نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا} (100)

ولما قدم في هذه السورة أنه هو المعطي وأن عطاءه الجم - الذي فات الحصر ، وفضل عن الحاجة ، وقامت به الحجة على العباد في تمام قدرته وكمال علمه - غير محظور عن أحد ، وأنهم يقتلون أولادهم مع ذلك خشية الإملاق ، وهم يطلبون أن يظهر لهم من جنس ما خلق من الينابيع والجنات والذهب والزخرف على كيفيات مخصوصة لغير حاجة ما تقدم ذكره ، وقد امتنعوا بخلاً وأنفة وجهلاً عن الاعتراف له بما أوجبه عليهم شكراً لنعمته ، واستدفاعاً لنقمته ، بعد قيام الدلائل وزوال الشبه فلا أبخل منهم لأنهم بخلوا مما يجب عليهم من الكلام كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :

" أبخل الناس من بخل بالسلام " أمره أن ينبههم على سفههم في ذلك بقوله تعالى : { قل لو } .

ولما كان من حق " لو " الدخول على الأفعال ، علم أن بعدها فعلاً من جنس ما بعد تقديره : تملكون ولكنه حذفه وفصل الضمير لأن المقصود الحكم عليهم بادىء بدء فقال تعالى : { أنتم } أي دون غيركم { تملكون خزائن } عبر بصيغة منتهى الجموع ، لأن المقام جدير بالمبالغة { رحمة } أي إرزاق وإكرام { ربي } المحسن إليّ بإيتائي جميع ما ثبت أمري وأوضحه ، وهي مقدوراته التي يرحم بها عباده بإضافتها عليهم { إذاً لأمسكتم } أي لوقع منكم الإمساك عن الإنفاق في بعض الوجوه التي تحتاجونها { خشية } عاقبة { الإنفاق } أي الموصل إلى الفقر ، ثم استدل على صحة هذا المفروض بالمشاهد من مضمون قوله تعالى : { وكان } أي جبلة وطبعاً { الإنسان } أي الذي من شأنه الإنس بنفسه ، فهو لذلك لا يعقل الأمور حق عقلها { قتوراً * } أي بخيلاً ممسكاً غاية الإمساك لإمكان أن يكون فقيراً فلا تراه إلا مضيقاً في النفقة على نفسه ، ومن تلزمه نفقته ، شديداً في ذلك وإن اتسعت أحواله ، وزادت على الحد أمواله ، لما فيه من صفة النقص اللازمة بلزوم الحاجة له ، طبع على ذلك فهو في غريزته بالقوة ، فكلهم يفعله إلا من وفقه الله تعالى فغلب عقله على هواه وقليل ما هم ! أي فإذا كان هذا أمركم فيما تملكونه مع الحاجة إلى الوجوه المنفق فيها فكيف تطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لا يملكه ، ولا ادعى القدرة عليه ؟ أو من الخالق الحكيم أن يفعل ما تتعنتون به عبثاً بغير حاجة أصلاً ، لأنه إن كان لإثبات قدرته فأنتم لا تمترون فيها ، وإن كان لإثبات رسالة نبيكم فقد ثبت بأمور أعظمها هذا القرآن الذي مر آنفاً إقامة الدليل عليها به ، وهتك أستار شبهتكم في استبعاد كون الرسول بشراً ، والله تعالى قد أكرمكم بنبيكم عن أن يعاجلكم بالاستئصال عند العصيان بعد كشف الغطاء كما جرت به سنته في جميع الأمم ، وإن كان لإثبات غناكم فهو شيء لا يغني نفوسكم فيردها عن طلب المزيد وعن التقتير لما طبعتم عليه . بل تكونون عند حصول ذلك لكم لحصول الغنى كالمستجير من الرمضاء بالنار ، وهو قد قضى أنه يظهر أمره على كل من ناواه وإن كره الكافرون ، وقد علم من يؤمن فييسر له الإيمان ويجعله عوناً لحزب الرحمن ، ومن لا يؤمن فهو يجعله مع أولياء الشيطان ، ويذيق الكل الهوان ، ويجعلهم وقوداً للنيران ، فلم يبق بعد هذا كله في إجابتكم إلى تعنتكم إلا العبث الذي هو سبحانه متعال عنه ، فلا وجه يحصل به الإنسان الغني إلا اتباع السنة والانسلاخ عن الهوى ، فمن وصل إلى ذلك استوى عنده الذهب والحصباء .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا} (100)

قوله : ( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ) ( أنتم ) ، مرفوع بفعل مقدر يفسره ( تملكون ) والتقدير : لو تملكون . و ( خشية ) ، منصوب على أنه مفعول له{[2756]} والمراد بخزائن رحمة ربي ، الأموال والأرزاق وسائر نعم الله ؛ أي قل لهؤلاء المشركين الجاحدين لو أنكم أيها الناس تملكون خزائن النعم والأرزاق ( إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ) أي لبخلتم بهذه الأموال فلم تعطوا منها أحدا شيئا خشية الفقر والفاقة ، أو لبخلتم خشية أن يفني الإنفاق أموالكم ؛ وذلك لفرط ما يركب طبع البشر من ذميمة الشح والإمساك ، والضن بالبذل والسخاء . لذلك قال : ( وكان الإنسان قتورا ) أي بخيلا . يقال قتر يقتر قترا وأقتر إقتارا وقتر ، بالتشديد ، تقتيرا . والمراد أن الإنسان بني على التقتير وهو الشح والإمساك خشية على المال أن يفنى{[2757]} .


[2756]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 97.
[2757]:- فتح القدير جـ3 ص 261 والكشاف جـ2 ص 467.