ثم شرع سبحانه يقرر{[37620]} أمر بدئه للخلق وإعادته في سياق مذكر بالنعم التي يجب شكرها ، {[37621]}ويسمى المعرض عن شكره{[37622]} كافراً فقال : { هو } أي لا غيره { الذي جعل } أي بما هيأ من الأسباب { الشمس } .
ولما كان النور كيفية قابلة{[37623]} للشدة والضعف ، خالف سبحانه في الأسماء{[37624]} مما يدل على ذلك فقال نور الشمس : { ضياء } أي ذات نور قوي ساطع وقدرها منازل ، هكذا التقدير{[37625]} ، لكن لما كانت في تقلبها بطيئة بالنسبة إلى القمر ذكره دونها فقال : { والقمر } أي وجعل القمر { نوراً } أي ذا نور من نورها { وقدره } أي وزاده{[37626]} عليها بأن {[37627]}قدره مسيرة{[37628]} { منازل } سريعاً يقلبه{[37629]} فيها ، وباختلاف حاله في زيادة نوره ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات والحرارات التي{[37630]} دبر الله بها هذا الوجود - إلى غير ذلك من الأسرار التي هي فرع وجود الليل والنهار { لتعلموا }{[37631]} بذلك علماً سهلاً { عدد السنين }{[37632]} أي المنقسمة إلى الفصول الأربعة وما يتصل بذلك من الشهور وغيرها ليمكن لكم تدبير المعاش في أحوال الفصول وغيرها { والحساب } أي في غير ذلك مما يدل على بعض تدبيره سبحانه .
ولما كان ذلك مشاهداً لا مرية{[37633]} فيه ، وصل به قوله : { ما خلق الله } أي الذي له الكمال كله { ذلك } أي الأمر العظيم جداً { إلا بالحق } أي خلقاً ملتبساً{[37634]} بالحق الكامل في الحقية لا مرية فيه ، فعلم أنه قادر على إيجاد الساعة كذلك إذ لا فرق ، وإذا كان خلقه كذلك فكيف يكون أمره الناشىء عنه الخلق غير الخلق{[37635]} بأن يكون من السحر الذي مبناه على التمويه والتخييل الذي هو عين الباطل ، أو{[37636]} ما خلقه إلا بسبب إظهار الحق من العدل بين العباد بإعزاز الطائع وإذلال العاصي ، فإنه لا نعيم كالانتصار على المعادي والانتقام من المشانىء ، والجعل : وجود ما به يكون الشيء على صفة{[37637]} لم يكن عليها ، والشمس : جسم عظيم النور فإنه يكون ضياء النهار ؛ والقمر : جسم نير يبسط نوره على جميع الظاهر من الأرض ويكسفه{[37638]} نور الشمس ؛ والنور : شعاع فيه ما ينافي الظلام ؛ والحساب : عدد {[37639]}يحصل به{[37640]} مقدار الشيء من غيره .
ولما كان النظر في هذه الآيات من الوضوح بحيث لا يحتاج {[37641]}إلى كثير{[37642]} من الاتصاف بقابلية العلم ، ختم الآية بقوله : { يفصل } أي الله في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالياء التحتية ، وبالالتفات إلى أسلوب العظمة تعظيماً للبيان في قراءة الباقين بالنون { الآيات } أي يبين الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة متفاصلة بياناً شافياً . ولما كان البيان لمن لا علم له كالعدم ، قال : { لقوم } أي لهم قوة المحاولة لما يريدون { يعلمون } أي لهم هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار ؛ ولما كانت لهم المعرفة التامة والنظر الثاقب في منازل القمر عدت من الجلي .
قوله تعالى : { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون 5 إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون } ذلك تنبيه من الله على عظيم قدرته وبالغ علمه وحكمته ، ويتجلى ذلك فيما بينه الله من الدلائل القاطعة من آثار صنعه في الكون على أنه الخالق المبدع الحق . ومن جملة خلقه وإبداعه أنه جعل الشمس ضياء . و { ضياء } ، إما مفعول ثان على أن الجعل بمعنى التصيير . وإما حال على أنه بمعنى الإنشاء{[1941]} .
والضياء والضوء : ما ينير الأشياء . والضوء أقوى من النور وأسطع ؛ فهو الشعاع الصادر عن جرم الشمس بقدرة الله وحكمته . أما النور : فهو الشعاع الصدر عن القمر . والفرق بين الجرمين عظيم وهائل ، وذلك من حيث المساحة والحجم ، ومن حيث النوع والجوهر ؛ فجرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمليون ونيف من المرات . لكن القمر أصغر من حجر الأرض بكثير . أما من حيث النوع والجوهر ؛ فإنه الشمس عبارة عن كتلة هائلة لاهبة من النار تبلغ حرارتها آلاف الدرجات ؛ فهي بذلك تشع من لهيبها المضطرم الضياء والحرارة والإشراق . لكن المقر بمثابة العاكس لضياء الشمس ؛ إذ يعكسه على الوجه المقابل له من الأرض ليشع فيه النور الساطع ، قوله : { وقدره منازل } أي جعله ذا منازل ، فأول ما يبدوا دقيقا ثم يطرد في الكبر والتزايد حتى يتسق ويصيرا بدرا . وهو كلما ازداد جرمه المنظور ، ازداد نوره المنبعث المنساب نحو الأرض لينشر فيها الإشعاع الساكن المتلألئ .
قوله : { لتعلموا عدد السنين والحساب } أي حساب الأوقات من الشهور والأيام والليالي ؛ فإنه بسير القمر تعرف الشهور ، وهي في شريعة الإسلام مبينة على رؤية الأهلية . والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية .
قوله : { ما خلق الله ذالك إلا بالحق } خلق الله هذا النظام الكوني المتسق المطرد الرتيب وفقا للحكمة والصواب وإظهارا لقدرته وعظيم صنعه .
قوله : { يفصل الآيات لقوم يعلمون } أي نبين الحجج والدلائل للمتفكرين أولي العقول النيرة الذين ينتفعون بهذه الدلائل والبينات الواضحات التي تكشف عن حكمة الله البالغة وعظيم صنعه وتقديره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.