في الشواغل الخسيسة غارزا رأسه في الأمور الدنيوية ، شاركه في أمواله وأولاده ، بأن يحرضه على إشراكهم بالله في المحبة ، بحبهم كحب الله ، ويسول له التمتع بهم ، والتكاثر والتفاخر بوجودهم ، ويمنيه الأماني الكاذبة ، ويزين عليه الآمال الفارغة ، وإن لم ينغمس ، فإن كان عالما بصيرا بحيله ، أجلب عليه بخيله ، ورجله ، أي : مكر به بأنواع الحيل ، وكاده بصنوف الفتن ، وأفتى له في تحصيل أنواع الحطام ، والملاذ ، بأنها من جملة مصالح المعاش ، وغره بالعلم وحمله على الإعجاب ، وأمثال ذلك ؛ حتى يصير ممن أضله الله على علم ، وإن لم يكن عالما بل عابدا منكسا ، أغواه بالوعد والتمنية ، وغره بالطاعة والتزكية أيسر ما يكون{[431]} .
{ بصوتك } : أي بدعائك إياهم إلى طاعتك ومعصيتي بأصوات المزامير والأغاني واللهو .
{ واجلب عليهم } : أي صح فيهم بركبانك ومُشاتك .
{ وشاركهم في الأموال } : بحملهم على أكل الربا وتعاطيه .
{ والأولاد } : بتزيين الزنا ودفعهم إليه .
{ وعدهم } : أي بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء .
وقوله تعالى : { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } قال هذا لإبليس بعد أن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم أذن له في أن يعمل ما استطاع في إضلال أتباعه ، { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } أي واستخفف منهم بدعائك إلى الباطل بأصوات المزامير والأغاني وصور الملاهي وأنديتها وجمعياتها ، { وأجلب عليهم } أي صِح على خيلك ورجلك الركبان والمشاة وسقهم جميعاً على بني آدم لإغوائهم وإضلالهم { وشاركهم في الأموال } بحملهم على الربا وجمع الأموال من الحرام وفي { الأولاد } بتزيين الزنا وتحسين الفجور وعدهم بالأماني الكاذبة وبأن لا بعث يوم القيامة ولا حساب ولا جزاء قال تعالى : { وما يعدهم الشيطان إلا غروراً } أي باطلاً وكذباً وزوراً .
- بيان مشاركة إبليس أتباعه في أموالهم وأولادهم ونساءهم .
- بيان أن أصوات الأغاني والمزامير والملاهي وأندية الملاهي وجمعياتها الجميع من جند إبليس الذي يحارب به الآدمي المسكين الضعيف .
قوله : ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك ) استفز ؛ أي استخف . أفزه الخوف واستفزه ؛ أي أزعجه واستخفه{[2710]} . والمراد بصوت إبليس : الغناء والمزامير واللهو . وقيل : وسوسته . وقيل : دعاؤه إلى معصية الله . والصواب عموم ذلك ؛ فإن إبليس يجهد بالغ جهده لإضلال البشرية بكل الأساليب والأسباب المستطاعة من أجل الإطغاء والإغواء والإلهاء عن دين الله .
وفي هذه الآية يأمر الله إبليس أمر إهانة وتهديد بقوله : استزل واستخف من استطعت أن تستخفه بوسوستك ودعائك إياهم إلى الفسق والعصيان ( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) ( وأجلب ) من الجلب والجلبة ؛ أي الأصوات . وقيل : الجمع . أي اجمع عليهم كل ما تقدر عليه ( بخيلك ورجلك ) الباء زائدة ، ورجل جمع راجل ؛ أي كل راكب وماش . والمعنى : احمل عليهم بجنودك من مشاة وخيّالة . .
قوله : ( وشاركهم في الأموال والأولاد ) م مشاركتهم في الأموال : يعني إنفاق أموالهم في المعاصي . وقيل : ما كانوا يحرّمونه من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي . وقيل : ما كانوا يذبحونه لآلهتهم . وقيل : المراد عموم ذلك .
أما مشاركتهم في الأولاد : فالمراد بذلك أولاد الزنا . وقيل : تمجيس الأولاد وتهويدهم وتنصيرهم . وقيل : المراد عموم ذلك هو الأظهر . قوله : ( وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) أي عدهم بالأماني الكاذبة كشفاعة الآلهة لهم وأنه ليس من بعث ولا حساب ( وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) أي ما يعدهم الشيطان أو يمينهم به إلا الباطل والتغرير .