{ فإذا انسلخ } انقضى ، وأصل الانسلاخ خروج الشيء مما لابسه من سلخ الشاة . { الأشهر الحُرم } التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها . وقيل هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وهذا مخل بالنظم مخالف للإجماع فإنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها . { فاقتلوا المشركين } الناكثين . { حيث وجدتموهم } من حل أو حرم . { وخذوهم } وأسروهم ، والأخيذ اليسير . { واحصروهم } واحبسوهم أو حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام . { واقعدوا لهم كل مرصد } كل ممر لئلا يتبسطوا في البلاد ، وانتصابه على الظرف . { فإن تابوا } عن الشرك بالإيمان . { وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } تصديقا لتوبتهم وإيمانهم . { فخلّوا سبيلهم } فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك ، وفيه دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله . { إن الله غفور رحيم } تعليل للأمر أي فخلوهم لأن الله غفور رحيم غفر لهم ما قد سلف وعدلهم الثواب بالتوبة .
{ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 5 ) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُون( 6 ) } .
وخذوهم : وأسروهم ، والأخيذ : الأسير .
واحصروهم : وضيقوا عليهم وامنعوهم من الإفلات .
واقعدوا لهم كل مرصد : وراقبوهم في كل مكان يرى فيه تحركهم ؛ حتى تمنعوهم من التجمع ضدكم ، أو الفكاك منكم .
فخلوا سبيلهم : أي : فاتركوهم أحرارا .
5 -{ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ . . . } الآية .
المراد بالأشهر الحرم : الأشهر الأربعة ، التي أبيح فيها للمشركين الناكثين لعهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن يسيحوا في الأرض آمنين ، وجعلت حرما ؛ لأن الله حرم قتالهم فيها .
وهذه الأشهر تبدأ من يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر ، أما الأشهر الحرم التي قال فيها القرآن : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم } . ( التوبة : 36 ) فهي ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب .
والمعنى : فإذا انقضت الأشهر الأربعة ، التي حرم فيه قتال المشركين الناكثين لعهودهم – لعلهم يثوبون فيها إلى رشدهم – فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم في حل أو حرم ؛ لإصرارهم على الخيانة والشرك .
{ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد } .
وأسروهم ، فإن الأخيذ هو الأسير .
{ واحصروهم } : الحصر : منعهم من التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم .
{ واقعدوا لهم كل مرصد } . المرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو ، أي : اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها .
وترى أن هذه الوسائل الأربعة – القتل ، والأسر ، والمحاصرة ، والمراقبة – هي الوسائل الكفيلة بالقضاء على الأعداء ، ولا يخلو عصر من العصور ، من استعمال بعضها أو كلها عند المهاجمة .
وهكذا نرى تعاليم الإسلام ، تحض المسلمين على استعمال كل الوسائل المشروعة ؛ لكيد أعدائهم ، والعمل على هزيمتهم ، ويستثنى من ذلك النساء ، والرهبان ، والشيوخ ، والصبيان ، والضعفاء ؛ فهؤلاء لا يتعرض لهم بقتل ولا تضييق ، إلا إذا عاونوا أولئك الناكثين .
{ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } .
استخدمت الآية كل الوسائل المشروعة في الترهيب والترغيب ؛ فقد أمرت المسلمين بأن يستعلموا مع أعدائهم كل الوسائل المشروعة لإرهابهم ، فإذا رجع المشركون عن الشرك ، فأسلموا وأقاموا الصلاة بشروطها في أوقاتها ، وأدوا الزكاة لمستحقيها ، برهانا على صدق إيمانهم ؛ فخلوا سبيلهم ولا تتعرضوا لهم بشيء مما تقدم ، إن الله عظيم الغفران والرحمة ، فلهذا يقبل توبتهم من الغدر والكفر .
وقد استند أبو بكر رضي الله عنه ، إلى هذه الآية في قتال مانع الزكاة ، حيث قال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ؛ فإن الزكاة حق المال .
وقد روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " 8 .
والمراد بالآية : اقتلوا المشركين الذين يحاربوكم9 .
وفي الحديث المتواتر : الذي رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" أمرت أن أقاتل الناس – أي : مشركي العرب بالإجماع – حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك ؛ عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " 10 .
وجاء في أحكام القرآن للجصاص 3/ 81 :
قوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } .
خاص في مشركي العرب دون غيرهم .
قال عبد الرحمان بن زيد بن أسلم : أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة ثم قال : يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه ! 11 .
فإذا انسلخ : إذا انقضت وانتهت .
الأشهر الحرم : هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم . . حرم الله فيها القتال .
احصروهم : احبسوهم امنعوهم من الخروج .
المرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو .
بعد تقرير الحكم ببراءة الله ورسوله من المشركين ، مع استثناء الذين لم ينقُصوا المسلمين شيئاً ولم يُظاهروا عليهم أحداً ، قفى على ذلك بذكر ما يجب أن يفعله المسلمون بعد انقضاء الأجل المضروب والأمان الذي أُعطي لهم .
فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرَّم الله فيها قتال المشركين ، فافعلوا كل ما ترونه موافقاً للمصلحة من تدابير الحرب وشئونها . . اقتلوا الناقضين للعهد في كل مكان ، وخُذوهم بالشدّة ، واضربوا عليهم الحِصار بسدّ الطرق ، واقعدوا لهم في كل سبيل فإن تابوا عن الكفر ، وأسلموا والتزموا بأحكام الإسلام ، فلا سبيل لكم عليهم ، لدخولهم في دين الله . إن الله تعالى يغفر لهم ما سبق من الشرك والضلال ، فهو واسع الرحمة بعباده .
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أُمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسولُ الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا منّي دماءَهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحِسابُهم على الله ) .
{ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) }
فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي أمَّنتم فيها المشركين ، فأعلنوا الحرب على أعداء الله حيث كانوا ، واقصدوهم بالحصار في معاقلهم ، وترصدوا لهم في طرقهم ، فإن رجعوا عن كفرهم ودخلوا الإسلام والتزموا شرائعه من إقام الصلاة وإخراج الزكاة ، فاتركوهم ، فقد أصبحوا إخوانكم في الإسلام ، إن الله غفور لمن تاب وأناب ، رحيم بهم .