أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ} (6)

{ وإن أحد من المشركين } المأمور بالتعرض لهم . { استجارك } استأمنك وطلب منك جوارك . { فأجره } فأمنه . { حتى يسمع كلام الله } ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر . { ثم أبلغه مأمنه } موضع أمنه إن لم يسلم ، وأحد رفع بفعل يفسره ما بعده لا بالابتداء لأن إن من عوامل الفعل . { ذلك } الأمن أو الأمر . { بأنهم قوم لا يعلمون } ما الإيمان وما حقيقة ما تدعوهم إليه فلابد من أمانهم ريثما يسمعون ويتدبرون .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ} (6)

وبعد ان بين - سبحانه - حكم المصرين على الشرك وهو تقالهم وأخذهم ، وحكم الراجعين عنه وهو إخلاء سبيلهم . بعد ذلك بين - سبحانه - حكم المشركين الذين يطلبون الأمان لمعرفة شرائع الإِسلام فقال - تعالى - : { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين . . . } .

وقوله : استجارك ، أى ، طلب جوارك وحمايتك من الاعتداء عليه ، وقد كان من الأخلاق الحميدة المتعارف عليها حماية الجار والدفاع عنه ، حتى سمى النصير جارا ، وعلى هذا المعنى جاء قوله . تعالى : { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ } أى : نصير لكم .

و { إِنْ } شرطية و { أَحَدٌ } مرفوع بفعل مضمر يفسره الفعل الظاهر وهو { استجارك } والمعنى : وإن استأمنك - يا محمد - أحد من المشركين ، وطلب جوارك وحمايتك بعد انقضاء مدة المحددة له ، { فَأَجِرْهُ } أى : فأمنه وأجبه إلى طلبه ، { حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله } أى : لكى يسمع كلام الله ويتدبره ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه من تعاليم مقنعة للعقول السليمة بأن الشرك ظلم عظيم . .

واقتصر على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شئ آخر في الفهم ، لأنهم من أهل الفصاحة والبلاغة ، وقد كان سماع بعضهم لشئ من كلام الله سببا في هدايته .

وقوله : { ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } بيان لما يجب على المسلمين نحو هذا المشرك المستجير إذا ما استمع إلى كلام الله ثم بقى على شركه .

أى : عليك - يا محمد - أن تجيزه حتى يسمع كلام الله ويتدبره ولا يبقى له عذر في الاصرار على شركه ، فإن آمن بعد سماعه صار من أتباعك ، وإن بقى على شركه وأراد الرجوع إلى جماعته ، فعليك أن تحافظ عليه حتى يصل إلى مكان أمنه واستقراره ، وهو ديار قومه : ثم بعد ذلك يصبح حكمه كحكم المصرين على الشرك ، ويعامل بما يعاملون به .

واسم الإِشارة في قوله : { ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } يعود إلى الأمر بالإِجارة وإبلاغ المأمن .

أى : ذلك الذي أمرناك به من إجارة المستجير من المشركين وإبلاغه مأمنه إذا لم يسلم ، بسبب أنهم قوم لا يعلمون الإِسلام ولا حقيقة ما تدعوهم إليهم أى قوم يحتاجون إلى فترة من الوقت يسمعون كلام الله فيها وهم آمنون ، وبهذا السماع منك ومن أصحابك لا يبقى لهم عذر أصلا في استمرارهم على الباطل .

عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل من المشركين إلى على بن أبى طالب فقال : إن أراد الرجل منا أن يأتى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أولحاجة : قتل ؟ فقال له على : لا ، لأن الله يقول { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله } الآية .

هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من الآية ما يأتى :

1- أن المستأمن لا يؤذى ، بل يجب على المسلمين حمايته في نفسه وماله وعرضه ما دام في دار الإِسلام ، وقد حذر الإِسلام أتباعه من الغدر أشد تحذير ، ومن ذلك ما رواه البخارى والنسائى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :

" من أمن رجلا على دمه فقتله فأنا برئ من القاتل وإن كان المقتول كافرا " .

2- يلحق بالمستجير الطالب لسماع كلام الله ؛ من كان طالبا لسماع الأدلة على كون الإِسلام حقا ، ومن كان طالبا للجواب على الشبهات التي أثارها اعداء الإِسلام ، لأن هؤلاء وأمثالهم بطرقون باب الفهم والمعرفة ويبحثون عن الحق فعلينا أن نحميهم ، وأن نبذل أقصى الجهود في تعليمهم وإرشادهم وإزالة الشبهات عنهم ، لعل الله أن يشرح صدورهم للاسلام بسبب هذا التعليم والإِرشاد .

قال ابن كثير : كان رسول الله - صلى اله عليه وسلم - يعطى الأمان لمن جاءه مسترشداً أو في رسالة ، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش منهم عروة بن مسعود ، ومكرز بن فرأوا من إعظام المسلمين لرسولهم - صلى الله عليه وسلم - ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر ، فرجعوا إلى قومهم ، وأخبروهم بذلك ، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم .

