غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا} (64)

61

ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله : { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } أفزه الخوف واستفزه أزعجه واستخفه ، وصوته دعاؤه إلى معصية الله . وقيل : الغناء واللهو واللعب { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } قال الفراء وأبو عبيدة : أجلب من الجلبة والصياح أي صح عليهم . وقال الزجاج : أي أجمع عليهم كل من تقدر عليه من مكايدك . فالإجلاب الجمع والباء في { بخيلك } زائدة . وقال ابن السكيت : الإجلاب الإعانة ، والخيل يقع على الفرسان قال صلى الله عليه وسلم : " يا خيل الله اركبي . " وعلى الأفراس جميعاً . والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب . وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل . تضم جيمه أيضاً مثل ندس وندس وحذر وحذر . عن ابن عباس : كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده . وقيل : يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل ، والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلاً فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك . قال في الكشاف : مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم ، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم . أما المشاركة في الأموال فهي كل تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذاً من غير عوض أو وضعاً في غير حق كالربا والغضب والسرقة . وقيل : هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة . والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى الزنا ، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى ، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق . { وعدهم } بتزيين المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم عنها ، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون ، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه لا جنة ولا نار . وقيل : تسويف التوبة . وقيل : بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب . وقيل : بشفاعة الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل . ثم نفى أن يكون لوعد الشيطان عاقبة حميدة فقال : { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } لأنه إنما يدعو إلى اللذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية ، وأكثرها دفع الآلام وكلها لا أصل لها ولا دوام . ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب " ذم الغرور من كتاب إحياء علم الدين " للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله .

/خ72