ولما كان كأنه قيل : يا ليت شعري ماذا يكون حال الناس إذا أتى ذلك الأجل وفيهم الجبابرة والرؤساء وذوو العظمة والكبراء ! أجيب بقوله : { يوم يأت } أي ذلك الأجل لا يقدرون على الامتناع بل{[40158]} ولا على مطلق الكلام ، وحذف ابن عامر وعاصم وحمزة الياء اجتزاء عنها بالكسرة{[40159]} كما هو فاشٍ في لغة هذيل ، وكان ذلك إشارة إلى أن شدة هوله تمنع أهل الموقف الكلام أصلاً في مقدار ثلثيه ، ثم يؤذن لهم في الكلام في الثلث الآخر بدلالة المحذوف وقرينة الاستثناء ، فإن العادة أن يكون المستثنى أقل من المستثنى منه { لا تكلم } ولو أقل كلام بدلالة حذف التاء { نفس } من جميع الخلق في ذلك اليوم الذي هو يوم الآخرة ، وهو ظرف هذا الأجل وهو يوم طويل جداً ذو ألوان وفنون وأهوال وشؤون ، تارة يؤذن فيه في الكلام ، وتارة يكون على الأفواه الختام ، وتارة يسكتهم الخوف والحسرة والآلام ، وتارة ينطقهم الجدال والخصام { إلا بإذنه } أي بإذن ربك المكرر ذكره في هذه الآيات إشارة إلى حسن التربية{[40160]} وإحكام التدبير{[40161]} .
ولما علم من هذا{[40162]} أنه يوم عظمة وقهر ، سبب عن تلك العظمة تقسيم الحاضرين فقال : { فمنهم } أي الخلائق الحاضرين لأمره { شقي } ثبتت له الشقاوة فيسر في الدنيا لأعمالها { وسعيد* } ثبتت له السعادة فمشى على منوالها ؛ والتأخير : الإذهاب عن جهة الشيء بالإبعاد منه ، وضده التقديم ؛ {[40163]}والأجل : الوقت المضروب لوقوع أمر من الأمور{[40164]} ؛ واللام تدل على العلة والغرض والحكمة بخلاف{[40165]} " إلى " ؛ والشقاء : قوة أسباب البلاء .
قوله : { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه } { يأت } ، فيه ضمير يعود على قوله { وذلك يوم مشهود } و { لا تلكم } ، فيه وجهان . أحدهما : أنه صفة ليوم ، والتقدير : يوم يأتي لا تلكم نفس فيه . وثانيهما : أن يكون حالا من الضمير في { يأت } أي يوم يأتي اليوم المشهود غير متكلم فيه نفس{[2176]} . وتكلم ، أصلها تتكلم ، حذفت إحدى التاءين للتخفيف . والمعنى : أن هؤلاء الأشقياء الموقوفين على ربهم داخرين أذلة لا ينسبون حينئذ بكلمة إلا بإذن الله .
قوله : { فمنهم شقي وسعيد } أي شقي من الناس من شقي بالعذاب ، وسعيد منهم من سعد بالنجاة . والشقي الذي كتبت له الشقاوة ، والسعيد الذي كتبت له السعادة . قال الحافظ أبو يعلي في مسنده عن عمر قال : لما نزلت { فمنهم شقي وسعيد } سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله : علام نعمل ؟ على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه ؟ فقال : ( على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام ؛ ولكن كل ميسر لما خلق له ) {[2177]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.