ثم{[39118]} ساق سبحانه جواب قومه على وجه هو في غاية التسلية والمناسبة للسياق بقوله : { فقال } أي فتسبب عن هذا النصح العظيم أن قال ؛ {[39119]}ولما{[39120]} كان هذا بعد أن تبعه بعضهم قال : { الملأ } وبين أن الجدال مع الضلال {[39121]}بعد أن بين{[39122]} أنهم هم الأشراف زيادة في التسلية بقوله : { الذين كفروا } وبين أنهم أقارب أعزة بقوله : { من قومه } أي الذين هم في غاية القوة لما يريدون محاولة القيام به { ما نراك } أي شيئاً من الأشياء { إلا بشراً } أي آدمياً { مثلنا } أي في مطلق البشرية ، لست بملك تصلح {[39123]}لما لا تصلح{[39124]} له من الرسالة ، وهذا قول البراهمة ، وهو منع نبوة البشر على الإطلاق ، وهو قول من يحسد على فضل الله ويعمى عن جلي حكمته فيمنع أن يكون النبي بشراً ويجعل الإله حجراً .
ولما كانت العظمة عندهم منحصرة{[39125]} في عظمة الأتباع قالوا : { وما نراك } ولما انفوا الرؤية عنه فتشوف السامع إلى ما يقع عليه من المعاني ، بينوا أن مرادهم رؤية من اتبعه فقالوا : { اتبعك } أي تكلف اتباعك { إلا الذين هم } أي خاصة { أراذلنا } أي كالحائك ونحوه ، وليس منا رذل{[39126]} غيرهم ، وهو جمع أرذل {[39127]}كأكلب جمع رذل{[39128]} ككلب ، والرذل : الخسيس الدنيء ، وهذا ينتج أنه لم يتبعك أحد له قدر ؛ قالوا : و { اتبعك } عامل في قوله : { بادي الرأي } وهو ظرف أي اتبعوك بديهة من غير تأمل ، فاتباعهم لا يدل على سداد لما اتبعوه من وجهين : رذالتهم في أنفسهم ، وأنهم لم يفكروا{[39129]} فيه ، لكن يضعفه إيراد الاتباع بصيغة الافتعال التي تدل على علاج ومجاذبة ، فالأحسن إسناده - كما قالوه{[39130]} أيضاً - إلى أراذل . أي أنهم بحيث لا يتوقف ناظرهم عند أول وقوع بصره عليهم أنهم سفلة أسقاط ، ويجوز أن يكون المراد " بادي رأيك " أي{[39131]} أنك تظن أنهم اتبعوك ، ولم يتبعوك .
ولما كانوا لا يعظمون إلا بالتوسع في الدنيا ، قالوا : { وما نرى لكم } أي لك ولمن تبعك { علينا } وأغرقوا في النفي بقولهم{[39132]} : { من فضل } أي شرف ولا مال ، وهذا - مع مامضى من قولهم - قول من يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق ، وذلك أنه يستدل على كون الشيء حقاً بعظمة متبعه في الدنيا ، وعلى كونه باطلاً بحقارته فيها ، ومجموع قولهم يدل على أنهم يريدون : لو صح كون النبوة في البشر لكانت{[39133]} في واحد ممن أقروا له بالعلو في الأرض ، وعمل { اتبعك } في { بادي{[39134]} } يمنعه تمادي الاتباع على الإيمان ، فانتفى الطعن بعدم التأمل { بل نظنكم كاذبين* } أي لكم هذا الوصف لازماً دائماً لأنكم لم تتصفوا بما جعلناه مظنة الاتباع مما يوجب العظمة في القلوب والانقياد للنفوس بالتقدم في الدنيا بالمال والجاه ؛ فكان {[39135]}داؤهم بطر{[39136]}