3- على الإِمام أو من يقوم مقامه أن يعطى المستأمن المهلة التي يراها كافية لفهمه حقائق الاسلام وأن يبغله مأمنه بعد انقضاء حاجته ، وأن لا يمكنه من الإِقامة في دار الاسلام إلا بمقدار قضاء حاجته .

قال الامام الرازى : ليس في الآية ما يدل على أن مقدار هذه المهلة كم يكون ، ولعله لا يعرف مقدارها إلا بالعرف ، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت اليه .

4- أخذ العلماء من هذه الآية وجوب التفقه في الدين ، وعدم الاكتفاء بالظنون والتقليد للغير ، وقد وضح الإِمام الرازى هذا المعنى فقال :

دلت الآية على ان التقليد غير كاف في الدين ، وأنه لا بد من النظر والاستدلال ، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا ، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر ، بل يقال له : إما أن تؤمن وإما أن نقتلك . فلما لم يقل له ذلك - بل أمهلوأزيل الخوف عنه ووجب تبليغه مأمنه - علم أن ذلك لأجل عدم كفاية التقليد في الدين ، وأنه لا بد من الحجة والدليل : فلذا أمهل ليحل له النظر .

5- تكلم العلماء عمن له حق إعطاء الأمان للمستأمن فقال القرطبى : " ولا خلاف بين كافة العلماء أن أمان السلطان جائز ؛ لأنه النظر والمصلحة . نائب عن الجميع في جلب المصالح ودفع المضار . واختلفوا في أمان غير الخليقة ، فالحر يمضى أمانه عند كافة العلماء . وأما العبد فله الأمان في مشهور مذهب المالكية وبه قال الشافعى وأحمد .

وقال أبو حنيفة ؛ لا أمان له . والأول اصح لقوله - صلى الله عليه وسلم -

" المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم " .

قالوا : فلما قال " أدناهم " جاز أمان العبد . .

وقال بعض العلماء : هذه الآية كانت أصلا عند الفقهاء في إباحة تأمين المشرك ، وقد توسع الإِسلام في باب الأمان فقرر به عصمة المستأمن ، وأوجب على المسلمين حمايته ما دام في دار الإِسلام ، وجعل للمسلمين حق إعطاء ذلك الأمان ، ولم يشترط في ذلك إلا ما يضمن على المسلمين سلامتهم ، بأن لا تظهر على المستأمن مظاهر الركون إلى التجسس على المسلمين .

ولا ينسى الإِسلام - وهو يعطى هذا الحق للافراد - حق الإِمام المهيمن على شئون المسلمين ، بل جعل له بمقتضى هيمنته العامة ، وتقديره لوجوه المصلحة ، حق إبطال أى أمان لم يصادف محله ، أو لم يستوف شروطه ، كما له أن ينتزع ذلك الحق من الأفراد متى رأى المصلحة في ذلك .

والإِسلام يبيح بهذا الأمان التبادل التجارى والصناعى والثقافى ، وفى سائر الشئون ما لم يتصل شئ منها بضرر الدولة .

6- هذه الآية الكريمة تشهد بسمو تعاليم الاسلام وسماحتها وحرصها على هداية الناس الى الحق ، وعلى صيانة دمائهم وأموالهم وأعراضهم من العدوان عليها . . حتى ولو كان هؤلاء الناس من أعداء الإِسلام .

وقد بسط هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه : إن هذه الآية تعنى أن الإِسلام حريص على كل قلب بشرى أن يهتدى وأن يثوب ، وأن المشركين يطلبون الجوار والأمان في دار الإِسلام يجب أن يعطوا الجوار والأمان ذلك أنه في هذه الحالة آمن حربهم وتجمعهم وتألبهم عليه ، فلا ضير إذن من إعطائهم فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين ، لعل قلوبهم أن تتفتح وتستجيب وحتى إذا لم تستجب فقد أوجل الله لهم على أهل دار الإِسلام أن يحرسوهم بعد إخراجهم حتى يصلوا إلى بدل يأمنون فيه على أنفسهم .

ولقد كانت قمة عالية تلك الإِجارة والأمان لهم في دار الاسلام . . ولكن قمة القمم هذه الحراسة للمشرك - عدو الإِسلام والمسلمين - حتى يبلغ مأمنه خارج حدود دار السلام .

إنه منهج الهداية لا منهج الابادة ، حتى وهو يتصدى لتأمين قاعدة الإِسلام .

إن هذا لدين إعلام لمن لا يعلمون ، وإجارة لمن يستجيرون ، حتى من أعدائه الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه . .

