أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٖ جَاثِيَةٗۚ كُلُّ أُمَّةٖ تُدۡعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَٰبِهَا ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (28)

{ وترى كل أمة جاثية } مجتمعة من الجثوة وهي الجماعة ، أو باركة مستوفزة على الركب . وقرئ " جاذية " أي جالسة على أطراف الأصابع لاستيفازهم . { كل أمة تدعى إلى كتابها } صحيفة أعمالها . وقرأ يعقوب { كل } على أنه بدل من الأول وتدعى صفة أو مفعول ثان . { اليوم تجزون ما كنتم تعملون } محمول على القول .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٖ جَاثِيَةٗۚ كُلُّ أُمَّةٖ تُدۡعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَٰبِهَا ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (28)

ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول : { وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } .

وقوله : - سبحانه - من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف .

يقال : جثا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا ، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز ، كأنه منتظر لما يكرهه .

أي : وترى - أيها العاقل - في هذا اليوم الذي تشيب من هوله الولدان ، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها ، وجاثية على ركبها ، مترقبة لمصيرها في تلهف وخوف ، فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم ، وأحوال الناس فيه ، تصويرا بليغاً مؤثرا ، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم ، وعلى تقديم العمل الصالح الذي ينفع صاحبه { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ ، وقوله { تدعى إلى كِتَابِهَا } خبره .

أي : كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذي أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه .

وقوله : { اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر .

أي : ويقال لهم جميعا في هذا الوقت : اليوم تجدون جزاء أعمالكم التي كنتم تعملونها في الدنيا من خير أو شر . ويقال لهم - أيضا - : { هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٖ جَاثِيَةٗۚ كُلُّ أُمَّةٖ تُدۡعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَٰبِهَا ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (28)

قوله : { وترى كل أمة جاثية } { جاثية } أي باركة على الركب . جثا جثوا وجثيّا بضمهما أي جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه . وهو جاث . وقيل : مستوفزة . واستوفز في قعدته إذ قعد قعودا منتصبا غير مطمئن {[4193]} والمعنى : ترى يوم القيامة ، أهل كل ملة أو دين { جاثية } أي جالسة على ركبها وجلة . وذلك من هول القيامة الرعيبة ، وما يأتي على الكون حينئذ من أحداث جسام ، وخطوب هائلة مروعة . يومئذ تفزع القلوب وتضطرب الفرائص ، وتشخص الأبصار .

قوله : { كل أمة تدعى إلى كتابها } { كل } تقرأ بالرفع على أنها مبتدأ وخبره { تدعى } وتقرأ بالنصب على البدل من { كل } الأولى . { تدعى } ، في موضع نصب على الحال{[4194]} . يعني : كل أهل ملة أو دين يدعون إلى كتاب الحفظة ليقرأوه . وقال الجاحظ : تدعى كل أمة إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا . وقيل : تدعى أمة قبل أمة ، وقوم قبل قوم ، ورجل قبل رجل . وذكر من حديث طويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " يمثل لكل أمة يوم القيامة ما كنت تعبد من حجر أو وثن أو خشبة أو دابة ثم يقال : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فتكون ، أو تجعل تلك الأوثان قادة إلى النار حتى تقذفهم فيها " .

قوله : { اليوم تجزون ما كنتم تعملون } يقال لكل أمة من الأمم عقب ندائها إلى كتاب أعمالها : اليوم تعطون جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا ، فتجزون الإحسان بالإحسان ، والإساءة بالإساءة . أو تثابون الخير بالخير ، والشر بالشر . فلا ظلم يومئذ ولا بخس ولا جور .


[4193]:القاموس المحيط جـ 4 ص 312 ومختار الصحاح ص 730.
[4194]:البيان الابن الأنباري جـ 2 ص 366.