نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ} (105)

ولما كان كأنه قيل : يا ليت شعري ماذا يكون حال الناس إذا أتى ذلك الأجل وفيهم الجبابرة والرؤساء وذوو العظمة والكبراء ! أجيب بقوله : { يوم يأت } أي ذلك الأجل لا يقدرون على الامتناع بل{[40158]} ولا على مطلق الكلام ، وحذف ابن عامر وعاصم وحمزة الياء اجتزاء عنها بالكسرة{[40159]} كما هو فاشٍ في لغة هذيل ، وكان ذلك إشارة إلى أن شدة هوله تمنع أهل الموقف الكلام أصلاً في مقدار ثلثيه ، ثم يؤذن لهم في الكلام في الثلث الآخر بدلالة المحذوف وقرينة الاستثناء ، فإن العادة أن يكون المستثنى أقل من المستثنى منه { لا تكلم } ولو أقل كلام بدلالة حذف التاء { نفس } من جميع الخلق في ذلك اليوم الذي هو يوم الآخرة ، وهو ظرف هذا الأجل وهو يوم طويل جداً ذو ألوان وفنون وأهوال وشؤون ، تارة يؤذن فيه في الكلام ، وتارة يكون على الأفواه الختام ، وتارة يسكتهم الخوف والحسرة والآلام ، وتارة ينطقهم الجدال والخصام { إلا بإذنه } أي بإذن ربك المكرر ذكره في هذه الآيات إشارة إلى حسن التربية{[40160]} وإحكام التدبير{[40161]} .

ولما علم من هذا{[40162]} أنه يوم عظمة وقهر ، سبب عن تلك العظمة تقسيم الحاضرين فقال : { فمنهم } أي الخلائق الحاضرين لأمره { شقي } ثبتت له الشقاوة فيسر في الدنيا لأعمالها { وسعيد* } ثبتت له السعادة فمشى على منوالها ؛ والتأخير : الإذهاب عن جهة الشيء بالإبعاد منه ، وضده التقديم ؛ {[40163]}والأجل : الوقت المضروب لوقوع أمر من الأمور{[40164]} ؛ واللام تدل على العلة والغرض والحكمة بخلاف{[40165]} " إلى " ؛ والشقاء : قوة أسباب البلاء .


[40158]:سقط من ظ ومد.
[40159]:في ظ: كالكسرة.
[40160]:سقط من ظ ومد.
[40161]:في ظ: التذكير.
[40162]:في ظ: هذه.
[40163]:سقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[40164]:سقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[40165]:من ظ ومد، وفي الأصل: بخلا ـ كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ} (105)

قوله : { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه } { يأت } ، فيه ضمير يعود على قوله { وذلك يوم مشهود } و { لا تلكم } ، فيه وجهان . أحدهما : أنه صفة ليوم ، والتقدير : يوم يأتي لا تلكم نفس فيه . وثانيهما : أن يكون حالا من الضمير في { يأت } أي يوم يأتي اليوم المشهود غير متكلم فيه نفس{[2176]} . وتكلم ، أصلها تتكلم ، حذفت إحدى التاءين للتخفيف . والمعنى : أن هؤلاء الأشقياء الموقوفين على ربهم داخرين أذلة لا ينسبون حينئذ بكلمة إلا بإذن الله .

قوله : { فمنهم شقي وسعيد } أي شقي من الناس من شقي بالعذاب ، وسعيد منهم من سعد بالنجاة . والشقي الذي كتبت له الشقاوة ، والسعيد الذي كتبت له السعادة . قال الحافظ أبو يعلي في مسنده عن عمر قال : لما نزلت { فمنهم شقي وسعيد } سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله : علام نعمل ؟ على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه ؟ فقال : ( على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام ؛ ولكن كل ميسر لما خلق له ) {[2177]} .


[2176]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 28.
[2177]:تفسير الطبري جـ 12 ص 69 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 459.