وبعد أن صرحت السورة الكريمة ببراءة الله ورسوله من عهود المشركين الخائنين ، وأمرت المؤمنين بإعطائهم مهلة يسيحون فيها في الأرض ، ويتدبرون خلالها أمرهم ، ثم بعد ذلك على المؤمنين أن يقتلوهم حيث وجدوهم ، وان يستعملوا معهم كل الوسائل المشروعة لإِذلالهم ، وأن يؤمنوا المشرك الذي يريد أن يسمع كلام الله ، وان يحافظوا عليه حتى يصل الى مكان استقراره . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ} (6)

قوله تعالى : { وإن احد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذالك بأنهم قوم لا يعلمون } { أحد } ، فاعل لا مبتدأ ، مرفوع بفعل مقدر دل عليه الظاهر . وتقديره : وإن استجارك أحد من المشركين استجارك ؛ لأن ( إن ) الشرطية تقتضي الفعل{[1726]} . واستجارك أي سألك جوارك ، والجوار معناه الأمان والذمام والعهد{[1727]} . وكلام الله يراد به القرآن . فيكون المعنى : إذا استأمنت ، أو طلب منك الأمان والذمام أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع منك القرآن عسى أن يعلمه ويتعظ به ، فإن آمن به وصدق فحسن ، وإن أبي ولم يتعظ مما سمعه منك ؛ فرده إلى مأمنه حيث يقيم ويأمن ؛ وهو أن يلحق بداره وقومه من المشركين .

على أن ذلك فيمن يأتي المسلمين مبتغيا سماع القرآن والوقوف على منهج الاسلام وتعاليمه . أما الذي يأتي للتجارة أو مصالحه الأخرى فللمسلمين أن ينظروا في إجارته أو عدمها تبعا لما تقتضيه مصلحهم{[1728]} .

ويستوقفنا مثل هذا المعنى حواه القرآن الحكيم ، إذ يوجب أن تعطي الفرصة كاملة للمشركين والضالين كيما يستمعوا إلى رسالة الإسلام استماعا مباشرا وعن كثب من أجل أن تطرق أسماعهم وأفئدتهم حقائق هذا الدين الكريم المفضل بما يحمله للبشرية من معالم رصينة في الأخوة والرحمة والمنطق السليم ، وقواعد ثوابت في الحق والخير والعدل . ومقتضى ذلك : أن الكافر المرتاب الذي يتيه في جهالته المطبقة للإسلام والذي تحيط به المعوقات والفتن والشبهات المصطنعة والمفتراة على الإسلام –إذا جاء يطلب الحجة من المسلمين على حقيقة دينهم وصدق رسالتهم ، قبلوه وعرضوا عليه منهج الإسلام بعقيدته السمحة المرغوبة ، وشرعه المتكامل الميسور ، وتصوره المحبب الرائع الذي يتفق وفطرة البشر وطبائع الناس وينسجم وطبيعة هذا الكون الرتيب المتسق . لا جرم أن ذلك برهان ساطع على تكريم الإسلام للإنسان مسلما أو غير مسلم . وتكريم الإنسان المسلم معلوم في تصور الإسلام . وفي تشريعه الكبير . وكذلك غير المسلم ؛ فإن الإسلام يحقق له من الأسباب والذرائع الحسية والذهنية ما يفضي إلى إقناعه في حرية موفورة وتودد بالغ ، ويكشف اللبس والشبهات عن ذهنه وبصيرته بالحجة الواعية الكافية والمجادلة الحكيمة المستفيضة حتى يستيقن غير المسلم روعة هذا الدين وأنه الحق المبين المنزل من عند الله هداية الناس كافة .

من أجل ذلك شرع الأمان للمشركين في كل الأحوال كيما يتمكنوا من الدخول على المسلمين فيتعلموا منهم حقيقة هذا الدين عسى أن يهتدوا . على أن الأمان من حيث إعطاؤه يناط بكل واحد من آحاد المسلمين سواء كان رئيسا أو مرؤوسا ، ذكرا أو أنثى ، حرا أو عبدا . فأيما مسلم يجوز له أن يعطي الأمان لأحد المشركين ليلج عليه فيوفقه على مزايا هذا الدين وتعاليمه .

قال صاحب الكشاف . وهذا الحكم ثابت إلى ثوم القيامة . قال الحسن البصري : هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة .

قوله : { ذالك بأنهم قوم لا يعلمون } ذلك عائد إلى الإجازة ؛ أي ذلك الأمر بإجارة المشركين كان بسبب كونهم جهلة لا يعلمون عن الإسلام شيئا ، أو يعلمون عنه ظاهرا مصطنعا من المفاهيم المشوهة والأخبار الملفقة تلفيقا . أما حقيقة الإسلام بنصوعه وروعة نظامه الرحيم الشامل ؛ فلا يدرك منه المشركون شيئا{[1729]} .


[1726]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 394.
[1727]:القاموس المحيط جـ 1 ص 409 والمعجم الوسيط جـ 1 ص 146.
[1728]:تفسير الرازي جـ 15 ص 235- 237 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 75.
[1729]:الكشاف جـ 2 ص 175 وتفسير الطبري جـ 10 ص 57 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 76.