الحق وغمط{[39137]} الناس ، وهو احتقارهم ، {[39138]}وهذا{[39139]} قد سرى إلى أكثر{[39140]} أهل الإسلام ، فصاروا لا يعظمون إلا بذلك ، وهو أجهل الجهل لأن الرسل أتت{[39141]} للتزهيد في الدنيا وانظر إلى رضاهم لأنفسهم بالعدول عن البينة إلى اتباع الظن ما أردأه ! وهذا أفظع مما حكى هنا من قوله قريش { لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك{[39142]} } وأبشع ؛ والبشر : الإنسان لظهور بشرته أي ظاهر جلده لأن الغالب على غيره من الحيوان سترها{[39143]} بالصوف أو الشعر أو الوبر أو الريش ؛ والمثل : الساد مسد غيره في الحس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهدة لسد مسده ؛ {[39144]}والرذل : الحقير بما عليه من صفات النقص وجمعه{[39145]} ؛ والفضل : الزيادة من الخير ، والإفضال : مضاعفة الخير{[39146]} التي توجب الشكر
قوله : { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نرك إلا بشرا مثلنا } الملأ الذين كفروا من قومه ، هم الكبراء والأشراف من قوم نوح الذين جحدوا نبوته وصدوا الناس عن الإيمان بدينه ، فقد قالوا : { وما نراك إلا بشرا مثلنا } أي لست إلا آدميا تشبه في خلقك وصورتك ؛ فقد كانوا ينكرون أن رسول الله للناس رسولا من البشر ، بل ظنوا أن الله لا يرسل إلا ملكا من الملائكة .
قوله : { وما نرك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي } أي ما نراك اتبعك إلا الذين هم أخساؤنا وسلفتنا من الناس الفقراء والمغلوبين ، ليس الكبراء والأشراف والأغنياء . { بادي الرأي } { بادي } ، تقرا بالهمز وغير الهمز . فبادئ بالهمز اسم فاعل من بدأ يبدأ ؛ أي أول الرأي .
وبادي بغير همز ، اسم فاعل من بدا يبدوا إذا ظهر ؛ أي ظاهر الرأي . وبادي منصوب على الظرف ، وأصله : وقت حدوث ظاهر رأيهم ، أو أول رأيهم{[2076]} .
والمعنى المقصود من قولهم لنوح عليه السلام : أن اتباعهم لك أمر قد عن لهم من غير رواية ولا تثبيت ولا نظر . ولو أنهم تفكروا ما اتبعوك . ذلك هو قول الجاحدين العتاة من الظالمين والمجرمين ؛ أولئك الذين مردوا على العناد والمكابرة والعصيان ؛ فلا تصيخ قلوبهم للحق الواضح المستبين ، ولا تستجيب أذهانهم للحجة الجلية المكشوفة التي جاء بها النبيون والمرسلون ؛ لقد جاءوا بالحجة الساطعة سطوع الشمس في وضح النهار المتجلي ، ومع ذلك فلا يستجيب الجاحدون الأشقياء ، ويأبون إلا العتو والاستنكاف والإدبار في خسة ولؤم ، أولئك هم الشاردون شرود الشياطين ، إذا ما ذكر الله .
أما المؤمنون المبرأون من معايب النفس المريضة ، الأسوياء في فطرهم وطبائعهم ؛ فإنهم ما لبثوا أن يبادروا بالإيمان والاستجابة والطاعة في غير ما التواء ولا إبطاء ولا تحمل . أولئك هم الأسوياء الكرام من البشر الذين سمت نفوسهم وطبائعهم فوق الأمراض والعقد والشذود فأوجفوا{[2077]} بأنفسهم سراعا لا ستلهام المعاني الخيرة العظيمة التي حملها غليهم النبيون والمرسلون .
قوله : { وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين } يخاطب المشركون الظالمون نبيهم نوحا والذين آمنوا معه ليقولون لهم في استكبار فاجر : ليس لكم علينا من فضل أو شرف تتميزون به علينا ؛ بل إنكم كاذبون فيما جئتمونا به . وهذا تكذيب منهم ظاهر لنبوة نوح وما جاءهم به من دين وتوحيد{[2078]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.